الأدب السياسي في الأردن.. ممنوع ممنوع ممنوع
رافضاً لثقافة السلطة متمسكاً بسلطة الثقافة يمضي الشاعر الأردني ماجد المجالي في مشروعه الشعري غير آبه بجمع أشعاره في ديوان مطبوع، يحدد المجالي شرط السلطة العربية لقبول المثقف العربي بـ" أن ياتي المثقف ضمن المواصفات والمقايس"، الأمر الذي يصفه بالمخالف لسلطة الثقافة.
الشاعر الذي عرف عنه نقده اللاذع للسياسات الرسمية لا يفكر بطباعة ديوان شعري، ويبرر موقفه برفضه شروط السلطة التي يجب الالتزام بها للموافقة على النشر، يتسائل إذا كان مجرد ذكر اسمي في نشاط كفيل بمنعه، هل من المعقول أن يوافق لي على نشر ديوان شعر؟
يعتبر المنع من النشر من أكثر وسائل السلطة استخداماً لمواجهة المثقف الأردني الذي يعني بالشأن السياسي أو من باتوا يعرفون بـ"مثقفي المعارضة".
ووفقاً للإحصائيات الرسمية تمنع مديرية المطبوعات والنشر كتاباً كل أسبوع في الأردن، المنع الذي يتم غالباً بحجة المساس بالوحدة الوطنية أو إهانة الدين أو التعارض مع الأخلاق العامة.
يشار إلى أن دائرة المطبوعات والنشر هي الجهة المخولة بالرقابة على الكتب في الأردن سواء كانت لكتاب من داخل البلد أو خارجها.
المجالي الذي يعتبر من أكثر شعراء الأردن انتشاراً وحضوراً في النشاطات التي تقيمها قوى المعارضة، يرفض أن يطلق عليه وصف "الشاعر السياسي" أو " الشاعر المعارض".
وينفي وصف السياسي عن نفسه بقوله " لست جزءاً من أي السلطات المكونة لما يسمى بالدولة، ولست جزءاً من أي حزب سياسي"،
ويعرف المجالي نفسه بـ" المثقف الذي يشتغل بالشأن العام".
أثناء الحديث مع المجالي رن هاتفه مرارا بنغمة "عصفور طل من الشباك"، في حين وضع عبارة حسن نصر الله " هناك رسالة ستصل.. ووصلت" لتنبيه لوجود رسالة جديدة.
وعن سبب خلافه مع السلطة يقول المجالي" الخلاف الوحيد على مكان لساني" ، يشرح، هم يريدون لساني في أفواههم أما أنا فأريده في فمي، يتابع، هناك ألسنه كثيرة للبيع أما أنا فلساني ليس للبيع.
وينحدر الشاعر الذي فقد بصره في صباه من عشيرة يعتبر غالبية أبنائها من الموالين لنظام الحكم، وحاز عدد كبير منهم مناصب رسمية في الدولة.
ورغم ما عاناه ماجد المجالي بسبب أشعاره من فقدان للاستقرار وتضييق من قبل أجهزة الأمن كما يقول، انتهى به لترك دراسة القانون في الجامعة الأردنية عام 1990 وسجنه لعدة مرات إلا أنه يصف نفسه بالأكثر سعادة في عشيرتة.
المجالي الذي يوصف بالمعارض.. يعرف نفسه بالموالي، يشرح هناك فرق بين الولاء الأحمق والولاء الأعمق،ويتابع، مطلوب في الأردن ولاء أحمق مطلوب أن تصفق لكل شيء وأن تقول نعم لكل شي، أما من يؤشر على الأخطاء فهو غير مرغوب به.
الولاء الأحمق عبر عنه المجالي في قصيدة اللزومية التيسية المعمعية والتي مزج فيها النقد اللاذع بالسخرية السوداء:
نحن مَعْ دوماً ، ودومًا نحن مَعْ كُلّمـا أقبـل تيسٌ صاح مَعْ
قلت : مَعْ من ؟ قال : مَـعْ كل مـا نقـصد خير المجتمَعْ
نحن مـعْ رمزٌ بـهِ وحدتنـا فرّقَ الشـعب لدينا أو جمَـعْ
أشعـلوا أوطاننـا سيجـارةً اشغلوا المخـتار في جمع القُمَعْ
فاحفظوها ردّدوهـا دائـماً نحن مَعْ مَعْ نحن مَعْ مَعْ نحن مَعْ
لا يخفى أن المجالي صاحب توجه عروبي وينعكس ذلك بقوله: "أنا من الأردن، انا لست أردنيا، أنا عربي من الأردن"، وانسجاماً وتوجهه العروبي يؤكد على أهمية استغلال الثقافة في الدفاع عن ذات الامة العربية.
ولوضع حد للصراع بين الثقافي والسياسي يطالب المجالي بالفصل الحميد بين الثقافي والسياسي على أساس أن الثقافة سيدة السياسة وليس العكس، كما يطلب من السياسي عدم تحميل الثقافي وزر قراراته السياسية أو الالتزام بها، يوضح ذلك بقوله، إذا كان السياسي في الأردن وقع على معاهدة وادي عربه( معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية) فعليه أن لا يطلب مني الغناء لها.
