حرية اللاجئين لا تشرق من ألمانيا
تعتبر ولاية نورداين فيستفالن (شمال الراين) واحدة من أكبر الولايات الألمانية الستة عشر من حيث الكثافة السكانية؛ ويصل تعداد السكان فيها إلى 18 مليون نسمة..ويحط الكثير من اللاجئين الأجانب رحالهم فيها، أملا في مستقبل أكثر أمناً من بلادهم التي ضاقت فيهم إما حربا أو جوعاً، وما الحلم إلا للبحث عن لقمة حرية وأمان.
وتعتبر "نورداين فيستفالن" رابع أكبر ولاية ألمانية من حيث المساحة، ولأن الأجانب وتحديدا القادمين من بلدان تصنف عالميا بالأكثر فقرا ومعاناة بالحروب، فما كان من تلك المدينة الألمانية سوى الملجأ الأخير..فهي نموذج لمدن ألمانية أخرى تستقبل اللاجئين في مراكز خاصة أو قرى بعيدة عن مراكز وسط المدينة.
ويشكل المواطنون من أصول أجنبية في ألمانيا حوالي خمس سكان ألمانيا، وتتفاوت فرصهم في العمل أو الحصول على أعمال توائم الشهادات التي حصلوا عليها.
محمود عواد، لاجئ فلسطيني من لبنان، لم يكن المخيم الذي عاش بين أزقته مكانا لحياة فيها احترام لإنسانيته، حاول مرارا البحث عن طريق ما للخروج من لبنان، وما كان يزيد من حماسته هو قرار الحكومة اللبنانية القاضي بمنع الفلسطينيين اللاجئين من العمل في أكثر من 78% من المهن..فكان خلاصه هو الهجرة..لكنه يعلم ان أبواب اللجوء مغلقة بوجهه فالطريق فماذا سيفعل "مضطرا قمت بالطريق غير الشرعية".
والطريق إلى ألمانيا حيث أقامته كلاجئ غير شرعي، لم تكن قصة تتشابه برواية الفلسطيني غسان كنفاني "رجال في الشمس"، فهي أقل حدة وأخف وطأة، والظروف والمكان غير متشابهة فقد بدأت من لبنان مرورا بسوريا ثم تركيا..ومن هذه الطريق بدأت رحلة محمود مع اللجوء غير الشرعي "إذا كنت مقلوعا من بلدي، وبلد يرفض الاعتراف بي كإنسان فماذا بقي لي"....يسرد تفاصيل ذهابه من لبنان إلى سوريا ومنها إلى تركيا عبر شاحنة.."طريقي صعبة جدا. كنا أربعة شباب أنا الفلسطيني الوحيد والبقية لبنانيين، كنا داخل صندوق شاحنة انتقلنا عبر سوريا إلى تركيا، كانت صعبة ومتعبة ومعتمة، لم نر لأيام الشمس ولم نأكل شيئا سوى ما يرموه لنا كفتات وهذا كان ضمن المبلغ الذي دفعناه والذي يتجاوز الألفي دولار يتضمنه طعام".
الهروب من الواقع المظلم في لبنان، كان حلم محمود، يقول إنها كانت تمثل إليه الحلم وما حلمه سوى لحظة الهرب من أزقة مخيم ضاقت به وفقر يقضى يوميا على أحلامه في العيش كما الآخرين.."مش معقول وضعنا كان في المخيم..يقرف الحيوان من هذه الحياة".
محمود كان محظوظا مع الآخرين الذين تم تهريبهم عبر الشاحنة محملة بالبضائع وبعد عدة ليالي تفرق الأربعة كلٌ إلى دول أوروبية مختلفة..هناك حيث طلب الواحد فيهم اللجوء إلى دول تقبل بهم كلاجئين..
من يحتمل مخيمات لبنان!
محمود في ألمانيا وآخر في اليونان وآخر في دولة أخرى لم يعرفوا أين هو بالتحديد..ومنذ ذلك التاريخ وهم في تلك الدول..يتحدث عن طريق بحثه عن الخلاص.."لا أحب الهجرة غير الشرعية وأكره الأوضاع السيئة التي أعيشها، وما أريده هو أن أكون محترما والناس تتعامل معي كإنسان وتحترمني وتقدر ما بداخلي".
"عن طريق سمسار معروف بيننا داخل مخيم شاتيلا..يتقاضى مبلغا من المال ليس أقل من ألفي دولار، ليقوم بالاتفاق مع شاحنة تركية في الغالب محملة بالبضائع التي ستقل عددا من الشباب ويعملون على إخفائنا وتكفل المخاطر مقابل هذا المبلغ".
