أهالي ذوي إعاقة يحذرون من تداعيات وقف عقود الإيواء… والنواب يتحركون تشريعيا

الرابط المختصر

عبر عدد من أهالي الأشخاص ذوي الإعاقة عن قلقهم العميق من قرار وزارة التنمية الاجتماعية وقف عقود شراء الخدمات للمراكز الإيوائية المتخصصة، مؤكدين أن القرار يهدد استقرار أبنائهم ويضعهم أمام خيارات لا تتناسب مع قدراتهم المادية أو النفسية.

محمد العودات، والد أحد المستفيدين،  يقول في حديثه لـ "عمان نت"، إن ابنه البالغ من العمر 30 عاما يعاني من إعاقة عقلية شديدة، ولا يمكن لأية أسرة عادية التعامل معه في المنزل، مضيفا أبلغونا بالقرار في 30 تشرين الثاني الماضي، وأعطونا مهلة حتى شهر اذار المقبل لتسليم أبنائنا، دون أن يعرض علينا أي بدائل أو خطط دعم، ونحن بحاجة إلى مراكز متخصصة تقدم الرعاية المهنية.

ويضيف العودات أن الأسرة البديلة لن تستطيع التعامل مع حالتهم الخاصة، نحن لا نعارض دمج ذوي الإعاقة في المجتمع، لكن الحالات شديدة التعقيد تحتاج إلى إشراف متخصص ودائم، مناشدا العودات الحكومة والبرلمان والملك عبدالله الثاني بالتدخل لإعادة النظر في القرار، مؤكدا أن هذه قضية رأي عام، لا مسألة فردية.

أما نسرين علي، تقول عن أختها البالغة 45 عاما، والتي قضت نحو 20 سنة في مركز إيواء، إن نقلها إلى أسرة بديلة أو منزل غير مجهز سيكون له انعكاسات نفسية خطيرة، فهي معتادة على بيئة المركز وطاقمه المتمرس، موضحة أن الوزارة لم تجهز المجتمع لاستقبال مثل هذه الحالات، ولا يوجد أي بدائل عملية.

وتوضح نسرين أن القانون الذي صدر عام 2017 يفرض تهيئة المستفيدين للاندماج، لكن لا يوجد أي برنامج عملي أو لجان متابعة قبل اتخاذ القرار، مضيفة بأنه كيف يتوقع منا إيجاد أسرة بديلة لشخص تجاوز الأربعين من العمر ويعاني إعاقة عقلية شديدة، واصفة هذا الأمر بغير الواقعي.

أما عريب صبيح تقول إن شقيقها، البالغ من العمر 45 عاما والمستفيد منذ 15 سنة، لا يمكن نقله إلى أسرة بديلة مهما كانت مدربة، مضيفة بأنه حتى الأسر المدربة قد لا تتحمل حالته، وهناك مخاوف تتعلق بالسلامة والمراقبة، خصوصا مع وجود حساسية جنسية لدى بعض المستفيدين ، مقترحة أن يكون الحل في تطوير المراكز القائمة وتوفير موظفين مختصين من قبل الوزارة لمتابعة المستفيدين مباشرة، بدلا من دفعهم إلى بيئات غير مجهزة.

وخلال وقفة احتجاجية نفذت أمام مجلس النواب اليوم الأحد، قدم أهالي وأولياء أمور الأشخاص ذوي الإعاقة مذكرة احتجاج إلى رئيس مجلس النواب، أعربوا فيها عن رفضهم لقرار وقف عقود الإيواء، مطالبين بإعادة النظر فيه وإيجاد حلول تضمن استمرارية الرعاية وجودتها. 

