الرزق على عربة طفل!
نور العمد: يجر رزقه على عربة اطفال متهالكة جردتها الأيام من معاني الطفولة ولا يميزها سوى أربع عجلات.. كفيلة بتسهيل حركته،
نور العمد: يجر رزقه على عربة اطفال متهالكة جردتها الأيام من معاني الطفولة ولا يميزها سوى أربع عجلات.. كفيلة بتسهيل حركته،
سعيا وراء لقمة عيش في قاع المدينة..هذا الرزق يأتيه من فنجان قهوة.
انه أبو محمود السبعيني الذي يجول وسط البلد قادما من جبل النظيف حيث بيته، لبيع قهوته التي أصبحت جزءً صباحيا لتجار شارع الملك طلال، رغم سنواته السبعين التي أثقلت كاهليه فهو ابلغ من ان يمد يده طلبا للحاجة.
ابو محمود لم يشأ الحديث معنا قائلا "عملوا معي لقاء بالتلفزيون سنة الثمانينات"، لكننا حاولنا الحديث معه وهنا بدأ الحديث عن حياته بإسهاب وسط تجمهر مواطنين من حوله.."منذ عام 1986 وأنا اجّر عربتي هذه متنقلا من مكان الى لآخر حتى ألبي طلبات المارة من القهوة، ورغم تقدمي بالعمر لن أتوقف حتى آخر يوم في حياتي، لماذا اجلس في البيت وأريح نفسي فانه من المؤكد من لا يعمل فانه يعاني من حالة نفسيه فالعمل به إراحة للنفس، فضلا عن تجنب المذلة من الغير".
في وجهه حكاية وهذه الحكاية حاول إخفائها لم يشأ الحديث عنها، فرغم انه يعمل لأجل عدم الجلوس في المنزل كعاطل عن العمل، الا ان ثيابه التي أكل عليها الدهر وشرب هي دليل برهان واضح على الحكاية التي أراد ان يخفيها!.
"في السابق كنت اعمل في مجال الحدادة في لبنان وشاءت بي الظروف بالقدوم الى الاردن فاشتغلت هنا بمهنة الحدادة، ولكن لم أجد ضميرا ولا أخلاقا، فأجبرت نفسي منذ ذلك الوقت ان اعمل ببيع القهوة حفاظا على نفسي وعلى أولادي الستة".
نهل خبرته من الحياة التي رافقته بحلاوتها ومرارتها، رغم عدم إكماله لتعليمه الا انه يملك مخزونا وفيرا من الأمثال والأقوال "خبرتي وطريقة حديثي صقلتها من هذه الحياة، لله در الشيب من واعظ ومن ناصح لو حظي الناصحة، فالحياة تعلم الشخص الكثير الكثير، فالإنسان إرادة ورسالته تدفعه الى تخطي المصائب".
رزق ابو محمود لا يتجاوز العشرين قرشا، رفع سعر فنجان القهوة من 15 قرشا الى 20 قرشا تمشيا مع رفع الاسعار الذي احرق جيوب الطبقات الفقيرة في مجتمعنا "الحمد الله على كل شي، وما اجنيه يعتمد على حركة السوق، فالسوق مذبذب بحركته ولا اخفي عليك فالنقود لا تعني لي الكثير أهم شيء ان لا أكون عالة على احد".
ترك ابو محمود بصمة واضحة على أزقة شوارع البلد، فأصبح لديه زبائن يقصدونه بشكل يومي لشراء قهوته كأبو أيمن الذي يعتبرها بأنها من أجود أنواع البن " قهوة ابو محمود أحسن بكثير من القهوة التي تباع بالمحلات، وإذا لم يأت يوما الى البلد افتقده وأتساءل لماذا لم يطل علينا ابو محمود بقهوته اللذيذة".
يشّبه ابو محمود بصمته بالمكان من ناحية علمية بقطع الذهب والفضة اذا تم لصقهم مع بعضهم البعض وفصلا بالعين المجردة لن يتم رؤية شيء، ولكن المختص العلمي يمكنه من رؤية النقط غير المنظورة من الذهب حتى لو دفنت نفسها بالفضة، فالناس تتواصل مع بعضها البعض واذا غاب احد عن مكان اعتاد على القدوم عليه فانه من المؤكد ان يشعر الآخرون بغيابه".
وختم حديثه معنا وهو يحضر العربة لأجل المضي باتجاه شارع سقف السيل"هناك كاتب روسي قال أنا أحب العلم وأحب الرياضة وأحب السباحة وأحب الحياة وأحب كل شيء ينبض بالحياة... بالمقابل هناك كاتب عربي قال أريد الموت كما مات الشبراوي، والشبراوي لقي حتفه بعد ان أكل الجدي وشرب العسل وهو نائما بالصحراء"...هذه أقوى رسالة أراد أن يوصلها أبو محمود لمن لا يعمل حتى لو تقدم العمر به!.











































