تشريعات مرتقبة لحماية الأطفال وسط تصاعد القلق من مخاطر المنصات الرقمية

الرابط المختصر

في ظل تزايد المخاوف المرتبطة باستخدام الأطفال واليافعين لمنصات التواصل الاجتماعي والإنترنت، قرر مجلس الوزراء على تشكيل لجنة وطنية تتولى التنسيب بالإجراءات الفنية والتنظيمية الضرورية لحمايتهم من المخاطر الرقمية، وفق ما أعلن وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني.

 هذا القرار يأتي ضمن سياق تشريعي معمول به، إذ ينص قانون حقوق الطفل الذي أقر عام 2022 في مادته الثامنة، على إلزام الجهات المختصة بتبني سياسات وإجراءات تمنع تعرض الطفل أو وصوله إلى محتوى ينطوي على الإباحية أو الإساءة أو الاستغلال.

وتزامنا مع اليوم العالمي للإنترنت الآمن، كشفت دراسة وطنية أجرتها مؤسسة أناليسيز للدراسات والأبحاث (Analyseize) عن مستوى مرتفع من القلق المجتمعي تجاه المخاطر الرقمية التي يتعرض لها الأطفال، إلى جانب توافق واضح على ضرورة التدخل التنظيمي والتشريعي.

وبحسب نتائج الدراسة الكمية، أيد 90% من المشاركين سن تشريع يقيد وصول الأطفال بعمر 15 عاما فما دون إلى منصات التواصل الاجتماعي، فيما بلغت نسبة التأييد لتنظيم استخدام الأطفال لأدوات الذكاء الاصطناعي 87%، في مؤشر يعكس إجماعا عاما على الحاجة إلى أطر رسمية لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي.

 

خطوة استباقية لمواجهة المخاطر 

المتخصص في الجرائم الإلكترونية الدكتور أشرف الراعي يرى أن الدوافع الرئيسية لتشكيل اللجنة تأتي استجابة لمؤشرات مقلقة وحوادث متكررة تستدعي التحرك، مؤكدا أن تشكيلها يمثل خطوة إيجابية للغاية، خاصة مع التوسع المتسارع في البيئة الرقمية.

ويشير الراعي إلى أن المخاطر المحيطة بالأطفال واليافعين أصبحت أكثر وضوحا نتيجة الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي والأنظمة التقنية والمواقع الإلكترونية، إضافة إلى الألعاب الرقمية التفاعلية مثل "روبلوكس" التي تتيح للأطفال التفاعل مع أشخاص مجهولين، مما يرفع احتمالات تعرضهم لمخاطر غير مباشرة قد تصل إلى الاستغلال أو الابتزاز.

التوسع في استخدام المنصات الرقمية بين الأطفال والشباب يخلق تحديات متعددة، تتعلق بالسلامة الرقمية والنفسية، وحماية الخصوصية، بحسب الراعي الذي يؤكد أن التشريعات القائمة كقانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات تجرم الاعتداءات الرقمية وتوفر أدوات قانونية للتعامل مع الانتهاكات، إلا أن الواقع الرقمي المتغير يتطلب تعزيز الأطر الوقائية والتنظيمية بشكل مستمر.

ويعتبر الراعي أن التجارب الدولية، سواء في دول الاتحاد الأوروبي أو دول عربية، تشير إلى أهمية تنظيم كيفية تعامل الأطفال مع المنصات الرقمية، بما يضمن سلامتهم ويحد من المخاطر المتنامية.

 

 

إجراءات تدريجية قبل التشريع

وبصفته عضوا في اللجنة الوطنية للسلامة الرقمية التابعة للجمعية الملكية للتوعية الصحية، يوضح الراعي أن الإجراءات المنتظرة ستترجم عمليا عند البدء بصياغة تشريعات وتنظيمات جديدة، مؤكدا أن العمل سيكون تدريجيا عبر تحديد المخاطر الأساسية، مثل المحتوى غير الملائم، والتنمر الإلكتروني، والاستغلال الرقمي، والآثار النفسية الناجمة عن الإفراط في استخدام التكنولوجيا، والتي قد تؤدي إلى عزلة اجتماعية أو حتى ممارسات غير قانونية.