كما طالبوا باستثناء المراكز الإيوائية القائمة حاليا من تطبيق الفقرة (د) من المادة (27) من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

ويشدد الأهالي على أن تطبيق فلسفة الدمج المجتمعي دون توفير بدائل واقعية وبيئة داعمة سيؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في عزل الأشخاص ذوي الإعاقة، وتفكك أسرهم، وتفاقم معاناتهم، بدلا من تحقيق الاندماج المنشود.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تحرك برلماني

من جانبه، يؤكد النائب صالح العرموطي، خلال لقائه أهالي الأشخاص ذوي الإعاقة المعتصمين أمام مجلس النواب، تفهمه الكامل لمخاوفهم، مشددا على أن تحركهم يعكس موقفا إنسانيا مشروعا يرتبط بحقوق فئة تحتاج إلى رعاية متخصصة ودائمة.

ويقول  العرموطي إن قرار وقف عقود شراء الخدمات مع مراكز الإيواء لا يمكن اعتباره عادلا، لعدم مراعاته البعد الإنساني والاجتماعي، لا سيما للأسر التي ترعى أشخاصا من ذوي الإعاقة الشديدة ويعيشون مع أمهات مسنات لا يمتلكن القدرة الجسدية أو النفسية على تقديم الرعاية.

ويوضح أن عددا من الأهالي تقدموا بمذكرات خطية وشكاوى موثقة، إلى جانب لقاءات مباشرة نقلت حجم المعاناة المتوقعة في حال تنفيذ القرار، مشيرا  إلى أن مجلس النواب في حال إصرار الحكومة على المضي بالقرار، باتخاذ مسار تشريعي بديل، من خلال إعداد مشروع قانون استنادا إلى المادة (95) من الدستور، وقد قدم رسميا وسيحال إلى اللجنة القانونية لدراسته تمهيدا لإقراره.

ويؤكد العرموطي أن أكثر من ثلاثين نائبا وقعوا على مشروع القانون، ضمن تحرك تقوده كتل معنية بحقوق الإنسان، مشددا على أن الإعاقات الشديدة تتطلب رعاية فنية متخصصة لا يمكن تحميلها لأسر بديلة غير قادرة على التعامل مع هذه الحالات، مشددا على أن الدستور يلزم الدولة بكفالة الطمأنينة للمواطنين، بما يشمل حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم.

 

 

موقف المجلس الأعلى ووزارة التنمية

 

في ظل الجدل المتصاعد حول قرار وزارة التنمية الاجتماعية التوجه نحو وقف عقود شراء الخدمات مع مراكز إيواء الأشخاص ذوي الإعاقة، تؤكد مديرة مديرية العيش المستقل في المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المهندسة رشا العدوان، أن المجلس يقف يدا بيد مع الوزارة لضمان انتقال آمن ومرن للمتأثرين، مع الالتزام الكامل بالقانون الوطني واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

وتوضح العدوان أن قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لسنة 2017، وبالأخص المادة 27، حدد برنامجا زمنيا يمتد لعشر سنوات لإغلاق جميع المراكز الإيوائية تدريجيا، بهدف حماية كرامة وحقوق الإنسان، على أن يكون الأردن خاليا من مراكز الإيواء بحلول 2027.

وقالت العدوان إن عملية دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في بدائل أسرية أو بيئات جماعية تتم وفق آليات دقيقة، تبدأ بتقييم شامل للفرد داخل المركز لتحديد نقاط القوة والضعف واحتياجاته الخاصة، مضيفة أن المجلس يشارك في هذه التقييمات لضمان أن يتم نقل الشخص وفق خطة مدروسة، وليس بشكل عشوائي.

وتشير إلى أن الأسر البديلة تخضع أيضا لتقييم صارم، يشمل مراجعة خبرتها السابقة، قدرتها على الرعاية، الجوانب الأمنية والاجتماعية، بالإضافة إلى التدريب المكثف قبل استلام أي شخص ذي إعاقة، مؤكدة أنه لا يمكن لأي أسرة أن تأخذ شخصا من ذوي الإعاقة بشكل تلقائي، وأن هناك معايير دقيقة وإجراءات متابعة قبلية وبعدية، وزيارات دورية من فرق متعددة التخصصات لتقديم الرعاية اللازمة، سواء كانت علاج طبيعي، نطقي، وظيفي أو غيرها.

