مقابلة رئيس الوزراء رغم نبرة التفاؤل.. الخطاب لم يلمس القضايا الجوهرية للشارع الأردني
في أول مقابلة تلفزيونية له على شاشة التلفزيون الأردني، قدم رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان خطابا حمل رسائل واضحة حول ما تخطط له الحكومة داخليا وإقليميا، الأمر الذي يصفه خبراء سياسيون واقتصاديون بالخطاب الجاد والهاديء، وأظهر تفاؤلا حذرا، لكنه في الوقت ذاته رفع سقف التوقعات وربط مصداقية الحكومة بقدرتها على تحويل وعودها إلى إنجازات فعلية.
وأشار الخبراء إلى أن المقابلة عرضت برنامج عمل حكومي متكامل، يركز على الاقتصاد والعمل الميداني، ويعيد صياغة العلاقة مع البرلمان، إلى جانب تثبيت المواقف الأردنية تجاه قضايا الإقليم، وفي مقدمتها غزة وسوريا، مؤكدين أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تقييم أداء الحكومة.
ورغم نبرة التفاؤل، يرى الخبراء أن المقابلة لم تجب عن عدد من الأسئلة الجوهرية التي تشغل المواطنين، مثل الدخل والمعيشة، وارتفاع الأسعار، وفواتير الكهرباء، والبطالة، إضافة إلى ملف تدوير المناصب وتكرار الأسماء في المواقع الحكومية، مما يجعل المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة على تلبية احتياجات المواطنين وتحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة، على حد وصفهم.
خطاب متفائل وأولوية اقتصادية
ورسم رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان خلال المقابلة ملامح المرحلة السياسية والاقتصادية المقبلة، واصفا العام الحالي بأنه عام حاسم في مسار عمل الحكومة، ومؤكدا أن الحكومة تعمل وفق برنامج واضح ومحدد، بعيدا عن الحلول النظرية، مع إدراك كامل لحجم التحديات والمسؤوليات الملقاة على عاتقها
وشدد رئيس الوزراء على أن الحكومة ماضية في تنفيذ حلول عملية وإنجازات ملموسة، مع قرب إطلاق البرنامج التنفيذي الثاني، الذي يتضمن عشرات المبادرات والمشاريع والتشريعات، ضمن رؤى التحديث الاقتصادي والسياسي والإداري، مؤكدا أن نهج العمل الميداني سيبقى ثابتا حتى آخر يوم في عمر الحكومة، في ظل استمرار عقد جلسات مجلس الوزراء في مختلف المحافظات.
من جانبه، يوضح أستاذ العلوم السياسية الدكتور هايل الدعجة أن خطاب رئيس الوزراء جاء بلغة متفائلة وواضحة، وهدفه الأساسي تأكيد برنامج عمل الحكومة، خاصة ما يتعلق بالمشاريع والسياسات المزمع تنفيذها حتى عام 2026.
ويشير الدعجة إلى أن التركيز الواضح في الخطاب كان اقتصاديا، في اعتراف غير مباشر بأن الأزمة الاقتصادية تشكل التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة حاليا، وأن نجاح الحكومة سيقاس بمدى قدرتها على تحويل هذه المشاريع إلى أثر ملموس ينعكس على معيشة المواطنين.

اقتصاديا، تضمنت المقابلة أرقاما وتعهدات ذات دلالات كبيرة، أبرزها الإعلان عن مشاريع تنموية بقيمة تقارب 11 مليار دولار، في قطاعات المياه والطاقة والنقل والسياحة والبناء، سيتم البدء بتنفيذها خلال العام الحالي وعلى مدى الأعوام القليلة المقبلة.
ومن أبرز هذه المشاريع، مشروع الناقل الوطني للمياه، حيث أكد رئيس الوزراء أن الإغلاق المالي النهائي سيتم خلال 60 يوما، على أن يبدأ التنفيذ نهاية الربع الأول من العام الحالي، مع التسليم نهاية عام 2030.
كما تطرق إلى مشاريع الطاقة، وفي مقدمتها التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي من حقل الريشة، لتغطية أكثر من 80% من احتياجات القطاعات المختلفة.
وتحدث عن مشروع السكك الحديدية الإقليمي، مؤكدا ضرورة أن يكون الأردن جزءا منه، إضافة إلى مشروع مدينة عمان الجديدة، موضحا أنها ليست عاصمة بديلة، بل مشروع عمراني استراتيجي لاستيعاب الزيادة السكانية المتوقعة في عمّان والزرقاء.