محمود هرب من بلد لا يعترف به وحياة وصلت إلى درجة لا يقبله كإنسان، لكن ناصر عبدالله من الجنسية الصومالية فكان دخوله لألمانيا بدعم من أقاربه الذين ساعدوه بما يملكون هربا من واقع مظلم، وما أن وصل بالطائرة حتى اصطدم بحياة ناقضت الحلم، "لم يكن في جيبي مال"، والعائلة "ساعدته على الرحيل الشرعي فقط"، والخطوة هي "الإقامة غير الشرعية في ألمانيا، وما مكان معي ودفعته كان مبلغ ألفي يورو"..
ليست ألمانيا أفضل من الصومال لكن للصومال "لها خصوصية قاتلة تقول لمن يحب الحرية أهرب من هنا"، يقول ناصر.."لا شغل، لا حياة، لا طعام ولا مستقبل في الصومال؛ بلدي يعاني الجوع والتخلف والأمية وقبائل تقتل من تريد تحت مسميات مختلفة وكل هذه الحياة ويسألني الجميع لما هربت!".
الضيق والفقر كان الدافع لناصر، لكن حال الكردي العراقي، حلمي عمر - من السليمانية شمال العراق- كان مختلفا "بل وأقسى" على حد قوله، فالحروب والقتل كانت دافعا كبيرا له ليترك ما بقي له ويغادر، فقد دفع مبلغا تجاوز السبعة آلاف دولار عن طريق أحد المهربين الوسطاء وتم نقله بسيارته التي كانت جزء من المبلغ المقدم ورحلوا إلى تركيا، ومن هناك وعن طريق مهربين ذهب إلى ألمانيا، بقي في الطريق 13 يوما..
كانت رحلة "المعاناة والموت اليومي" على حد وصف حلمي.. "ولا أستطيع الاستمرار في بلدي الذي فقد الأمن وفعل الموت اليومي لعائلتنا وجيراننا، الحلم قتله الاحتلال الأمريكي والعراقي كذلك، والحياة السعيدة ما كانت إلا بكتب المدرسة الابتدائية".
الهجرة غير الشرعية، تأتي بعد فقدان الأمل ورفض المفوضية السامية للأمم المتحدة بهم "لعدم اقتناعها بملفاتنا"، لكن كيف يكون هذا الوضع على المرأة؟؟
كريستينا اللاجئة من نيجريا، لا تختلف ظروفها كامرأة عن ظروف الرجال في رحلة المعاناة والبحث عن بلد يؤمن لهم الحياة لكن للمرأة نصيب أعمق من الصعوبات وهذا ما يزيد من صعوبة الحياة..
"هربت من مجتمعي الذي يريدني مسجونة في البيت، لا أعمل، لا أعيش كالبشر وأهل يريدون تزويجي بالغصب ولا أريد هذه الحياة"...ومن هنا قررت كريستينا الهرب عن أهلها وبلدها..
الفقر وانعدام الأمن والبحث عن لقمة العيش وأهمها العيش كما كل الناس وغيرها من الأسباب تدفع الكثير من الشبان من شتى أنحاء العالم إلى الهجرة غير الشرعية وإلى الدول الأوروبية حيث هناك "حياة أفضل واحترام أكثر لحقوق الإنسان".
اللاجئ الفلسطيني محمود ولعدم تمكنه من العمل في لبنان ووفاة والديه وشقيقه، وزواج شقيقاته كان الخلاص "لماذا أعيش في مكان لم يبق لي فيه أحد" فما كان منه سوى العزم والهجرة بطريقة غير شرعية، وهذه الخطوة جاءت بعد العديد من الطلبات لأجل اللجوء والنتيجة كانت "مرفوض"، وخطوة غير الشرعية كانت نتيجة وصفها بالمنطقية..
ولا يختلف محمود عن زميله في الأحوال الصومالي ناصر والذي هرب من بلده بحثا عن حياة تتمتع بالأمان والسلام، فها هو أبيه قُتل جراء صراع القبائل المنتشر هناك، أبيه ما هو إلا ضحية انضمت لآلاف الضحايا الذين سقطوا في الصومال وهذا البلد يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة وانفلات أمني جعل الناس لا يؤمنون بسيطرة الحكومة على مناحي الحياة ومن هنا ضاقت به الصومال.."لا يوجد عدالة أو قانون ولا مدارس حامية للأطفال لا يوجد شيء في الصومال يجعلني أبقى".
