العفو العام…من الذي لا ينبغي أن يدخل السجن أصلاً؟
النقاش الدائر حول العفو العام غالباً ما ينتهي عند سؤال واحد: من يستحق الخروج ومن لا يستحق؟ لكن هناك سؤالاً آخر أكثر أهمية، وهو: من الذي لا ينبغي أن يدخل السجن أصلاً؟
ليست كل القضايا متشابهة، هناك أشخاص ارتكبوا جرائم خطيرة تستوجب العقوبة، وهذا أمر لا خلاف عليه. لكن توجد أيضاً ملفات تغيرت ظروفها بالكامل. خصومات انتهت بالصلح، وأصحاب حقوق شخصية اختاروا إسقاطها بعد التسوية، ومع ذلك يبقى المحكوم داخل السجن سنوات، بينما تكون العلاقة بين أطراف القضية قد انتهت خارج أسواره.
العدالة لا تضعف عندما تعترف بالمصالحة، بل تصبح أكثر قدرة على التمييز بين من لا يزال يشكل خطراً على المجتمع، ومن أصبح استمرار حبسه بلا أثر حقيقي.
الملف الآخر أكثر تعقيداً، وهو المخدرات، الأردن يواجه منذ سنوات حرباً مفتوحة مع شبكات التهريب، والمخدرات أصبحت تصل إلى فئات عمرية صغيرة بصورة مقلقة. وسط هذه المعركة يختلط المتاجر بالمادة، بالمتعاطي الذي انجرف إليها، وبالشاب الذي وقع ضحية سهولة الوصول إليها أو رفقة السوء أو الاستغلال.
مع هذا المشهد تتجاوز نسبة الإشغال في مراكز الإصلاح والتأهيل 200 بالمئة، يفرض بالسجن أن يكون فرصة للإصلاح والتأهيل، لكنه يفقد هذا الدور عندما يتحول إلى مكان مكتظ يعجز عن تقديم برامج التأهيل، ويكتفي باحتواء الأعداد المتزايدة.
لا يمكن التعامل مع الجميع بالطريقة نفسها،المروج والمهرب جزء من المشكلة الأمنية، أما المدمن فهو في كثير من الحالات جزء من المشكلة الصحية والاجتماعية، حبسه لفترة ثم إطلاق سراحه من دون علاج حقيقي لا يضمن أنه لن يعود إلى التعاطي، وربما إلى الجريمة أيضاً. لذلك تبدو مراكز العلاج والتأهيل، مع برامج متابعة بعد التعافي، استثماراً في أمن المجتمع، وليس مجرد خدمة اجتماعية.
هناك من يرى أن أي تخفيف للعقوبات يبعث برسالة خاطئة، لكن التجارب أثبتت أن العقوبة وحدها لا تغير السلوك دائماً. الإنسان الذي يخرج من السجن من دون علاج، ومن دون فرصة عمل، ومن دون قبول اجتماعي، يعود غالباً إلى النقطة التي بدأ منها. عندها ندور في الحلقة نفسها، ويزداد الضغط على مراكز الإصلاح، فيما تبقى أسباب المشكلة قائمة.
العقوبات البديلة فتحت باباً مختلفاً، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب أن تتوسع فلسفة العدالة الإصلاحية لتشمل مراجعة أوضاع من أسقطت عنهم الحقوق الشخصية، وإيجاد آليات قانونية تمنح القضاء مساحة أوسع للتعامل مع هذه الحالات، من دون المساس بحق المجتمع أو هيبة القانون.
أما في قضايا تعاطي المخدرات، فالمطلوب أن يكون العلاج جزءاً أصيلاً من الحكم، لا خياراً ثانوياً. المدمن الذي يلتزم ببرنامج علاجي ورقابة لاحقة قد يكون أقل خطراً على المجتمع من شخص قضى سنوات في السجن ثم خرج من دون أن يتغير شيء.
المطلوب أولاً تفكيك الصورة الكبيرة إلى فئات واضحة داخل ملف المخدرات، بدل التعامل معها ككتلة واحدة. المدمن الذي دخل في التعاطي بفعل ظروف اجتماعية أو ضغط رفقة أو سهولة الوصول إلى المادة لا يمكن وضعه في السلة نفسها مع المهرّب أو المتاجر الذي يحوّل المادة إلى نشاط اقتصادي قائم على الإضرار المباشر بالمجتمع. هذا الخلط يربك العدالة ويثقل السجون بأشخاص يحتاجون مساراً مختلفاً تماماً.
فحصر أعداد المتعاطين بشكل دقيق خطوة أساسية قبل أي سياسة علاج. لا يمكن بناء برامج تأهيل دون معرفة حجم الظاهرة فعلياً، ولا يمكن تطوير مراكز علاج إذا بقيت الأرقام ضبابية داخل ملفات السجون.
بعد ذلك يأتي التحول الحقيقي، تحويل مسار المدمن من العقوبة السالبة للحرية إلى العلاج الإلزامي داخل مراكز متخصصة، مع متابعة لاحقة تمنع الانتكاس وتعيد إدماجه تدريجياً في المجتمع والعمل.
في المقابل، يبقى التعامل مع المهربين والتجار ضمن المسار العقابي الصارم باعتبارهم جزءاً من منظومة الجريمة المنظمة، لا مجرد حالات فردية.
وبين هذين المسارين يظهر ملف آخر لا يقل أهمية، وهو من صدرت بحقهم قضايا انتهت بإسقاط الحق الشخصي. هؤلاء يحتاجون مراجعة قانونية مختلفة، لأن استمرار حبسهم بعد انتهاء الخصومة لا يضيف شيئاً للعدالة، بل يعمّق ضغط السجون ويعيد إنتاج المشكلة بشكل آخر.













































