روايات أيمن العتوم.. أسلمة للتاريخ الأردني

الرابط المختصر

لقد تعرّض التاريخ الأردني للتهميش مرتين: الأولى على يد مؤرخي النظام حينما كتبوا التاريخ الرسمي بعيدا عن أي دور محوري للشعب وعدّوه تاريخَ الأردن، أمّا الثانية فكانت على يد مؤرخي أعداء النظام (مصر عبدالناصر، وسوريا، ومنظمة التحرير الفلسطينية قبل المصالحة) الذين سعوا إلى مواجهة النظام الأردني ومحاربته عبر التسويق لسردية الدور الوظيفي.

لكنهم في المحصلة كتبوا تاريخ النظام أيضا وعدّوه التاريخ الوحيد للأردن ليبقى تاريخ الشعب الأردني خارج المعادلة. لذلك بقيت مذكرات كثير من السياسيين والعسكريين الأردنيين حبيسة الأدراج والأوراق التي كتبت عليها ولم تجد من يهتم بنشرها، لأن هذه السير تنقض التاريخين الرسمي والمعادي، كمذكرات علي خلقي الشرايري وأوراقه، ووثائق عرار التي نشرت في نسخة محدودة جدًا وناقصة، وعدد غير قليل من الضبّاط الأحرار الأردنيين، وسيرة مشهور حديثة الجازي بطل معركة الكرامة...الخ.

غير أنّ هذا الوضع تغيّر نسبيًا بعد الربيع العربي إذ بدأت تصدر كتب عن التاريخ الأردني خارج السياقين ألفها مؤرخون أردنيون سعوا إلى إنصاف الشعب الأردني وتقديمه خارج سرديتي النظام والدور الوظيفي مثل مؤلفات عصام السعدي وعبدالله العسّاف. هذا في مجال المؤلفات التاريخية، أمّا في مجال الأدب فالمطلوب من الكاتب يتجاوز مجرّد الخروج من أسر السرديتين السابقتين فقط إلى تقديم رؤية فنيّة منفتحة على العالم. وإذا كان فن الرواية خير حاضن لسرديات الشعوب وتاريخها، وهو من يمنحها بُعدًا إنسانيًا أطول عمرًا من السرديات المعلبة مصلحيًا وآيديولوجيا، فإن نجاح هذا الفن يحتاج من صاحبه أكثر من الجرأة والمواجهة. يحتاج أن ينأى بأدبه عن الانحياز وعن توجيه خطاب آيديولوجي مباشر إلى القرّاء، وفي مقابل ذلك عليه التمترس خلف الحياد والتقنيات الفنية والجماليات لتخرج السرديات كأنها تعبّر عن نفسها.

تندرج روايات الدكتور أيمن العتوم ذات النفس الإسلامي عمومًا ضمن هذه السردية التاريخية الجديدة، ابتداءً من روايته الأولى "يا صاحبي السجن" التي تتناول فترة اعتقاله في منتصف تسعينات القرن الماضي حتى روايته الأخيرة  "يوم مشهود" -الصادرة عن دار المعرفة في القاهرة 2019- التي تتناول سيرة مشهور حديثة الجازي بطل معركة الكرامة وقائد الجيش الأردني الأسبق. وذلك من خلال خروجها وتمرّدها على سردية النظام وتقديم سرديات سُكت عنها رسميًا مثل سردية مشهور الجازي في الرواية المذكورة وسردية الجندي أحمد الدقامسه في رواية "اسمه أحمد" وسردية أحداث جامعة اليرموك عام 1986م في "حديث الجنود". لذلك من الطبيعي أن تواجه بعض رواياته المنع والحظر، ولكنه منع يقوم على المساعدة في تسويق الرواية وشهرتها وزيادة مبيعاتها. إذ لا يتعامل الباعة وأصحاب المكتبات بجدية مع هذا المنع بل إنهم يسارعون إلى عرض الرواية الممنوعة في الواجهات وتسويقها وطباعة نسخ مزورة منها لزيادة نسبة الربح. هذا ما حصل -على الأقل- مع روايته الأخيرة "يوم مشهود" إذ كانت الرواية تتصدّر واجهات الأكشاك والمكتبات بعد الإعلان عن منعها وإلغاء حفل إشهارها.

