ملك الأردن وكأس اللوبي الصهيوني المسموم

الملك عبد الله الثاني يصلي في الباقورة المستعادة
الرابط المختصر

تتابعت في الشهور القليلة الماضية أحداث ومواقف بدت غريبة ومتناقضة، فمن ناحيةٍ اتخذ الأردن مواقف فيها كثير من التحدّي غير المعتاد لإسرائيل، فيما استمر تسارع مشاريع التطبيع الأردنية معها، كما قدّم أهم معقل صهيوني في نيويورك جائزة للملك عبد الله الثاني، بدت محاولة ترضية وطمأنة مفادها أن الكونغرس الأميركي لن يتخلى عن الأردن باعتباره بلدا حليفا للولايات المتحدة، بينما تمضي خطوات دولة الاحتلال الإسرائيلي في ضم أراضي الضفة الغربية، وعزمها ضم غور الأردن. 

 

جرى حفل الجائزة في نيويورك في حضور أعضاء كبار في الكونغرس، ويتولون فيه مواقع مفصلية، وشخصيات ذات نفوذ شديد السلبية في المؤسسة الأميركية، وكلها احتفت بالملك عبد الله الثاني، ساعاتٍ بعد إعلانه أن العلاقات الأردنية الإسرائيلية في غاية السوء. ولم تعكر الحفل المواقف الأردنية غير المسبوقة في عهد الملك المتحدية بعض رغبات إسرائيل، فصاحب الدعوة، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وإن يؤيد كل الخطوات الإسرائيلية، إلا أنه يعلن دائما، في مقالاتٍ وتصريحاتٍ لطواقمه، أن خطوات إسرائيلية أميركية يتم الأخذ بها، تضر بحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

 

ويقدم خبراء المعهد أنفسهم داعمين للأردن أمام الكونغرس، فهم الذين يقدّمون المشورة في جلسات استماع الكونغرس التي تتقرر على ضوئها المساعدات المالية والعسكرية للأردن، وإن كان الغرض هو حماية مصالح إسرائيل، إذ يجب المحافظة على معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية في وجه العواصف، حتى وإن كانت هذه العواصف يتسبب فيها تهور عدوانية اليمين الإسرائيلي.

وكان خبير المعهد الأهم بالشؤون الأردنية، دايفيد شينكر، والذي أصبح مساعد وزير الخارجية  الأميركي لشؤون الشرق الأوسط في مارس/ آذار الماضي، قد حذر، قبل أن يتبوأ موقعه هذا، أن الأزمة الاقتصادية، والمعارضة الشعبية المتنامية، في الأردن، قد تهددان النظام واستقراره، وأن الإجراءات الإسرائيلية الأحادية قد تؤدي إلى تقويض كل مساعي التطبيع العربي الإسرائيلي، وكذا دمج إسرائيل في المنطقة.

 

وبذلك يتبدى أن جائزة معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى للملك عبدالله الثاني جاءت في سياق طمأنته، لكنها طمأنةٌ لا تختلف عن "الكأس المسموم"، فهي ترتبط بالمحافظة على ربط الأردن واقتصاده بإسرائيل. كما أن حفل "الطمأنة" هذا لم يمنع رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، من إعلانه قرب ضم غور الأردن، ومحاولة حصول تأييد الرئيس الأميركي ترامب له.

 

ولكن يبدو أن الكونغرس تنبّه إلى تداعيات ذلك على حلفاء الولايات المتحدة. فقرار مجلس النواب الأميركي، الرمزي غير الملزم، أول من أمس الجمعة، دعمه حل الدولتين، لا يعني تأييده دولة فلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، لكنه اعتراف بالضرر الذي تسببه الإجراءات الإسرائيلية لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولعملية دمج إسرائيل في المنطقة، إذ أنه وعلى الرغم من تسارع التطبيع العربي الإسرائيلي، لم يعلن حلفاء أميركا العرب تأييدهم الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو شرعنة المستوطنات، فقرار مجلس النواب الذي جاء بتصويت الديمقراطيين، وتصويت خمسة جمهوريين، يشمل معارضة أي إجراءات أحادية الجانب، وفي هذه الحالة رفض ضم الأراضي الفلسطينية. وهذا تطور مهم، لكن المهم فهمه أن القرار هو لحماية إسرائيل من نفسها، كما أنه، في الوقت نفسه، يؤكد أهمية عدم الاعتراف العربي العلني بالخطط الأميركية الإسرائيلية التي تنفذ بتسارع خطير لتصفية القضية الفلسطينية.

لا يُخرج قرار مجلس النواب الأميركي، الملك عبد الله الثاني، ولا الرئيس الفلسطين، محمود عباس، من مأزقهما، فإسرائيل ماضية في مخططاتها، وقد عبرت مواقف الملك غير المسبوقة عن غضبه ومخاوفه، لكن العلاقة مع إسرائيل مستمرة وعميقة، وخطرها على الأردن يتعاظم، وحبوب تهدئة الكونغرس ليست أكثر من حبوب مخدّرة، ولكنها تظهر أن الموقف العربي، حتى لو كان ضعيفا وغير كاف، يبقى مهما، وإنْ يصبح بلا معنى، إذا لم يصدر عن موقف استراتيجي من التهديد الإسرائيلي لفلسطين والأردن والأمن القومي العربي.

