مجلس النواب ليس مقدسا والنقد البناء لأدائه مسؤولية إعلامية

الرابط المختصر

تحذير ذاتي من عقل الكاتب إلى قلمه: "بعض الفقرات التي تود الكتابة عنها في هذا المقال قد تعرضك لأحكام قانون العقوبات الأردني وبالتالي عليك توخي الحذر تحت طائلة المسؤولية". حسنا ، قلم الكاتب استقبل التحذير وهذا مقال اضعف بنسبة %50 مما يفترض به أن يكون، استنزف الإعلاميون الأردنيون الكثير من الوقت والجهد في الضغط تجاه تعديل قانون المطبوعات والنشر الأردني وذلك لإزالة البند الخاص بحبس الصحافيين في النسخة الأخيرة من القانون ، وقد اضطر الإعلاميون الأردنيون من أجل تحقيق هذا الإنجاز إلى خوض معركة حقيقية ضد المؤسسة التي يفترض أن تمثل وتجسد الديمقراطية الأردنية وهي مجلس النواب.

 للأسف مجلس النواب كان الأشد اصرارا على تضمين عقوبة حبس الصحافيين في قانون المطبوعات ولم يثنه عن ذلك إلا التصريحات المتتالية لجلالة الملك حول رفضه لعقوبة حبس الصحافي وبالتالي أسقط في يد المجلس وتم إقرار قانون المطبوعات بدون عقوبة الحبس.

ولكن غياب عقوبة الحبس في قانون المطبوعات والنشر لا يعني غيابها في تشريعات أخرى نافذة ، ومنها القانون الأكثر خطورة على أداء الصحافة وهو قانون العقوبات والذي لا يزال يشكل سيفا مسلتا على رقاب الإعلاميين. قانون العقوبات يمكن أن يكون حاضرا بقوة في العلاقة المضطربة بين مجلس النواب والصحافة الأردنية على وجه التحديد.

 

في الأسبوع الماضي قرر مجلس النواب منع مراسلي اذاعة راديو البلد (عمان نت سابقا) من تغطية أعمال مجلس النواب بسبب ما أسماه المجلس "إهانة" له صدرت عن طريق بث تعليق لأحد المستمعين على الهواء انتقد فيه أداء مجلس النواب.

 

 لم تتوقف الأمور عند هذا الحد ، لأن هيئة تنظيم قطاع الإعلام المرئي والمسموع تطوعت لتقوم بدور المحامي لمجلس النواب وترفع دعوى قضائية على اذاعة راديو البلد حسب ما ذكر مدير الهيئة في تصريحات لصحيفة جوردان تايمز يوم الخميس.

 

 هذا موقف غريب فعلا ولا يوجد ما يمكن تبريره. قانون هيئة تنظيم الإعلام المرئي والمسموع المؤقت رقم 71 لسنة 2002 لا يتضمن اية صلاحيات ممنوحة للهيئة لرفع دعاوى قضائية ضد المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية.

 

 ما كنا نعرفه أن دور الهيئة في تقييد حرية الإعلام الأردني يقتصر على منع وتعطيل البث كما حدث مع قناة ATV في العام الماضي وكذلك منع راديو البلد من إنشاء محطة بث مخصصة لمدينة الزرقاء ، ولكن أن يصبح دور الهيئة محاميا لمجلس النواب ضد وسائل الإعلام فهذا تطور جديد يثبت مرة أخرى مدى العشوائية والإضطراب في ساحة الإعلام الأردني. سؤال آخر يطرح نفسه.

 

 هل مجلس النواب "مؤسسة مقدسة" في الأردن ومصونة من النقد والمساءلة؟ بالتأكيد هذا لا يمكن أن يكون صحيحا لا في المنطق ولا في الدور الديمقراطي لمجلس يفترض به أن يعكس حقيقة التطور الديمقراطي وفتح روح النقاش والمساءلة خاصة أن مجلس النواب يملك بحكم الدستور صلاحية مساءلة الحكومة ولكن لا توجد مؤسسة يمكن أن تراقب أداء مجلس النواب باستثناء السلطة الرابعة وهي الصحافة. ولكن دعوني أرحب هنا بقانون العقوبات والذي يجعل مجلس النواب مصونا من اي نقد.

