الأردن والضفة الغربية: ماهي استراتيجيات عمان لمواجهة "الضم الكلي"؟
يواجه الأردن تحديًا استراتيجيًا معقدًا في ملف الضفة الغربية بعد قرار إسرائيل إلغاء القانون الأردني لعام 1953، الذي كان ينظم ملكية الأراضي ويمنع بيعها لغير الأردنيين دون موافقة مجلس الوزراء.
يصف الخبراء هذا القرار بأنه "تطور خطير" يمهد لمرحلة "الضم الكلي" للضفة الغربية، محذرين من تبعات ديموغرافية وسياسية واقتصادية واسعة النطاق على الأردن وفلسطين.
لا يمثل هذا التطور مجرد تغيير قانوني، بل هو تهديد مباشر للأمن القومي الأردني، نظراً للروابط التاريخية والديموغرافية العميقة بين البلدين. تهدف هذه المقالة إلى تحليل الاستراتيجيات المحتملة التي قد تتبعها عمان لمناورة هذا الملف الحساس.
تاريخياً، ارتبط الأردن بالضفة الغربية بشكل وثيق، حيث أدارها منذ ضمها عام 1950 حتى فك الارتباط الإداري والقانوني عام 1988. ورغم فك الارتباط، ظلت الضفة الغربية جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني الأردني، نظراً للترابط السكاني والاقتصادي والجغرافي.
القانون الأردني لعام 1953، والذي كان ساري المفعول في الضفة الغربية، كان يهدف إلى الحفاظ على الأراضي ومنع تغلغل الاستيطان الإسرائيلي عبر منع بيع الأراضي لغير الأردنيين.
التحول من "الضم بالقطعة" إلى "الضم الكلي"
يشير الخبراء إلى أن قرار إلغاء القانون الأردني يفتح الباب أمام مرحلة "الضم الكلي" بدلاً من سياسة "الضم بالقطعة" التي كانت إسرائيل تتبعها سابقاً. هذا القرار يمنح غطاءً قانونياً إسرائيلياً لمصادرة الأراضي غير المسجلة أو المهجورة وتوسيع المستوطنات بشكل كبير، مما يهدد بتغيير ديموغرافي واسع النطاق في الضفة الغربية وشرق القدس، وهو ما قد يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين نحو الأردن. هذا التوقيت "المريب" للقرار قد يكون مرتبطاً بمقايضات دولية أو استغلال للظروف الإقليمية الراهنة لتسريع أجندة الاستيطان.
أحد أخطر التداعيات المحتملة لإجراءات الضم هو التهديد بالتهجير الديموغرافي الذي يستهدف الأردن وفلسطين معاً. الأردن، الذي يستضيف بالفعل أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، يخشى من موجات تهجير جديدة قد تزعزع استقراره الداخلي وتفرض ضغوطاً اقتصادية واجتماعية هائلة. كما أن هذا التغيير الجذري في الوضع على الأرض في الضفة الغربية له تداعيات مباشرة على الأمن الأردني.
ووصف الخبير العسكري والمحلل السياسي، الدكتور نضال أبو زيد، قرار الاحتلال الإسرائيلي بإلغاء قانون الأراضي الأردني لعام 1953 في الضفة الغربية بأنه "تطور خطير" ينهي مرحلة "الضم بالقطعة" ليبدأ مرحلة "الضم الكلي"، محذراً من مخططات لتهجير ديموغرافي يستهدف الأردن وفلسطين على حد سواء.
وفي حديثه لراديو البلد، كشف أبو زيد أن توقيت صدور القرار من "الكابينت" الإسرائيلي لم يكن عفوياً، بل جاء قبل 24 ساعة فقط من اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأشار إلى وجود مؤشرات على "مقايضة سياسية" تجري في الكواليس، تتمثل في غض الطرف الأمريكي عن إجراءات الضم في الضفة مقابل تفاهمات تتعلق بمعبر رفح بقطاع غزة.
ستتطلب هذه التحديات من الأردن مناورة دبلوماسية معقدة ومتعددة الأبعاد تجمع بين الحفاظ على مصالحها الوطنية وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
وأوضح أبو زيد أن القانون الأردني الملغى كان يشكل حائط صد قانوني منذ عقود، حيث كان يجرم البيع المباشر للأراضي لليهود ويفرض عقوبات مشددة تصل إلى الأشغال الشاقة. وبإلغائه، ينتقل الاحتلال من "هندسة الجغرافيا" وتوسيع المستوطنات إلى "هندسة الديموغرافيا".
وحذر أبو زيد من مصطلح "التهجير الناعم"، موضحاً أن الاحتلال لن يلجأ بالضرورة إلى المشاهد التقليدية للتهجير القسري كما حدث في عامي 1948 و1967، بل سيعمد إلى ممارسة ضغوط اقتصادية ومعيشية وقانونية خانقة على الفلسطينيين في المناطق المستهدفة (خاصة المنطقة ج التي تشكل 60% من الضفة)، لدفع حملة الجوازات الأردنية منهم للمغادرة باتجاه الأراضي الأردنية تحت وطأة الأمر الواقع.