وقد تابع الأردنيون مواقف حكومتهم بشأن إسرائيل أخيرا بترحيب حذر، خصوصا قرار الملك عدم التجديد لإسرائيل باستعمال أراضي الباقورة والغمر الخصبة لأغراض زراعية، ورفضه تجديد الترتيبات فيها، على الرغم من كل الضغوط الإسرائيلية. وقد التزم قرار الملك بنصوص معاهدة السلام التي أعطت الأردن الحق في عدم التجديد، ولم تكن تحديا لها، لكن إسرائيل افترضت أن يتعامل القصر "بمرونة" مع ما تراه مصلحة استراتيجية أو اقتصادية، ضاربة بأي حسابات أردنية، خسائر أو مكاسب، عرض الحائط.

وعملت عمّان على تأمين إطلاق سراح المواطنين الأردنيين، هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، بعد أن أسرتهما إسرائيل، وهما في زيارتين عائليتين لأقارب لهما في فلسطين. ورفضت تلميحا إسرائيليا بالموافقة على تجديد عقد الباقورة والغمر في مقابل الإفراج عنهما. ويتباين موقف الحكومة الأردنية هذا مع إهمالها المعتاد قضية الأسرى الأردنيين في السجون الصهيونية، وعدم اتخاذها موقفا جديا بعد أن قتل جنود إسرائيليون القاضي رائد زعيتر، في مارس/آذار 2014، بينما كان في طريقه إلى زيارة عائلته في مسقط رأسه في الضفة الغربية.

وفي خطوة مفاجئة، قام الجيش الأردني بمناورات تحاكي مواجهةً مع الجيش الإسرائيلي، زادت الأمر غموضا، فهل كانت رسالة إلى تل أبيب بأن عمّان تعتبر إسرائيل عدوا خطرا على الأردن، كما هو واقع الحال، على الرغم من معاهدة السلام والاتفاقيات معها، أم أن المناورات رسالة إلى الشعب الأردني بأن جيش بلده على أهبة الاستعداد لحماية الأردن، إذا استمر اليمين الإسرائيلي في تهديد مصالح الأردن، خصوصا إذا نفذ نتنياهو بضم غور الأردن؟

ذهب بعضهم إلى اعتبار الخطوات الرسمية الأردنية تجاه إسرائيل أخيرا ليست أكثر من محاولة لكسب الشارع الأردني، وتهدئة الغضب المتنامي ضد النهج السياسي والاقتصادي، خصوصا في ضوء تزايد الهجوم اللفظي العلني على الملكة والعائلة الحاكمة، ولوم القصر في ما يتعلق بقضايا فساد والمحسوبية، والتعبير عن الاستياء مما يتم الحديث عنه عن بذخ القصر فيما يزداد الأردنيون فقرا. ولكن التصعيد الأردني، ولو كان شكليا مثل المناورات العسكرية التي تفترض مواجهة ضد إسرائيل، ليس بالأمر الذي تستهين به إسرائيل والإدارة الأميركية، ليس لخطورتها العسكرية، بل لأنها تؤجج الغضب الشعبي الأردني ضد إسرائيل.

الأرجح أن هدف المواقف الأردنية التي تتحدى خطوات إسرائيل، من دون المساس بجوهر العلاقة معها، موجه إلى الولايات المتحدة التي استهانت، في عهد الرئيس دونالد ترامب، بكل حلفائها العرب. ويبدو أن الملك عبد الله الثاني يريد أن يحذّر الإدارة الأميركية بأن عليها أن تأخذ مصالح الأردن على محمل الجد، وأن تعرف أنها تمس بحلفائها العرب. ويبدو أن المواقف الأردنية هذه ساهمت في تنبه الكونغرس، واتخاذ مجلس النواب قراره (الرمزي غير الملزم) المبني على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وليس حبّا في أي طرف عربي، ولحماية هذه المصالح من تهور ترامب، ووقاحته بالتعامل مع الحلفاء العرب.

أردنياً وعربياً، يجب ألا ينجح قرار مجلس النواب الأميركي في إشاعة أي أوهام، فهو ليس أكثر من وهم، خصوصا إذا بلعته السلطة الفلسطينية، واطمأن له صانع القرار الأردني، ذلك أن الموقف من إسرائيل ليس مسألة مناورة تكتيكية، فالغاز الإسرائيلي المسروق من الفلسطينيين سيبدأ الضخ في خطٍّ دمر أراضي زراعية أردنية، وبالتالي مصدر رزق عشرات العائلات الأردنية. كما أن بناء المنطقة الصناعية الحرة التي ستكون بوابة التطبيع الإسرائيلي مع العالم العربي، أوشك على الانتهاء، وسوف يستيقظ الأردنيون على هيمنة إسرائيلية غير مسبوقة. وبالتالي، لا يمكن للدولة الأردنية استعادة بعض من مصداقيتها المفقودة بشأن العلاقة مع إسرائيل، من دون الإلغاء الفوري للمشاريع التي تهدد سيادتها.

 

*العربي الجديد

أضف تعليقك