 

في المادة رقم 191 من قانون العقوبات الأردني يوجد نص "يعاقب على الذم بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين إذا كان موجها إلى مجلس الآمة او أحد أعضائه أثناء عمله او بسبب ما أجراه بحكم عمله".

أما تعريف الذم حسب قانون العقوبات فهو"اسناد مادة معينة إلى شخص - ولو في معرض الشك والاستفهام - من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته او تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا". هذا البند في قانون العقوبات يبدو أنه سيكون الأداة المستخدمة ضد راديو البلد في الدعوى القضائية ، ولكن من المذهل معرفة أن اي إنتقاد لمجلس النواب سوف يصنف ضمن الذم الذي يستوجب الحبس.

 

 وفي واقع الأمر فإن قانون العقوبات بمواده الأربعمائة وخمسين وصفحاته التي تزيد عن 120 صفحة من الحجم العادي يعتبر من أكثر القوانين إثارة للاهتمام في الأردن ومن الضروري على كل مواطن أن يطلع عليه حتى يعرف ما هو المسموح عمله في حياته وليس الممنوع ، وربما من الأفضل لو تم إصدار قانون بالمسموحات فقط في مجال التعبير عن الرأي والموقف ربما لا يتجاوز 100 مادة.

 

من المؤسف أن يكون مجلس النواب ضيق الصدر بالنقد وهذا ما تبين خلال عدة مواقف مع الصحافة والإعلام ، فهذه المؤسسة يفترض أن تكون منبرا للديمقراطية وحرية الرأي وأن يتمتع أفرادها بالمقدرة على التحلي بسعة الأفق في حماية الرأي المخالف. أن مجمل الإنتقادات الموجهة لمجلس النواب في وسائل الإعلام هي إنتقادات مهذبة جدا في حقيقة الأمر مقارنة بما يمكن أن يتم الحديث عنه في مناخ من الحرية الأوسع. أن قيام 99 نائبا حتى هذه اللحظة من اصل 108 بتجاهل مطلب الشفافية التشريعي في تقديم كشوفات اشهار الذمة المالية سلوك لا يمكن قبوله لأنه يمثل إستهتارا بأداة مهمة من المساءلة والمحاسبة ، خاصة أن كل الوزراء و90% من الأعيان قدموا هذه الكشوفات مما يجعل أعضاء مجلس النواب الأقل التزاما بمتطلبات النزاهة التشريعية ، ولكن هذا الموقف للأسف يعكس توجها مستمرا ضد هذا القانون منذ أن بقي مبيتا في أدراج المجلس لسنوات طويلة.

 

 هل تعتبر هذه الجملة التي كتبتها الآن نوعا من الذم لمجلس النواب يمكن أن يجعلني عرضة للمساءلة القانونية حسب قانون العقوبات؟ وهل إذا تحدثنا عن ضعف أداء المجلس في ظل الغياب المستمر عن الجلسات والتباطؤ في إنجاز مشاريع القوانين فهل يمكن أن يكون ذلك نوعا من الذم؟ وإذا كان هذا صحيحا فماذا يحصل لو تحلى الإعلام الأردني بالجرأة المطلوبة في الحديث التفصيلي عن الجمع بين التجارة والنيابة لدى عدد كبير من النواب واستثمار النفوذ النيابي للمكتسبات الشخصية. ربما يطالب

النواب عندئذ بإعدام الإعلاميين الأردنيين وليس فقط ضربهم ومنعهم من حضور الجلسات ورفع الدعاوى القضائية عليهم.

 

 بالرغم من احترامنا للقوانين الأردنية ومنها قانون العقوبات فإن مجلس النواب ليس مقدسا ومحصنا أمام النقد بل أن وسائل الإعلام الأردنية تتحمل مسؤولية وطنية في النقد البناء لأداء المجلس لأن النواب في نهاية الأمر هم اشخاص منتخبون من قبل المواطنين للدفاع عن المصالح العامة ، ووسائل الإعلام هي المعنية بشكل رئيسي في القيام بمراقبة أداء المجلس ، ولهذا من الضروري الدفاع عن حق راديو البلد في توثيق أعمال المجلس ورفض الدعوى القضائية غير المبررة من قبل هيئة يفترض بها تنظيم العمل الإعلامي بما يخدم حرية التعبير في الأردن وليس القيام بدور المحامي لدى مجلس النواب ضد وسائل الإعلام.

* كاتب صحفي \ نقلا عن صحيفة الدستور