واعتبر أبو زيد أن هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية عدائية مباشرة للأردن، وتمس بدوره التاريخي والسياسي في الضفة الغربية. وأكد أن هذا القرار مرتبط بسلسلة إجراءات أخرى مثل إلغاء قانون التقادم في قلنديا وتوسيع بؤر استيطانية كبرى مثل "معالي أدوميم" شرق القدس، مما يعني إحكام القبضة على القدس وعزلها تماماً.
الدبلوماسية الجماعية والتحالفات الإقليمية
تعد الدبلوماسية النشطة حجر الزاوية في الاستراتيجية الأردنية. سيزيد الأردن من ضغوطه عبر المحافل الإقليمية والدولية، مثل منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية، لحشد الدعم ووقف الإجراءات الإسرائيلية. وقد تجلى هذا الدور بالفعل في إدانة الأردن، بالاشتراك مع ثماني دول عربية وإسلامية، للقرارات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية. هذا التكتل الإقليمي يعزز الضغط الدولي ويمنح عمان دوراً قيادياً في "كبح الاحتلال".
وحول سبل الرد، حدد أبو زيد ثلاثة مسارات رئيسية يمكن للأردن التحرك من خلالها:تخشين الخطاب الإعلامي والسياسي: تصعيد النبرة تجاه الانتهاكات التي تمس الوصاية الهاشمية على المقدسات،التلويح بورقة "حق العودة": واصفاً إياها بأنها الجملة الأكثر إيلاماً وإزعاجاً للاحتلال الإسرائيلي.تبني خطاب "فلسطين للفلسطينيين": كمواجهة سياسية وقانونية لمشاريع التصفية والضم.
الشرعية الدولية
يرتكز الموقف الأردني على الشرعية الدولية، مستنداً إلى قرارات مجلس الأمن مثل القرار 2334 الذي يدين أي إجراءات تغير الطابع القانوني والديموغرافي للأرض المحتلة. هذا يعزز الشرعية الدولية لموقف عمان ويمنع أي تطبيع مع الإجراءات الإسرائيلية. ستستغل عمان منصات مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية لتحميل إسرائيل مسؤولية الانتهاكات، مؤكدة أن الاحتلال قد يعلق قوانين أردنية عسكرياً لكنه لا يمكنه استبدالها قانونياً بشكل دائم.
الضغط الاقتصادي والأمني
كحليف استراتيجي لإسرائيل في مجالات مثل الغاز والتجارة، قد يلجأ الأردن إلى استخدام ورقة الضغط الاقتصادي. يمكن أن يشمل ذلك تعليق اتفاقيات اقتصادية أو تهديد بإغلاق المعابر الحدودية، مما قد يؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي دون تصعيد عسكري مباشر. هذه المناورة تعكس "الردع الناعم" للحفاظ على استقرار العلاقات مع إسرائيل مع التعبير عن الرفض القاطع لسياسات الضم.
وحذر أستاذ العلوم السياسية، الدكتور بدر ماضي، من خطورةأننا نعيش حالياً واحدة من "أخطر المراحل" التي تمر بها القضية الفلسطينية. وأشار ماضي، في حديث مباشر عبر راديو البلد، إلى أن هذه الخطوات تمثل إعلاناً صريحاً عن غياب أي نوايا إسرائيلية مستقبلية للقبول بحل الدولتين.
وفي معرض تحليله لقرار الكابينت الإسرائيلي بإلغاء القانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود في الضفة الغربية، أوضح ماضي أن هذه الخطوة تهدف بالأساس إلى منح إسرائيل "غطاءً قانونياً" أمام المجتمع الدولي.
وقال ماضي: "إن خطورة إلغاء هذا القانون تكمن في محاولة إسرائيل شرعنة استيلائها على الأراضي الفلسطينية؛ فبدلاً من أن تظهر كمحتل يستولي على الأرض بالقوة العسكرية، ستحاول إغراء أو الضغط على بعض الملاك لبيع أراضيهم، لتخرج للعالم لاحقاً وتقول إن هذه الأراضي تم تملكها عبر طرق شرعية وبعقود بيع وشراء من ملاكها الأصليين".
وأضاف أن هذا التوجه يضعف الموقف الفلسطيني والدولي الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، حيث تسعى إسرائيل لامتلاك "كرت رابح" في أي مفاوضات مستقبلية عبر إشهار وثائق ملكية الأراضي.
وحول طلب السلطة الفلسطينية عقد اجتماع عاجل لجامعة الدول العربية، وصف ماضي هذا التحرك بأنه "ضروري من الناحية الرمزية والتاريخية" لتسجيل موقف إدانة عربي جماعي، لكنه شكك في قدرة هذه الاجتماعات على إحداث تغيير ملموس على أرض الواقع ما لم يقترن ذلك بضغط دولي حقيقي.