وعند إعادة سؤال النشر عليه رد بالآية القرآنية " فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، وتابع متسائلا يوجد 10 آلاف ديوان شعر في الأردن طبعت وفقا لمواصفات السلطة، من يحفظ منها شيء ؟
لا للمنع
في وقت يحدد المجالي مشكلته مع السلطة بمكان لسانه، يحدد رئيس لجنة الحريات في رابطة الكتاب الأردنيين عبد الله حمودة المشكلة بإعطاء قانون المطبوعات والنشر صلاحيات كبيرة لمدير المطبوعات والنشر بالرقابة على الكتب.
الرقابة التي تسببت وفقاً لحمودة بوجود 30 كتابا لأعضاء في الرابطة ممنوعة من النشر.
ويلخص حمودة خلاف الرقيب مع المبدع بعجز الرقيب عن الوصول إلى خيال المبدع ما يتسبب بفهم خاطيء للرقيب ينتهي بمنع النشر.
المنع والرقابة التي ينفي مدير المطبوعات والنشر نبيل المومني وجودها، مؤكداً أن المنع من النشر مسألة منوطة بالقضاء.
يقول المومني يحق للكاتب الأردني وفقاً لقانون المطبوعات والنشر أن يقوم بطبع ونشر كتابه دون رقابة مع ضرورة إيداع نسخة من الكتاب لدى دائرة المطبوعات والنشر.
يتابع في حال وجود ما يخالف القانون تقوم الدائرة بتحويل الكتاب للقضاء صاحب الولاية في المنع أو عدم النشر أو عدم الاجازة، مؤكداً على أن دور دائرة المطبوعات والنشر تسهيل التعامل مع الكتاب.
وكشف استطلاع أجراه مركز انتلجنسيا للدراسات أن57% من المبدعين الأردنيين يشعرون بوجود رقيب ذاتي يحول دون انسياب إبداعاتهم.
وأعرب 47% منهم في الاستطلاع الذي حمل عنوان "الحريات الإبداعية وحقوق المبدعين" عن تخوفهم من المضايقات السياسية والاجتماعية والدينية.
وفيما يقول المومني أن تحويل الكتاب للقضاء وفقاً لقانون المطبوعات والنشر لا يعني تحويل الكاتب يتهم حمودة دائرة المطبوعات بالتحايل على القانون المطبوعات والنشر الذي يمنع حبس الكاتب وذلك باقامة دعوة قضائية ضد الكاتب استناداً الى قانون العقوبات.
ويطالب حموده بإلغاء قانون المطبوعات ووقف تحويل الكتاب للمحاكم إضافة إلى تحويل دائرة المطبوعات والنشر إلى صديقة للكاتب بدلا من رقيبة عليه.
ولتحقيق هذه المطالب أطلقت رابطة الكتاب حملة لن تنتهي إلا بتحقيق أهدافها.
رغبة ناقصة
فيما تخلى المجالي عن نشر أشعاره، خاض الشاعر سمير القضاه هذه التجربة وفقاً لمعادلته الخاصة، معادله دفعته لنشر ما يمكن نشره فيما أبقى قصائده التي يسميها الرقيب في الانتظار.
يقول القضاه فكرت بنشر ديوان شعر عام 1998 لكن سرعان ما عدلت عن الفكرة بعد أن طلبت دائرة المطبوعات والنشر شطب الجزء الأكبر من الديوان حتى يجاز.
القضاه اشتهر بشعر سياسي ناقد وصل به حد نقد نظام الحكم في قصيدة المدير والتي قادته عام 1996 لسجن لعام واحد تسبب في انقطاعة عن دراسته الجامعية.
عام سجن يصفه بالخسارة غير الكبيرة مقابل الدفاع عن الرأي.
ويعلل القضاه الذي يعمل مهندساً معمارياً تجربته الشعرية الناقدة للنظام الرسمي الأردني والحكومات الأردنية بالتوق إلى ديمقراطية وحرية أكبر.
توق القضاه للحرية انعكس في عنوان ديوانه الشعري الذي أصدره عام 2007 بعنوان" ما أشهى طعم الحرية"، لكنها كانت حرية منقوصه.
يقول القضاه "عندما طبعت ديوان "ما أشهى طعم الحرية" عمدت إلى عدم تضمينه أي شي اعتقدت أنه لن يجاز، يبرر ما قام به بقوله " النشر رغبة عند الشاعر.. ولا فائدة من طباعة شي لا يمكن إجازته".
يقول القضاه" يجب أن لا تأخذ أشعاري التي يمكن إجازتها بجريرة ما يمكن منعه، ويشرح موقفه بقوله " لن أفعل كمن لديه بنت كبيرة فاتها موعد الزواج، ويضع شرطاً على كل من يتقدم للزواج من بناته الأصغر بالانتظار إلى أن تتزوج الكبرى".











































