شكرًا عمّان، شكرًا الأردن

الرابط المختصر

مع نهاية القرن العشرين، انتقلتُ جزئياً إلى العاصمة الأردنية عمّان بعد مصاهرة انسة من عشيرة مدانات.

 شكّلت عمّان في البداية مقرّ إقامة ؛ كنتُ أحضر إليها كلّ  أخر ألاسبوع وأرتاح في أحضانها بعد أسبوع من العمل الإعلامي في فلسطين.

 ثم بعد تولّي جلالة الملك عبدالله الثاني مسؤولياته الدستورية إثر رحيل طيّب الذكر الملك الحسين، توفّرت فرصة لتجربة إعلامية شجّعني عليها آنذاك وزيرا الإعلام (وعلى فترات) صالح قلاب ومروان المَعشِر، ورعى تجربتي الفتيّة أمين عمّان السابق المهندس نضال الحديد.

 لم أتوقّع أن «عمّان نت» التي انطلقت على الفضاء الإلكتروني في 15-12-2000 ستستمرّ ربع قرن، وتُخرِّج عشرات الإعلاميين، ويكون لها أثرٌ في ترسيخ مبدأ الإعلام المجتمعي ليس في الأردن فحسب، بل في الوطن العربي.

حاولتُ خلال السنوات الماضية أن أستمرّ في كتاباتي، ولا سيما باللغة الإنجليزية عن فلسطين. وكان لوجودي في عمّان، ولدعم العديد من الخبراء والمسؤولين — الجنود المجهولين — أثرٌ في نجاح عملي الصحفي الدولي، الذي أثمر كتاباتٍ في كبريات الصحف العالمية وجوائز إعلامية مرموقة أفتخر بها.

 وتشهد محرّكات البحث العالمية بأنّ كتاباتي عن الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس تحظى بأعلى أرقام المشاركة لأيّ صحفي عربي أو غير عربي حول موضوع القدس والرعاية الهاشمية للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وكافة الأماكن الدينية في القدس الشريف.

ورغم أنّ جلّ اهتمامي الصحفي، وبخاصة باللغة الإنجليزية، تمحور حول القدس وفلسطين، فإنني اجتهدتُ في الخوض في الوضع المهني الصحفي في الأردن. وهنا لا بدّ أن أعرّج — مرّة أخيرة — على بعض الأمور الصحفية التي عملتُ وكتبتُ فيها. أصبتُ أحياناً، وتعرّضتُ لسوء فهم أحياناً أخرى، لكن هدفي كان ولا يزال خدمةَ «مهنة المتاعب»، والعمل ، استناداً إلى معرفتي بالتجارب العالمية وتجربتي المتواضعة في فلسطين، على زرع بذور ما يمكن أن يفعله الإعلام، وبخاصة الإعلام المجتمعي، في رفعة الشعوب والأمم.

لقد كان أحدُ الأمور التي شكّلت دوماً اهتمامي هو غياب اللامركزية الإعلامية. وقد عبّرتُ عن هذا الموضوع في لقاءٍ مع آخرين شرّفني فيه صاحب الجلالة الملك عبدالله بالاستماع إلى رأيي، ووافقني على ضرورة العمل على قيام إعلامٍ لامركزي يدعم هدف اللامركزية ويساعد على إيقاف الهجرة المدمّرة من الريف إلى المدن.

كان تركيزي ، ولا يزال،  ضرورة إيجاد مؤسّسات إعلامية مستقلّة وذات ملكية محلية، وبخاصة إذاعات محلية تنقل الخبر المحلي، على أن يتولّى الإعلام الرسمي والتجاري الأخبار الوطنية والدولية. 

كما دعوتُ إلى تخفيض الرسوم الباهظة التي يدفعها الإعلام؛ ليس فقط من أجل الحصول على تردّد ضمن الطيف الهوائي من هيئة تنظيم القطاع، بل أيضاً إلى إلغاء الرسوم الباهظة التي تُدفَع لهيئة الإعلام من دون أن يحصل أصحاب الإذاعات على أيّ خدمة مقابِل ذلك.

 نجحنا جزئياً في تخفيض الرسوم بنسبة 50%، لكن لغاية الآن لا يزال الإعلام حكراً على المؤسّسات الرسمية والتجارية، ولم تُوفَّر فرصة تمكين مؤسّسات المجتمع المدني من تملّك وسائل إعلامية كما هو الحال في العديد من الدول. ومن المعلوم، وفق دراسات البنك الدولي، أنّ الإعلام المجتمعي المملوك لمؤسّسات المجتمع المدني حقّق نجاحاً في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا في خفض البطالة وبناء مجتمعات محلية متماسكة، كما خفّض من الهجرة من الريف إلى المدن.

وبالإضافة إلى عملي الصحفي في الأردن، كانت لي مفاجأة جميلة بالتعرّف إلى الأماكن الأثرية التي تعكس أهمية وعمق دور الأردن في نقل الرسالة المسيحية إلى العالم. وقد شكّل هذا الموضوع شغفاً شخصياً لي بعد أن اكتشفتُ أنّ مئات الشواهد في الكتاب المقدّس — بعهديه القديم والجديد — موجودة على أرض المملكة الأردنية الهاشمية. 

وهناك حاجة كبيرة لنقل هذه المعرفة وتوفير الأرضية لاستقبال ملايين الحجّاج. وقد دفعتني هذه المعرفة إلى تأسيس مجلة «المغطس» عام 2002، ثم انتقلنا عام 2021 إلى موقع «ملح الأرض»، وحاولنا من خلاله تقوية الأواصر وتثبيت المكوّن المسيحي في مشرقنا العزيز، ودعم السياحة المسيحية للأردن وفلسطين، رغم الهجمة غير المبرّرة من الاحتلال والمستوطنين وبعض المتصهينين.

بعد مرور ربع قرن في عملي المباشر، قرّرتُ التقاعد عن العمل اليومي، حيث سيتم نقل عملي الإداري الرسمي في الأول من كانون الثاني إلى فريق مهني أثبت جدارتَه ومهنيّتَه عبر السنوات، مع استعدادي لتقديم النصح والمشورة إذا طُلب مني ذلك.

مرّة أخرى، أكرّر شكري لمدينة عمّان وللمملكة الأردنية الهاشمية على حُسن الضيافة. سأبقى مقيماً في العاصمة الأردنية، وسأستمرّ في عملي الصحفي لنقل صورةٍ حقيقية عن الأردن وفلسطين إلى العالم بكافة الوسائل والطرق المتوفّرة لديّ.

* داود كُتّاب، صحفي فلسطيني مقدسي، مقيم في عمّان والقدس