ويشدد على أن تحديد المشكلة بدقة هو الخطوة الأولى قبل الانتقال إلى الحلول، موضحا أن تطبيق القانون وحده لا يكفي دون تعزيز التوعية وبناء القدرات المؤسسية ومراجعة التشريعات باستمرار لمواكبة التطور التقني.

كما يدعو إلى التركيز على آليات التطبيق العملي، مثل أنظمة التحقق من العمر، ومراقبة استخدام الأجهزة، وتعزيز مسؤولية القائمين على المنصات الرقمية ضمن إطار وطني، إضافة إلى تطوير قنوات فعالة للإبلاغ والحماية، محذرا من أن بعض المنصات قد تتحول إلى بوابة لاستدراج الأطفال واليافعين إلى عالم الجريمة.

هذه  المخاوف الرقمية تعززها نتائج دراسة أجرتها مؤسسة إنقاذ الطفل الأردن، والتي أظهرت أن 15.8% من الأطفال بين 10 و17 عاما تعرضوا لأحد أشكال الإساءة الرقمية، فيما برز التنمر الإلكتروني وقرصنة الحسابات والابتزاز كأكثر التحديات انتشارا.

كما كشفت الدراسة عن فجوة كبيرة في وعي الأهالي، إذ إن نحو 75% من أولياء الأمور الذين أفاد أبناؤهم بتعرضهم للعنف الرقمي لم يكونوا على دراية بذلك.

وتظهر النتائج  تدنيا في استخدام تطبيقات الرقابة الوالدية، حيث أفاد 9% فقط من الأهالي باستخدامها، بينما اعتمدت الغالبية على توعية الأبناء كوسيلة حماية أساسية.

 

الأسرة هي خط الدفاع الأول

يؤكد الراعي أن التشريعات وحدها لا تكفي، مشددا على ضرورة إطلاق برامج توعية للأسر، باعتبار أن دور الأسرة محوري ولا يمكن لأي تنظيم قانوني أن يعوضه.

ويضيف أن الحماية الرقمية الفاعلة يجب أن تقوم على شراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع، وتبدأ من البيت، داعيا إلى برامج تثقيف رقمي للأهل تزودهم بأدوات عملية لمتابعة استخدام أبنائهم للمنصات الرقمية، وتعزز الحوار الأسري حول السلوك المسؤول في الفضاء الإلكتروني.

من جانبها، تشير الدكتورة أمينة الحطاب من مؤسسة "اطمئن" للدراسات والاستشارات الاجتماعية والتربوية والنفسية، إلى أن فئة المراهقين من 12إلى 18 عاما تعد الأكثر حساسية وتأثرا باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، نظرا لكونها مرحلة حاسمة في التطور العقلي والنفسي.

وتوضح الحطاب أن طبيعة هذه المرحلة تدفع المراهقين إلى اختبار الأفكار والمعارف بأنفسهم، وتكوين قناعاتهم الخاصة، حتى وإن كانت التجارب محفوفة بالمخاطر، مؤكدة أن المراهقة هي مرحلة تمرد طبيعية على الأهل والمعلمين والسلطات، إذ يميل المراهقون غالبا للاستماع إلى أقرانهم أكثر من الاستماع للنصح المباشر.

وتضيف أن المراهقين في هذه المرحلة يبحثون عن معنى لحياتهم ويعملون على تشكيل هويتهم وقيمهم وأهدافهم المستقبلية، وهو ما يجعل العالم الافتراضي ومنصات التواصل مساحة مغرية لاكتشاف الأفكار المختلفة بعيداً عن رقابة الأسرة.

فيما يتعلق بجدوى الحظر العمري، ترى الحطاب أن التوعية هي الخيار الأكثر نجاحا، لأن فرض الحظر لا يمنع المراهقين فعليا من الوصول إلى المنصات، بل قد يدفعهم إلى التحايل باستخدام هواتف الأهل أو الأصدقاء الأكبر سنا، مؤكدة أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في الحوار المفتوح والتفهم والسماح بتجربة آمنة تحت رقابة الأهل، مشيرة إلى أن المشاركة في الأنشطة الاجتماعية داخل المنزل وخارجه تساعد في بناء وعي داخلي لدى الأبناء وتعزز ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التعبير عن تجاربهم.