واختتم الدكتور بدر ماضي حديثه بالإشارة إلى أن الطرف الوحيد القادر على لجم السلوك الإسرائيلي وتغيير قواعد اللعبة هي الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، أبدى تشاؤماً حيال هذا الرهان، مؤكداً أن المواقف الأمريكية الأخيرة تثير الكثير من علامات الاستفهام وتجعل من الصعب الرهان على موقف "أخلاقي" أو حازم يوقف التمدد الاستيطاني وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة.
تعزيز الدور الديني والقانوني
بصفتها الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، سيعزز الأردن دوره الديني والقانوني، رابطاً ملف الضفة الغربية بقدسية المسجد الأقصى. سيطالب الأردن بتفعيل دور السلطة الفلسطينية قانونياً لإعادة تفعيل القوانين الأردنية المعلقة عسكرياً، مؤكداً أنها لا يمكن إلغاؤها بشكل نهائي دون تغيير دستوري إسرائيلي.
ورداً على سؤال حول الأدوات التي يملكها الأردن أو السلطة الفلسطينية لمواجهة هذا القرار، أعرب ماضي عن واقعية مؤلمة، مشيراً إلى أن الخيارات المتاحة محدودة جداً.
وأوضح أن السلوك البشري تحت الضغط الشديد قد يتغير، قائلاً: "نحن نعلم أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين لن ينصاعوا للرغبات الإسرائيلية، ولكن تحت وطأة الضغوط الكبيرة والممارسات اليومية التي تفرضها حكومة اليمين المتطرف، قد تنجح إسرائيل في اختراق هذا الجدار".
وأكد ماضي أن الأردن، رغم دوره التاريخي والقانوني في حماية الأراضي والمقدسات، يجد نفسه أمام تحدٍ قانوني معقد بعد إلغاء القانون الذي كان يشكل حائط صد أساسي لمنع تسريب الأراضي.
الحفاظ على الاستقرار الداخلي
لمواجهة مخاطر التهجير الديموغرافي، ستركز عمان على تعزيز الاستقرار الداخلي، بما في ذلك دعم المجتمعات الأردنية ذات الأصول الفلسطينية ومراقبة التأثيرات الديموغرافية. يشمل ذلك تعزيز الحدود ومنع أي تدفق هجري قسري، مع الحفاظ على سياسة "لا سيادة إسرائيلية على الأرض الفلسطينية".
المناورة الأردنية في هذا الملف لن تكون سهلة. التوسع الاستيطاني المستمر، الذي يشمل بناء آلاف الوحدات السكنية، يهدد بتصعيد عنيف وقد يؤدي إلى أزمة إنسانية تؤثر بشكل مباشر على الأردن. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوقيت السياسي المريب للقرار الإسرائيلي قد يشير إلى مقايضات دولية أوسع، مما يزيد من تعقيد المشهد.
يعد التنسيق الوثيق مع السلطة الفلسطينية أمراً حاسماً لنجاح الاستراتيجية الأردنية. فمن دون جبهة فلسطينية موحدة وقوية، سيكون من الصعب على الأردن حشد الدعم الدولي الفعال لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية.
سيناريوهات محتملة
إذا نجحت إسرائيل في تحقيق "الضم الكلي"، قد يفقد الأردن جزءاً من نفوذه التاريخي. ومع ذلك، بفضل دبلوماسيتها الذكية، يمكن لعمان تحويل هذا التحدي إلى فرصة لتعزيز دورها الإقليمي كلاعب رئيسي في استقرار المنطقة. الاستراتيجية الأردنية طويلة الأمد ترتكز على "الصبر الاستراتيجي"، بهدف تحويل التهديد إلى ضغط دولي يعيق "الضم الكلي" ويحفظ حقوق الفلسطينيين. يبقى القانون الأردني معلقاً عسكرياً، مما يترك مجالاً للمناورة القانونية والدبلوماسية.
إن إلغاء القانون الأردني لعام 1953 يمثل نقطة تحول خطيرة في ملف الضفة الغربية، ويضع الأردن أمام تحديات استراتيجية عميقة. تعتمد مناورة عمان على استراتيجية متعددة الأوجه تجمع بين الدبلوماسية النشطة، والضغط القانوني، والقدرة على استخدام الأوراق الاقتصادية والأمنية، والحفاظ على دورها التاريخي كوصي على المقدسات. الهدف الأسمى لهذه الاستراتيجية هو حماية الأمن القومي الأردني، ومنع التهجير الديموغرافي، والمساهمة في الحفاظ على أفق حل الدولتين كسبيل وحيد لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.












