 

ينجح العتوم في "يوم مشهود" في تشكيل سردية مغايرة لسردية الدولة فيما يخص دورها في القضية الفلسطينية منذ عام 1948 حتى معركة الكرامة عام 1968 وأحداث أيلول 1970، غير أنها سرديّة تسعى إلى أسلمة التاريخ الأردني وتصويره في إطار آيدولوجي ينطلق من وجهة نظر الإسلاميين في التاريخ. الأمر الذي ينعكس سلبًا على صياغة الرواية فنيًّا وعلى جمالياتها.

وإن كان الإسلامي يرى الشخصيات التاريخية ضمن ثنائية الأبيض والأسود إمّا بطلاً وإمّا خائنًا فقد ظهر مشهور الجازي طيلة صفحات الرواية باللون الأبيض؛ إذ لم يقترف خطأ أو ذنبا واحدا، لقد كان على حق دائما منذ طفولته إلى كهولته. مما نزع عن بطل الرواية إنسانيته وقدمه في إطار ملائكي لا يرتكب الأخطاء ولا تراوده الشهوات والرغبات  التي هي جزء رئيسي من تشكيل الإنسان، وهو أكبر مطب وقع فيه الكاتب.

ويبدو أن هذا أساس تعامل الكاتب مع بطله الحقيقي؛ فيبدو أنه صدّق كل كلمة قرأها في مذكرات الجازي عن نفسه وعن الدور الذي لعبه، علما أنّ مهمة الروائي هي تفعيل الخيال وإطلاقه واللعب على وتر تعدد الشهادات التاريخية لا الاتباع الحرفي لما تقوله الشهادة التاريخية ذات الوجه الواحد. ولقد شفع الجازي/ البطل لكل أقاربه وأفراد عشيرته إذ نزع عنهم الثوب الإنساني وأظهرهم في ذات الثوب الملائكي الذي ربما يرفضه أفراد قبيلة اعتادت على الافتخار بقوتها والبطش بمن يعتدي عليها. كما أنّ الروائي قزّمَ أدوار الآخرين في مقابل دور البطل الذي لا ينكره أحد، لكن يستحيل أن يكون قد صنع التاريخ وحده، إضافةً إلى أن الروائي سقط في إغواء سيرة مشهور المكتوبة ومقابلاته التلفزيونية المسجّلة فانعكست الذات التي هي أساس السير الذاتية على الرواية.

يلجأ العتوم إلى اقتباس عناوين جميع رواياته من آيات القرآن الكريم؛ ما ينطبق على هذه الرواية وهو مشروع ألزم نفسه به يسعى من خلاله  -وبالتوازي معه- إلى نزع أحداث الرواية وأبطالها من سياقها الوطني والقومي والماركسي –وهي السياقات السائدة في تاريخ معركة فلسطين حتى السبعينات- لصالح سياق كوني ديني محدد هو السياق الإسلامي. وهو غير السياق التاريخي الذي وجد داخله بطل الرواية، وإن كان الروائي وجد في سيرته ما يعزز الصورة الإسلامية فإننا نذكره أن السيرة كُتبت في فترة الشيخوخة التي يميل فيها الإنسان إلى التديّن وإعادة تخيّل ماضيه وفق هذا السياق.