هذا الحال ينطبق تماما على الكردي حلمي الهارب من مدينته السليمانية خوفا من حرب دامية لا تتوقف.."من يحتمل الحرب، من يحتمل قتل الشباب، من يحتمل صوت القذائف والمدافع والصراخ الهستيري". بذلك يلخص ما دفعه للهجرة غير الشرعية.
الدول الأوروبية وتحديدا تلك التي تستقبل سنويا عشرات اللاجئين غير الشرعيين اضطرت إلى الاتفاق على إيجاد صيغة تنسيق فيما بينها لأجل إقامة مخيمات للاجئين غير الشرعيين والنظر في أوضاعهم إنسانيا..وكانت منظمة "بروزاول" الألمانية قد دعت إلى وقف هجرة اللاجئين إلى بلادهم وتحديدا من العراق وأفغانستان وأقليات من كوسوفو، ودعا مدير المنظمة غونتر بوكهارت أنه "لا يجب ترحيل هؤلاء الأشخاص وإنما تسوية أوضاعهم بشكل يوفر لهم الغطاء القانوني".
وصاحب دعوة المنظمة، دعوة أخرى من المفوض الأوروبي لشؤون اللاجئين طالب فيها الدول الأوروبية وألمانيا تحديدا إلى أن تستمر في نهج أن "أوروبا قارة اللاجئين ويجب أن تظل كذلك".
رحلة اللاجئ داخل ألمانيا
يخضع اللاجئ غير الشرعي في ألمانيا إلى عدة مراحل فور إعلامه الجهات أو إلقاءها القبض عليه، من تحقيقات مكثفة من قبل لجان ومنظمات معنية بقضايا اللاجئين بالإضافة إلى جهات مسؤولة وحكام إداريين في المدن التي يتواجدون فيها..يحدد وضع اللاجئ وماذا إذا كان يستطيع أن يحصل على حق اللجوء السياسي الإنساني أم لا.
محمود كما يروي لنا كان بصحبة خمسين لاجئا يمثلون جنسيات مختلفة حينما وصولوا إلى ألمانيا ووضعوهم في غرف للاجئين غير الشرعيين، "كنا مكومين فوق بعضنا البعض. كلنا يحلم بأن ينام تلك اللحظات..كانت عصيبة تلك اللحظات لا أريد استذكارها".
بقي محمود عواد مدة 8 أيام في مدينة شوبنغ وهذه المدينة تسمى بالترانسيفر لأجل التوزيع النهائي للاجئين وبقي هناك مدة شهر ونصف وتم تحويله إلى منطقة كيرن قريبة من كولونيا..ومن ثم تم إعطاءه ورقة كتب عليها تحويل إلى دسلتوف"...والآن يتعلم اللغة الألمانية في إحدى مدارسها الخاصة مدعوما من "الاجتماعية" كما تسمى وهي جهة تعني بدعم اللاجئين الأجانب في ألمانيا.
واقع المهاجرين غير الشرعيين يزداد سوءا في كثير من الدول الأوروبية وحصة ألمانيا ليست قليلة من هذا النصيب المحتوم لأناس يهجرون أوطانهم لأجل لقمة العيش والعيش الكريم ويصطدمون بظروف حياة أشبه بسجن كبير فلا يتحركون بحرية ولا يعملون كذلك ويتلقون المساعدات المادية لا تكفيهم لسد جوعهم.
وتطالب جمعيات حقوقية ألمانية ومنظمات معنية بقضايا اللاجئين بضرورة "تحسين أوضاع اللاجئين وإخضاعهم إلى تحقيقات يراعى فيها الجانب الإنساني"، ذلك انطلاقا من الدستور الألماني الذي ينص في إحدى بنوده على ضرورة احترام حقوق الإنسان في الحياة والرأي والتعبير والسكن والإقامة؛ ووقعت ألمانيا على معاهدات جنيف الخاصة بحقوق الإنسان، وجملة مواثيق عالمية خاصة بحقوق اللاجئين لاسيما القادمين من دول تشهد حروبا وقتل وانعدام الأمن فيه وتكون دافعا للمهاجر غير الشرعي.
حياة اللاجئ في ألمانيا!
ما أن يصل اللاجئ غير الشرعي إلى ألمانيا حتى أنه يخضع للتحقيقات ومن ثم وبناءً على وضعه يتم اختيار الوضع الواقع المناسب له..ويتم وصفه "لاجئ سياسي" وبناءً عليه يتم صرف مبلغ من المال شهريا له على شكل "مساعدات" كما يطلق عليها.
