إسرائيل: آخر مظاهر التوسع الاستعماري الغربي
بغية فهم الوضع السائد في منطقة الشرق الأوسط بكل تعقيداته منذ قيام دولة إسرائيل، فمن الضروري تلخيص الموضوع ووضع الأمور في نصابها: دعونا نذهب إلى ما وراء الأحداث والدور الذي يمكن ان تلعبه الشخصيات. يؤكد المؤرخ الفرنسي الكبير، ومؤسس مدرسة الأناليس، فرناند بروديل، أن تاريخ الأحداث أو الوقائع يمكن مقارنته مع التقزح اللوني السطحي لمياه البحر، والذي لا يمثل سوى الظاهر، أي الجوانب التي تحدث بفعل الظواهر الطبيعية، دون أن يسمح لنا بتشكيل رؤية واسعة النطاق وبعيدة المدى. لذلك كان بروديل يوصي بالغوص في أعماق المياه الجيوتاريخية، بهدف التقاط الموجات الطويلة بدقة والتي كانت ترسم شكل العالم وتحدد تطور المجتمعات البشرية. وبالتالي فان ملخص القول حسب رأينا، هو انه لا الأحداث الحربية التي وقعت منذ عام 1948 ،ولا القدرة الخارقة أو " الإرادة الحديدية" لأبطالها تمثل المفتاح الذي يوصلنا لفك رموز ما يحدث في الشرق الأوسط، كما هي ليست نوبات نخبة حزب اليسار الصهيوني الذي يحكم إسرائيل، كذلك لم تكن التشكيلات السياسية التنظيمية التي تبناها الشعب الفلسطيني في نضاله ضد إسرائيل، سببا كافيا يساعد في توضيح ما يحدث على أرض الواقع.
هذه المنطقة من العالم المسماة فلسطين (والمناطق المحيطة بها) كانت في الماضي عرضة للغزو من قبل الأوروبيين، ففي الواقع سمع الجميع عن الحروب الصليبية التي جرت بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر والتجاوزات التي ارتكبت خلالها من قبل المسيحيين باسم الرب، فإذا نظرنا إلى الوراء، إلى تلك الحقبة، ستقشعر أبداننا لما سنجد، ليس فقط مما ارتكب من أعمال السلب و النهب والإبادة الجماعية على أفضل الأنماط الهتلرية، بل نجد أيضا ظاهرة أكل لحوم البشر في (حصار معرة النعمان). عم كان يبحث الصليبيون في نهاية المطاف؟ هل كانوا يحاولون حماية كنيسة القيامة بحسب ما أعلنت عنه السلطات السياسية والكنائسية في ذلك الوقت؟ في الواقع كان الخطاب الإيديولوجي الذي ارتكزت عليه حملة الصليبيين يخفي الدوافع الحقيقية، والتي كانت اقتصادية في المقام الأول. أما الهدف الإستراتيجي فلم يكن مطلقا، بالمناسبة، حماية المقدسات، إنما كان تحييد الشركات الإسلامية التي كانت تبسط سيطرتها على طرق التجارة الشرقية. وبعبارة أخرى، كانت الحروب الصليبية تمثل التعبير السياسي-الديني لحركة التوسع الديمغرافي والاقتصادي الذي بدأت بالظهور في ذلك الوقت في أوروبا وخاصة ابتداء من القرن الثاني عشر.
بيد أن نمط السلوك الأوروبي هذا استمر على ما هو عليه على مدى تاريخ أوروبا الطويل. ومذهب اللاتين الذي بدأ على يد الرومان، والأوربة القسرية والوحشية للسلافيين والايرلنديين وشعوب البلطيق برعاية مسيحية، والحملة الصليبية ضد الأتراك والعرب، واحتلال واستعمار أميركا وأسيا وأفريقيا كلها كانت تمثل معالم حاسمة في عملية التوسع الأوروبي انطلاقا من النواة اليونانية-الرومانية الأصلية. أما القوة الدافعة وراء هذه العملية فكانت الغريزة التي لم يتم التحدث عنها بالقدر نفسه في النظم الحضارية الأخرى. فالصين على سبيل المثال، على الرغم من أنها سبقت أوروبا بفترة طويلة ووصلت قبلها إلى مستوى عال من التنمية العلمية والتكنولوجية والثقافية لم تبد حاجتها يوما إلى توسيع دائرة سيطرتها ونفوذها، بل أنها عزلت نفسها ابتداء من القرن السادس عشر وبالتحديد في الوقت الذي انطلقت فيه أوروبا مستخدمة قاعدة الرأسمالية، التي كانت في طور التشكيل، لغزو العالم على الرغم من تحقيق الصين إنشاء أكبر أسطول بحري في العالم حتى تاريخه . ودليلا على ذلك حملتها نحو إفريقيا في عام 1405 بقيادة "زين هي"، الذي كان يمتلك 28000 رجل و62 سفينة كان يصل قياس بعضها إلى 400 قدم، ولكن هذا النوع من الحملات لم يستطع بسط السيادة الصينية على مناطق ما وراء البحار، وبعد ذلك أصبحت الصين أكثر انفصالا عن العالم الخارجي.
