الحرب الفاشلة على الأسعار
من المفهوم تماما أن تهتم الحكومات بضبط التضخم والحيلولة دون ارتفاع الأسعار بجميع الوسائل المتاحة لها، ذلك أن ارتفاع الأسعار على المستهلكين من المواطنين محدودي الدخل ينعكس سلبا على شعبية الحكومة.
لكن هناك حدودا لا تستطيع الحكومات أن تتعداها لأنها تؤدي لنتائج غير مرغوب فيها. تدخل حكومي في أسعار خدمات المستشفيات الخاصة مثلا، يضمن عدم تأسيس مستشفيات خاصة. وتحديد سعر الخبز بأقل من الكلفة أقنع المزارعين بالإقلاع عن إنتاج القمح حتى لاستعمالهم الشخصي طالما أن الخبز يباع في السوق بأقل من الكلفة.
من ناحية أخرى فإن التأثير على مستويات الأسعار عن طريق القرارات الإدارية عملية فاشـلة بدليل أن كل المحاولات لم تمنع مستويات الأسعار من الارتفاع على مدى الزمن، يكفي القول بأن الشكوى من ارتفاع الأسعار وجد منقوشـا في قبور المصريين القدماء.
وهنا نلاحظ بأن مستويات الرواتب والدخول هي أيضا نوع من الأسعار التي ترتفـع بالتدريج للمحافظة على التوازن بين العرض والطلب، فلا فائدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات إذا لم تجد من يشتريها.
الأسعار التي نشـكو منها اليوم تصبح أمنيـة بعيدة المنال غدا، وكذلك الرواتب الحاليـة كانت حلما بعيـد المنال بالأمس غير البعيد، يكـفي أن أقول أنني عملت براتب 14 دينارا في الخمسينات، وبراتب 25 دينارا في مطلع الستينات، وبراتب 135 دينارا في السـبعينات، وبألف دينار في الثمانينات.
ما يضع المواطن محـدود الدخل تحت الضغط ليس ارتفاع الأسعار فقط، فالمفروض أن الدخل يواكب الأسعار، ولكن نشوء متطلبات وأبواب إنفاق جديدة لم يكن لها وجـود في السابق مثل فواتير الماء والكهرباء والهاتف والإنترنت والسيارة الخاصة والسياحة وما إلى ذلك مما لم يكن له مخصصات في موازنة الأسرة العادية.
في خطاب شعبي له عام 1963، قرر الرئيس جمال عبد الناصر (رحمه الله) إعادة الأسعار إلى ما كانت عليه في عام 1960، فكانت النتيجة اختفاء المواد وظهورها في السوق السوداء بسعر أعلى مما كان عليه، فالأسعار والأعمار ليست بأيدي الحكومات.











































