لماذا تزدهر "سوق الإشاعات" في عمان؟
لم تمض سوى دقائق معدودة، على تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية يتوقع تغييراً حكومياً، أمس، حتى حرّك المياه الراكدة وخلط الأوراق، وفجّر التسريبات والأخبار والتعليقات.
بالرغم من التوضيحات التي قدّمتها الزميلة رندا حبيب لوكالة أنباء عمون حول التقرير باعتبار أنه "سيناريو تحليلي متوقع"، وليس خبراً عاجلاً، وبالرغم، كذلك، من تأكيد رئيس الديوان الملكي، ناصر اللوزي، للزميل ياسر أبو هلالة، مدير فضائية الجزيرة في عمان، أنّه "لن يكون رئيساً للوزراء خلال الأيام القريبة"، إلاّ أنّ كثيراً من المراقبين والمهتمين يؤكدون صحة ما ورد في التقرير.
في الآونة الأخيرة مع أنّ الحديث عن الاستثمار أخذ أكثر الجهود وأغلبها، وطغى على الخطاب الرسمي، إلاّ أنّ السوق الأكثر نمواً وصعوداً كانت هي "سوق الإشاعات السياسية"، وهي التي تحتل الصدارة في كل الجلسات والمنتديات والصالونات، وباتت الشغل الشاغل لرجل السياسة والشارع على السواء!
حلّ مجلس النواب والرواية الإعلامية التي سادت بعده وغلّبت خيار "تعديل الحكومة" كل ذلك دفع إلى استقرار نسبي في المناخ السياسي وانشغال النخب والجميع بقانون الانتخاب ومستقبل الحياة السياسية مع قرب الإعلان عن مشروع اللامركزية والنقلة النوعية المتوقعة في العام 2010، وعزز من هذا تشكيل لجنة وزارية لإعداد مسودة لقانون الانتخاب.
فيما أعادنا خبر الأمس إلى المربع الأول، وشلّ الدوائر الرسمية والحكومية، وسادت "أجواء الترقب"، بالتزامن مع الفتور عن العمل والنشاط، استعداداً وتحضيراً لأي صدمة سياسية.
هذا المناخ السياسي، الذي يحكم البلاد ويعزز سوق الإشاعات والبطالة السياسية والحديث غير النافع ولا المثمر، هو حالة غير صحية ولا محترمة ولا مقبولة، وتسيء لصورة الأردن وسمعته.
ليس من المقبول بعد مرور قرابة قرن على تأسيس الإدارة الأردنية، منذ الإمارة، أن نبدو دولة هشّة، بِبُنيةٍ سياسيةٍ غير مستقرة، وبلا إرث من الخبرة والتجربة، نتحرّك بمنطق الصعقات والمفاجآت، كما يراها الدبلوماسيون الغربيون والأجانب المقيمون هنا!
الأهم من ذلك أنّ سوق الإشاعات لا تنمو بلا تربة خصبة وبيئة مناسبة، ولا تنبع من فراغ، فلها شروطها وحيثياتها، وتحمل مؤشرات وعلامات غير إيجابية ولا مشجّعة، فهي أولاً تعكس غموض آليات "الانتخاب السياسي" وإفراز الطبقة الحاكمة، وضحالة القيم التي يتم من خلالها تقويم أداء الحكومات والوزارات والمؤسسات الرئيسة.
وتعكس سوق الإشاعات، من زاوية أخرى، استمرار أزمة مراكز القوى و"الضربات تحت الحزام" بين الجميع، وتفسّر عمليات "الاغتيال الإعلامي"، التي تتم بحق شخصيات سياسية وعامة.
ذلك يعني أنّ روح الفريق الواحد والعمل المتكامل بين مؤسسات الدولة وقيادات المراكز الرئيسة غائبة تماماً عن الإدارة الرسمية.
أسوأ ما في الأمر هو مصداقية الإعلام الرسمي التي وصلت إلى الحضيض وعجزه عن بناء قنوات التواصل والثقة بين الدولة والرأي العام، وغياب الشفافية والتواصل بين المسؤول والمواطنين، فيلجأ الجميع إلى الوكالات الأجنبية والفضائيات العربية لمتابعة الأخبار المحلية!
أيّا كان القرار، سواء بالتغيير أم التعديل أم بقاء الحكومة، فإنّ المطلوب أن تتكرس قيم وتقاليد وآليات واضحة وشفّافة في إدارة الدولة ومؤسساتها، وألا يعزز ذلك حالة الارتباك والاهتزاز الدائم والانشغال بذلك عن التحديات والتهديدات الملحة والحيوية التي تواجه البلاد وعن مشروع الإصلاح وبناء الدولة وعدم إهدار حصانتها التي بنتها خلال عقود كاملة.











































