حراس القلعة يربون العشب في بيوتهم
قرب بيتها ينبت العشب بين مفاصل الرقع الإسمنتية والدرج غير المنظم المؤدي له..كنت حذرا، كي لا أقع، ومع ندى الشتاء فالطريق ازدادت صعوبة.وقفت داخل بيتها وهي تستعرض الرطوبة المنتشرة في شتى أرجاء منزلها.."شوف، تفضل للمطبخ، تعال للحوش، تفرج للحيطان"..
أم أحمد حجازي التي تقطن في إحدى البيوت المجاورة لجبل القلعة لا تشغل بالا لتوجه الأمانة بإزالة البيوت المجاورة لموقع القلعة الأثري، وإذا كان لها من توجه لاستملاك البيوت المتناثرة حول "القلعة" فها هي تتمنى أن يكون التعويض فرصة للخروج من فقر تناثر كالعشب على الحيطان.
وفي جلسة الأمانة الأخيرة عبر أحد أعضاء أمانة عمان عن مخاوفه من منع الأمانة لأصحاب البيوت من حق التصرف بعقاراتهم لطالما أنها ستقوم مع وزارة السياحة بتطوير المنطقة المجاورة للقلعة سياحيا والفرصة مهيأة لإخراج الناس من بيوتهم.
جولة عمان نت داخل بيت أم أحمد كانت حسب ما أرادته؛ الوقوف على أحوال عائلتها، وبداخل المنزل أو كما وصفته "شبه منزل" تتكدس الملابس فوق بعضها البعض فلا خزانة تأويها، ولا شبابيك تمنع البرد من الدخول، وحيطان داكنة لونها من لون الاسمنت..
وللتعرف على واقع عائلتها جلنا المنزل على وقع حديثها المستمر.."نحن فقراء، ولا أدري ماذا ستفعل الأمانة! أنظر للمطبخ أنظر للصالة، هل ترى الرطوبة على الأسقف والجدران..نقطن في هذا الدار منذ 35 عاما، وحاله كما ترى يرثى له"؛ أم أحمد لم توفر وقتا إلا وأصّرت على اصطحابنا إلى كامل أجزاء المنزل..وبصورة سريعة: منزل متآكل تختلط رائحة الرطوبة برائحة دخان المدفئة الكازية والتي تعيث بالجو كازا قاتلا لأطفالها الأربعة والذي لا يزيد الكبير فيهم عن 12 عاما.
الزوج لا يقوى على العمل ويلازم بيته صباح مساء منذ شهر؛ ويعمل مراسلا في المؤسسة الاستهلاكية المدينة، هو كان ملتصقا قرب المدفئة كما رأيت عيني، وتنظر الزوجة إليه ومن ثم إلي وتقول: "لولا حسنة الخيرين لمتنا جوعاً". وإذا كان للأمانة من توجه "فأتمنى أن لا يرمونا بالشارع، ويساعدونا بدار آخر أفضل وأحسن".
إيجار الدار 40 دينارا، "ولا يوجد دار بنفس الإيجار" تعبر أم أحمد عن خوف كبير فيما لو كان هناك من تحرك مفاجئ وسريع، "نحن لسنا أصحاب بيوت والتعويض سيكون لأصحابها، معنى ذلك أننا سنشرد"...انتهت جولتنا داخل منزلها وسط أدعية بالفرج والرأفة وأمل أن تتم المساعدة لهم..
وفي دار يقابل دار أبو أحمد، وعلى الناصية الأخرى، وقف جارهم الستيني ينظر إلى تجمهر الأطفال من حولنا لحظة اللقاء الإعلامي، ومن بعيد صرخ عاليا مع صراخ الأطفال "هذا معه ميكرفون هذا معه ميكرفون"..."لا أعلم يا أخي قبل أن تأتي بقربي. خليها على الله، لا أريد الحديث مشكور؛ أتفضل أشرب شاي".
بذلك، غيرت طريقي إلى دار آخر متاخم لبيت الستيني، خرج منه الشاب صالح مبيضين وقال بعجلة بعد السؤال.."لم يأتنا البلاغ بعد، وأعلم أنهم سيرحلوننا من زمان. لم يأتونا بعد، ولم يقل أحد أن نتصرف في بيوتنا..برأيك ستأتي الأمانة هذا الأسبوع!!"..
رغم خوفه المبطن "بصراحة خائف". صالح يتمنى أن يكون هناك "إنصاف لهم" فيما لو كان للأمانة من تحرك جدي.."وإذا مشى القرار على الكل، فلا قوى لنا لنبقى، سنرحل مع الكل رغم أن الدار عزيز علينا؛ الوالد رحمه الله ولد ومات فيه".
وتقطن في الأحياء المجاورة لجبل القلعة قرابة 400 عائلة أردنية بالإضافة إلى المئات من الجنسيات المختلفة من مصرية وسيرلانكية يتشابهون في فقرهم فلا بيوتا صلدة تحمي الدفء أو بنية جيدة تمنع المياه الصالحة أو العادمة من العبث خارج الأنابيب.
وفي بيت مجاور، يقطن حسين علي 55 عاما في بيت أخيه، ولديه تسعة أولاد، قال ونحن أمام منزله "والله أخاف من هذا اليوم أن يأتي، فإيجار الدار 50 دينارا ومع الغلاء هل سأجد بيتا بنفس السعر". هو يقطن في المنزل منذ 30 عاماً.
حسين يتلقى معونة "عسكريين" من التنمية الاجتماعية تصل إلى 70 دينارا، يصنع الأضواء بأشكال مختلفة، "يا ليتهم يرأفون بحالنا ويصدقوا أننا فقراء بالمعنى الحرفي للكلمة؛ عيشتنا تشبه عيشة الميتين، بيوت تعبانه تزيد من الربو لدي ولدى أولادي".
ويشطح حسين في فكره "لو أعطتنا الأمانة تعويض قد أفتح فيه مشروع صغير، وأنتج من خلاله أشكالا مختلفة من الإضاءات وزينة مضاءة".
ربما لا يكترث حراس القلعة بما يحدث أو يقال، وما يهمهم هو العيش بعيدا عن البرد والرطوبة والغلاء، ويدركون أنهم لا يستطيعون العيش بعيدا عنه، ويؤمنون بالأمل ولا يفكرون بيومهم الجديد..فهل يأتي هذا اليوم؟
إستمع الآن











