ويحرم اللاجئ من العمل لأنه لا يملك العقود والوثائق أو بطاقة إقامة..وتبقى المساعدات المقدمة له هي السبيل الوحيد للعيش من ورائها..وإذ ما فكر في العمل فيكون عن طريق العمل "بالأسود"..ويعرف العمل الأسود بأنه غير قانوني وبدون علم الجهات المسؤولة؛ كونه لا يخضع للضريبة التي تفرض على كل من يعمل في الأراضي الألمانية.
وتتفاوت الرواتب التي تصرفها الولايات على اللاجئين تقّدر بناء على حاله ومدة مكوثه؛ هي –بحسب اللاجئين- غير منصفة ولا توجد أسس معينة يتم اعتمادها..إذ أعتبرها أحدهم أن "العدالة حتى بالصرف غير موجودة أبدأ".
ويشتكي اللاجئ الصومالي، ناصر عبدالله من قلة الراتب الذي يتقاضه وهو 200 يورو، يقول إنها لا تكفيه لشراء الطعام والدخان والطبابة كونه يعاني من أمراض.."أشعر أنها للتدخين فقط وألمانيا غالية كثيرا ولا يكفينا لآخر الشهر لذلك نتشارك في علبة السجائر والطعام مع الأصدقاء الآخرين لأجل الاستمرار في الحياة".
وحال الصومالي ناصر لا يختلف تماما عن الفلسطيني محمود الذي وافقه الرأي؛ فهو يتقاضى مبلغا شهريا يصل إلى 200 يورو كذلك. وقد وكل محمود محام -على حساب المساعدات الاجتماعية-..لأجل نيل استحقاق اللجوء وليتمكن بعد ذلك من العمل وتحصيل المال الكافي.
واللاجئ الكردي حلمي، فيشتكي هو الآخر من قلة المال، وعدم قدرته من شراء ملابس بعد ضاق بما يرتديه دوما، يقول إنه "دفع مبلغ 12 ألف دولار لأجل أن يعيش حياة بائسة في ألمانيا".
وعن ظروف عيشه اليومي، يشرح اللاجئ الصومالي ناصر أنه كثيرا من المرات يطلب المساعدة من "الاجتماعية" ويقولون له دوماً بعد ستة أسابيع راجعنا كون هناك أعداد كبيرة من المراجعين..
ورغم معاناة اللاجئين، وسوء أوضاعهم المعيشية، فإن ألمانيا تحتفي في كل عام بيوم اللاجئ ويتم من خلال الاحتفاء سنويا، بتكريس الجهود بين المؤسسات والجمعيات الألمانية والعمل قدما نحو تحسين أوضاع اللاجئين والشعور مع معاناتهم..لكن هذا الوضع لا يراه اللاجئون سوى "تجميل ليس أكثر".
ومنظمة "كاريتاس" واحدة من عدة منظمات فاعلة في مجال العمل التطوعي حيث وجهت رسالة إلى اللاجئين في أألمانيا..داعية إلى تطبيق قانون "حق البقاء" الذي تم الاتفاق عليه في تشرين ثاني من العام 2006 خلال مؤتمر وزراء الداخلية حيث يسمح بموجبه للأجانب الحاصلين على مهلة انتظار لسنوات طويلة حق البقاء في ألمانيا والحصول على بطاقة إقامة.
للبيوت المخصصة لهم حكاية، فمحمود وناصر يعانيان من برودة البيت وما يزيد من صعوبة الحياة هو برودة الأجواء وتحديدا في الحمام حيث الاستحمام بمياه دافئة أمام شبابيك لا تحمي الدفء من الهروب..
ليس لمحمود وناصر وحلمي وكريستينا من خيار آخر غير العودة.."هي مستحيلة" كما أجمعوا في حديثهم معنا خلال زيارتنا لأماكن عيشهم، وما يهدفون إليه هو "تقوية لغتهم الألمانية" وأن يكونوا "تحت القانون" لكي تأخذ إدارة الحكم المحلي في تلك الولاية "الصورة الإيجابية عنهم"..وأملا في العيش كما الآخرين بالتالي يكونوا الناجين من فقر وعذابات كادت أن تجعل منهم أرقام في سجل الموتى الذي رفضوه خنوعا..
أعد بدعم من القسم العربي في راديو "ملوتي كلوتي" في برلين عاصمة ألمانيا الاتحادية











