كما تشدد على أن التربية الحقيقية تتطلب الاستماع للأبناء وفهم أفكارهم وطموحاتهم ومناقشتهم، بعيدا عن العنف اللفظي أو القسوة، لأن بناء الثقة مع الأبناء يشكل الأساس لحمايتهم من الانجراف خلف المخاطر الرقمية.

 

 

فجوة بين الأجيال.. 

تظهر نتائج دراسة "أناليسيز" فجوة واضحة بين إدراك الأطفال والبالغين للمخاطر الرقمية، ففي حين يركز البالغون والأهالي على المخاطر الخارجية مثل المحتوى غير المناسب والتحرش والاستغلال والإدمان، يركز الأطفال والمراهقون أكثر على الأبعاد النفسية، مثل تأثير المقارنات الاجتماعية على الصورة الذاتية وتراجع الثقة بالنفس والضغط الناتج عن الحضور المستمر على الإنترنت.

وبحسب الدراسة، يرى 88% من المشاركين أن الأطفال دون سن 12 عاما غير قادرين على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأمان، فيما عبّر 86% عن رفضهم لاستخدام الأطفال بعمر 15 عاما فما دون لهذه المنصات دون رقابة.

كما  تظهر  الدراسة توافقا على أن الاستخدام المستقل لوسائل التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن يبدأ قبل منتصف أو أواخر المراهقة، مع بروز سن 17 عاما بوصفه العمر الأكثر قبولا.

وتكشف النتائج أيضا عن مستويات قلق مرتفعة، إذ أفاد 85% من المشاركين بقلقهم من أن يؤدي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى إضعاف العلاقات المباشرة أو زيادة العزلة الاجتماعية، بينما تصدرت مخاطر التعرض لمحتوى غير مناسب قائمة أبرز المخاطر، تلتها مخاطر الاستغلال والتحرش، ثم الإدمان على الهاتف ووسائل التواصل، كما تظهر أن غالبية المشاركين يرون أن الأهل هم الجهة الأساسية المسؤولة عن حماية الأطفال رقميا، إلى جانب دور متوقع للمدارس في تقديم برامج التوعية الرقمية، مع دعم واسع لإجراءات مثل تحديد وقت الاستخدام وتقييد المحتوى المتاح للأطفال.

 

مقترح نيابي للتقييد

وفي ظل تزايد المخاطر الرقمية المرتبطة باستخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، وتصاعد القلق المجتمعي من آثارها النفسية والسلوكية، برزت مطالبات نيابية بضرورة التدخل التشريعي لحماية هذه الفئة.

ودعا النائب الدكتور هايل عياش الحكومة إلى دراسة إصدار تشريع يقيد استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاما، بهدف حماية الأطفال والمراهقين من الآثار النفسية والسلوكية للاستخدام المبكر.

ويقول عياش لـ"عمان نت" إن المقترح جاء نتيجة تصاعد الحديث عن استغلال الأطفال عبر الإنترنت، مشيرا إلى أن دولا مثل أستراليا وفرنسا تبحث تشريعات مشابهة، كما لفت إلى أن مصر أرسلت مشروع قانون مشابه لمجلس الشعب.

ويوضح أن المقترح لا يزال في إطار مذكرة للدراسة، وقد وقع عليه 11 نائبا لدعمه، وسيتم رفعه إلى الأمانة العامة لمجلس النواب للنظر فيه من قبل اللجنة القانونية المختصة، قبل إحالته للحكومة في حال تبنته اللجنة.

 الهدف من المقترح بحسب عياش هو الوقاية وحماية الأبناء من المحتوى غير المناسب وتعزيز سلوكياتهم الإيجابية، مشددا على أن التشريع يأتي ضمن إطار مسؤولية الأسرة والمدرسة أيضا، خاصة في ظل انشغال الوالدين والظروف الاقتصادية التي قد تحد من الرقابة المباشرة.

 

 

بدوره، يؤكد المجلس الوطني لشؤون الأسرة أن قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من المخاطر المرتبطة باستخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي يمثل خطوة مهمة ضمن إطار الحماية الرقمية، موضحا أن اللجنة ستضم جهات حكومية ومؤسسات وطنية إلى جانب القطاع الخاص، وبرئاسة هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بصفتها الجهة المعنية بتنظيم الخدمة، وبما يضمن تعزيز حماية الأطفال في الفضاء الرقمي.