وتؤكد أن هناك خطط طوارئ مخصصة للتعامل مع الحالات الطارئة، بحيث يكون هناك بديل أسري مدرب ومؤهل يمكن الاستعانة به في أي ظرف غير متوقع، مضيفة أن تجربة الدمج بدأت بالفعل في ثلاثة مراكز حكومية بنجاح نسبي، مع متابعة دورية لضمان سلامة المستفيدين.

وتوضح العدوان أن الأردن أصبح أول دولة في الشرق الأوسط تتخذ هذه الخطوة نحو إلغاء مراكز الإيواء، مؤكدة أن المجلس يضع في الاعتبار كافة معايير السلامة والمخاطر المحتملة قبل تنفيذ أي نقل، لضمان عدم تعرض أي شخص ذي إعاقة لأي أثر سلبي نفسي أو اجتماعي، مؤكدة بانه نحن ملتزمون بضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وسلامتهم، والتأكد من أن كل انتقال يتم وفق خطط مدروسة وآمنة، مع إشراف كامل من المجلس والوزارة.

 

 

من جهته، يرى مدير بدائل الإيواء وشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة في وزارة التنمية الاجتماعية الدكتور خليفة الشريدة، في تصريحات سابقة لـ "عمان نت"، أن القرار جزء من خطة وطنية بدأت منذ 2019 ومدتها عشر سنوات تهدف إلى تحويل الرعاية من نموذج الإيواء التقليدي إلى بدائل نهارية أو أسر بديلة مجهزة ومدربة.

ويؤكد أن الهدف ليس تخفيف العبء المالي، بل تحسين جودة حياة الأشخاص ذوي الإعاقة عبر بيئات أكثر شمولا ودعما.

ويشير الشريدة إلى أن أي انتقال من دور الإيواء لن يتم إلا بموافقة الأهل والوزارة والجهات القضائية، وضمن خطة انتقالية تضمن استمرار الرعاية والمتابعة العلاجية والتعليمية، بما في ذلك العلاج الطبيعي، والأجهزة المساندة، وبرامج التغذية المناسبة، مع توفير دعم مالي مستمر للأسر البديلة وزيارات إشرافية دورية.

خطة هذا العام ترتكز فقط على استبدال الرعاية الإيوائية لـ32 شخصا، وبين الشريدة أن 23 أسرة قدمت طلبات طوعية للمشاركة في البدائل، مؤكدا أنه لا يوجد إغلاق شامل للمراكز حاليا وأن التحول سيتم بشكل تدريجي حتى عام 2027 لضمان عدم ترك أي شخص ذي إعاقة دون رعاية.

يعد قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017 من التشريعات التي أقرت مبادئ واضحة تهدف إلى حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ودمجهم في المجتمع، بما يشمل إزالة الحواجز، ضمان تكافؤ الفرص، وتوفير ترتيبات تيسيرية للوصول إلى الخدمات والتعليم والعمل والحياة المجتمعية، دون تمييز. 

من أبرز نصوص القانون، عدم التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة في كافة مناحي الحياة، والدمج في المجتمع كجزء من التنوع البشري، ومنع إنشاء جهات إيوائية خاصة جديدة بعد نفاذ أحكام القانون، مع إلزام الجهات القائمة على تطبيق معايير الجودة وتقييم دوري ونظام إشرافي. 

كما ينص القانون على استراتيجية وطنية شاملة لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسات التعليم والعمل والخدمات الاجتماعية، تتضمن تنفيذها خلال مدة لا تتجاوز 10 سنوات من تاريخ النفاذ، وهو ما يتماشى من حيث المبدأ مع خطة وزارة التنمية الاجتماعية لإنهاء منظومة الإيواء التقليدية واستبدالها بخدمات نهارية وأسر بديلة.