أكد رئيس الوزراء خلال المقابلة أن العمل الميداني يمثل أسلوبه ومدرسته في الإدارة، مشيرا إلى زيارته أكثر من 130 موقعا خلال العام الماضي، واتخاذ قرارات وإجراءات عملية في كل موقع.
ويرى الدكتور الدعجة أن هذا النهج يعكس تأثر رئيس الوزراء بتجربة الملك عبدالله الثاني، الذي شكل نموذجا للمسؤول القريب من الميدان، معتبرا أن هذا الأسلوب أسهم في تعزيز ثقة الشارع، وجعل رئيس الوزراء قدوة للوزراء في حكومته.
ورغم الإشادة بهدوء الخطاب ونبرته الإيجابية، يشير الدعجة إلى أن المقابلة لم تجب عن عدد من الأسئلة الجوهرية التي تشغل الشارع الأردني، وعلى رأسها قضايا الدخل والمعيشة، وارتفاع الأسعار، وفواتير الكهرباء، والبطالة، إلى جانب مسألة تدوير المناصب وتكرار الأسماء ذاتها في المواقع الحكومية.
ويؤكد أن تعزيز الثقة يتطلب من الحكومات ملامسة المطالب الشعبية وتقليص الفجوة مع المواطنين، محذرا من أن ضعف التواصل، واستخدام لغة اقتصادية معقدة، وعدم تبسيط السياسات، يزيد من اتساع هذه الفجوة.
المديونية وفرص العمل بين الواقع والمستهدف
في ملف المديونية، أكد رئيس الوزراء التزام الحكومة بخفض الدين العام إلى نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العامين المقبلين، إلى جانب سداد أكثر من 600 مليون دينار من المتأخرات، مع تعهد بعدم ترك أي التزامات مالية عند مغادرة الحكومة.
ويوضح المحلل الاقتصادي والاجتماعي حسام عايش أن هذا الهدف أصبح واقعيا بعد تعديل سنة الأساس للناتج المحلي إلى عام 2023، ما خفض نسبة الدين فعليا إلى ما بين 82 و83%.
ويضيف أن تحقيق نمو في الناتج المحلي بالأسعار الجارية قد يصل إلى 10% سيسهم في الوصول إلى هذا الهدف قبل نهاية 2025، بشرط عدم خلق أعباء مالية جديدة.
وفيما يتعلق بفرص العمل، يشدد عايش على أهمية أن تكون الفرص الناتجة عن المشاريع الكبرى فرصا حقيقية ومستدامة ذات قيمة اقتصادية، مشيرا إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي تستهدف خلق مليون فرصة عمل خلال عشر سنوات، مما يتطلب استحداث نحو 100 ألف فرصة سنويا، في حين أن الواقع الحالي لا يتجاوز 40 إلى 45 ألف فرصة، ما يستدعي مضاعفة الجهود.
الحماية الاجتماعية ورسائل الإقليم
وصف رئيس الوزراء قرار تأمين أكثر من 4 ملايين أردني في مركز الحسين للسرطان بأنه أهم قرار اتخذته الحكومة، وهو ما اعتبره عايش خطوة محورية في تعزيز الحماية الاجتماعية وتخفيف الأعباء الصحية عن المواطنين.
إقليميا، يشدد رئيس الوزراء على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، والانتقال إلى المرحلة الثانية، مؤكدا أن صمود الشعب الفلسطيني على أرضه هو جوهر المقاومة، وأن مواقف الأردن الخارجية تحكمها مصلحته الوطنية وأمنه واستقراره. كما أكد أن نجاح سوريا هو نجاح للأردن، مع التشديد على أمن الحدود وملف المياه كقضايا سيادية.
ويرى الدعجة أن هذه المواقف متسقة مع الثوابت الوطنية الأردنية، وتعكس التزاما واضحا بالقضية الفلسطينية، ودعما للشعب الفلسطيني في ظل الكارثة الإنسانية، إضافة إلى موقف ثابت تجاه سوريا يقوم على دعم الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات.
يتفق الخبراء على أن خطاب رئيس الوزراء حمل قدرا عاليا من الجدية والتفاؤل، لكنه في المقابل رفع سقف التوقعات، وجعل المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الحكومة على التنفيذ، وتحويل الخطط والأرقام إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.












