 

لا يعترف الإسلامي بالفروقات بين الشعوب والأعراق والحدود المصطنعة التي لا تصمد أمام الرابطة الدينية، وكذلك لا يعترف بالفروقات المجتمعية واللهجية التي أنتجها اختلاف البيئات داخل الدولة. لذلك لن يجد القارئ مصطلحا واحدا يميز قبيلة البطل البدوية عن الشخصيات القادمة من بيئات أخرى داخل الأردن أو فلسطين، كما تجنّب الكاتب الصراعات والمنافسات الموجودة داخل الجيش الأردني لصالح صراع واحد هو صراع الحق والباطل. الحق الذي مثّله البطل وأنصاره في مقابل الباطل الذي مثّله حسّاده وأعداؤه، ولقد تناسى الكاتب أن التنافس الجوهري داخل الجيش هو تنافس جهوي وإقليمي لم يسلم منه حتى الضبّاط الأحرار الذين انقسموا إلى حلفين: حلف السلط وحلف الشمال على سبيل المثال. وهذا الصراع/التنافس ليس حكرا على الجيش الأردني بل موجود في كل الجيوش العربية منذ أيام الفتوحات وحتى يومنا هذا. كما أنّ الحوار جاء على سوية واحدة لا فرق بين صبي أو شيخ ولا بين عربي أو إنجليزي في مستوى الخطاب؛ الكل يتحدث لغة واحدة هي لغة الكاتب الجزلة والبلاغية.

وإن كان الروائي هو من يختار الأحداث والتفاصيل التي تناسب الخط السردي لروايته فهو يختار ما يناسب توجهاته إما انحيازًا للإبداع وإما للأيدولوجيا، وقد انحاز العتوم للأخيرة فنجده يختار ما يناسب توجهاته الدينية حتى ولو أدى ذلك إلى إظهار البطل في صورة المتناقض. ومن الأمثلة على ذلك تناوله لحادثة بناء الأمير عبدالله الأول للمسجد الحسيني (المسجد العمري سابقا) في عمّان وتوجيه الأمير للعمال باستخدام حجارة المدرج الروماني وقيام الإنجليز بمنع الأمير ورجاله من تدمير بقايا الحضارة الرومانية. والمثال يكمن في موقف مشهور الجازي أثناء زيارته المسجد للصلاة كما قدّمه الكاتب: "وحمدتُ الله على أن تشرشل تصرّف على هذا النحو؛ فكيف لمكان طاهر يشهد فيه المصلون لله بالوحدانية أن يتلوّث بحجارة الوثنيين من الرومان الذين كانوا يعبدون ألف إله وإله" (ص99).  إنّ القارئ ليصاب بالصدمة من كلام البطل المشهود له بالوطنية والعروبة وموقفه من تاريخه وآثار بلاده، وكيف تحوّل إلى بطل محصور الهوية في الإطار الديني.

وفي المقابل تجاوز عن تفاصيل قد تتعارض مع رؤيته الإسلامية وتنقض الصورة التي رسمها لأبطاله، فرغم أنّ الشيخ حمد بن جازي (جد البطل) كان من قضاة البدو المبرزين في الأردن وكان من أشهر أعضاء المجلس التشريعي الأردني (البرلمان)، ورغم أن البطل تربى في حضن جده، فإنّ الكاتب يمر سريعًا عن كل ذلك. لأن الخوض في ذلك سينقض الصورة التي حاول رسمها له. فالشيخ حمد زعيم قبيلة بدوية ممتدة خاضت حروبها الكثيرة ونزاعاتها التي خلقتها بيئة الصحراء وجفافها، ولا يزال أبناء الحويطات يفتخرون بها ويتذاكرونها، وهي حروب ونزاعات لا تتوافق مع أهواء الروائي فاستبعدها مثلما استبعد قضاء الشيخ الذي يستند إلى أعراف البدو وعاداتهم وحاجاتهم التي تفرضها ظروف الحياة أكثر من استناده إلى الشريعة الإسلامية.