إن نمط التنمية الأوروبية هو نمط استثنائي بكل ما تعنيه الكلمة، وكما رأينا فإن الخطوة الأولى تتمثل في إتقان " الهمجية" الداخلية باستخدام أساليب عنيفة ثابتة والبدء بعد ذلك بحركة التوسع عالميا وإكمال أوربة العالم. وفرضيتنا هي أن العوامل التي شكلت رحم أوروبا البدائية من خلال التجانس المستند إلى المسيحية، الديانة المستوردة على نحو متناقض من أسيا، هي نفسها أيضا التي أثارت الحروب الصليبية، واستمرت تفعل فعلها خلال الغزوات التوسعية الأوروبية اللاحقة في مختلف المناطق. أما أخر مظاهر عملية التوسع والهيمنة هذه، فكان قيام إسرائيل كرأس جسر غربي لتراقب عن قرب منطقة ذات أهمية جيوإستراتيجية عالمية تكتنز احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وهي بقعة ذات قيمة رمزية عليا للبشرية جمعاء، حيث تحققت فيها قبل حوالي 8500 عام التجارب الأولى الحاسمة في مجال تدجين الحيوانات والنباتات (القمح، البزاليا، الزيتون، والنحل والماعز) والتي كانت سببا في نشوء ما يعرف اليوم بالحضارة.
وبالتالي، فإن النزعة التوسعية الأوروبية يجب أن لا تكون مستغربة لنا على الإطلاق. فأوروبا كانت في حالة حرب مع نفسها ومع الآخرين خلال الجزء الأكبر من تاريخ تطورها ككيان جغرافي سياسي، وهو النمط الذي طبع بلا شك المزاج الأوروبي ومزاج وليدتها المزعومة الولايات المتحدة. فالتوسعات المتعاقبة ضمن نطاق السيطرة الأوروبية والغربية بشكل عام، قد تحققت من خلال نفس
الوسائل المستخدمة منذ قرون. فالعلاقة بين التركيبة الأوروبية والتوسع الاستعماري واضح جدا. وعليه يبدو جليا الاستخدام الممنهج للعنف والإبادة الجماعية من قبل الأوربيين. أهي صدفة أم لا، أن تكون أوروبا من ناحية أخرى مهدا للرأسمالية، والعامل الرئيسي لأكبر الشرور التي تؤثر على العالم في الوقت الحاضر، ابتداء من التخلف إلى الاحتباس الحراري، رغم أننا لانستطيع الجزم بالمطلق بأن الرأسمالية كنظام مستند إلى الاجتهاد اللامحدود في العمل والإفراط في الربح، هي ظاهرة متأصلة في الطبيعة الأوروبية.
ابتداء من القرن السادس عشر بلغت الحركة التوسعية الأوروبية مستوى عاليا انعكاسيا: بدأت أوروبا بإنتاج نظريتها في التفوق الثقافي وتشويه سمعة الكيانات غير الأوروبية باعتبارها بدائية، لديها على الأغلب بعض المهارات الفنية، ولكنها أجناس محتقرة. فمثلا ترك كل من كانت وهيوم وهيغل وغيرهم دليلا مكتوبا على تعصبهم لقناعتهم الفوقية. توماس جيفرسون، الأب المؤسس للولايات المتحدة ومالك العبيد، كان يعتقد بأن البيض فقط هم من يمتلكون الجمال والعقل:" ليس المزج المتجانس بين الأحمر والأبيض، فقد يبدو التعبير عن العاطفة المفرطة أوالعادية بانتشار اللون الأحمر على وجه إنسان من العرق الأبيض، هو أفضل من الرتابة الأبدية التي تسود سيماء البيض، ومن النقاب الأسود غير المتحرك الذي يخفي كل المشاعر لدى العرق الآخر؟(...)لم أجد حتى الآن شخصا أسودا تلفظ بفكرة ما فوق مستوى السرد العادي " جيفرسون، ملاحظات على ولاية فرجينيا، 1781).
لحسن الحظ، أن هذه النظرة الفوقية وبعض الأمور الأخرى، تم تجاوزها من قبل جزء كبير من الغرب، بسبب تحرر الشعوب المكبوتة، وبرهنتها، ليس فقط، أنها ليست بأدنى من غيرها، بل أكدت أنها في النهاية ستصبح قوى المستقبل. في الواقع نحن ندخل اليوم في مرحلة انتقالية تمثل بداية النهاية لما يسمى بالغرب الذي سوف ينحدر ويتحول إلى جزء مضاف إلى الركام المهمل. إن هذا التطور أمر لا مفر منه، والأزمة الراهنة توضح هذا تماما. أما بالنسبة للمعقل الاستعماري الأخير على وجه هذا الكوكب وأعني دولة إسرائيل، فسيكون هذا التطور مؤلما لها بشكل خاص، نظرا لأنه ينطوي على خطر الاقتلاع، كما حدث في السابق للمستعمرة الأوروبية التي أقيمت في فلسطين خلال العصور الوسطى، والظرف الحالي هو لصالح إسرائيل وحلفائها، ولكن يجب علينا أن لا ننسى على حد تعبير بروديل بأن الأحداث السطحية خداعة وأن القصة الحقيقية تسير في المياه العميقة التي تنتقل من خلالها الموجات الطويلة الصامتة وغير المرئية....











