لذلك فإنّ زعيم بدوي مثله لن يسأل كلوب سؤالا رومانسيا حالما مثل: "لماذا كل هذه الحروب؟ أما شبعت الإنسانية من حربين عالميتين؟". نعم لقد شارك أبناء الحويطات متطوعين ومجندين في حرب 48 ولكن انطلاقًا من شعورهم بالنخوة البدوية التي بدأت تنفتح على وعي قومي عروبي وليس انطلاقًا من تعاليم الشيخ حسن البنّا التي تسرّبت إلى الرواية وصبغتها بصبغتها. ويتضح هذا التسرّب من خلال تعمّد الروائي الإشارة إلى المنظمات الفلسطينية الناشطة في الأردن آنذاك باسم حركة الفدائيين وتجنب ذكر أسماء هذه المنظمات؛ لأن ذكرها سيذكرنا بأن من قاتل في فلسطين ودافع عنها هم الماركسيون والقوميون و الوطنيون في وقت انشغل فيه الإسلاميون بالانحياز للنظام في حربه ضد المعارضة الوطنية وبالمشاركة في قمعها.

إضافة إلى أن هذا التجنّب يتوافق مع رغبة دفينة في تهميش حركة فتح ودورها التاريخي، رغبة نابعة من عداء الإسلاميين لها. لذلك أهمل صداقة ياسر عرفات مع مشهور الجازي وتجاوز عن دور المقاومة الفلسطينية في إقالة الشريف ناصر بن جميل وفرض تعيين الجازي قائدًا للجيش. كما يتضح ذلك أيضًا في الموقف السلبي من الرئيس جمال عبدالناصر والرئيس الحبيب بورقيبة، ومن خلال ربطه الحروب الحديثة بجذورها الإسلامية وبصليل السيوف في المعارك والفتوحات العربية. الأمر الذي يجد صداه عند الناشئة العربية ويلعب العتوم على وتره جيدًا؛ فنجده كثيرًا ما يترك خط السرد ليلقي على مسامعنا خطبًا ومواعظ تجاوزها الفن الروائي العربي منذ نصف قرن تقريبًا. مما انعكس سلبا على بعض الأحداث في حياة البطل فإذا كنا نعرف أن جده خصص له شيخا ليعلمه في طفولته فإننا نتفاجأ -بعد صفحات حينما يحاول البطل إقناع أبيه بالسماح له بالعمل-  بسؤال الأب عن كيفية توفيق البطل بين العمل والمدرسة، ولا يعلم القارئ متى وكيف التحق بالمدرسة؟ إضافة إلى أنه بعد التحاقه بالجيش سيخبرنا فجأة عن تقديمه للثانوية العامة!

وكان يفترض به أن يتجاوز عن كثير من الخطب والمواعظ كي يزودنا بتفاصيل مهمة عن حياة البطل  مثل لقائه بزوجته الفلسطينية "يسرى" التي رفض والدها تزويجه إياها فترة طويلة ولكنه رضخ تحت إلحاح البطل وإصراره في طلبه، لكنه لا يزودنا بكيفية التقائه بها وكيف وقع في حبها! وكأنه يخجل من حب بطله كما أن الزوجة لا تظهر إلا ظلاً للبطل يشجعه على المضي في حربه ومسيرته.

وأخيرا، إنّ الأجزاء الأولى من الرواية تشير إلى أن الدكتور أيمن العتوم يمتلك أدوات الروائي- مثلما يمتلك ثقافة جيدة- من حيث القدرة على السرد الروائي وتقنياته، غير أنه بعد ذلك يترك موهبته تضيع بين السرد التاريخي المباشر والمواعظ الحماسية. كما أنه يفتقد إلى حياد الروائي وصبره في إقامة المعمار الروائي وتركه يكتمل بعيدًا عن تدخلات الروائي وحشو مواقفه داخل أعماله. والنصيحة التي نقدمها له دعوته إلى الانحياز إلى الجانب الجمالي والفني بعيدًا عن الآيديولوجيا.

أضف تعليقك