تلفريك جبل القلعة.. طموح سياحي ومخاوف من المساس بهوية عمان القديمة

في قلب وسط البلد، حيث تحتضن المدرجات الرومانية والأسواق الشعبية والبيوت القديمة، بدأت أعمال التهيئة تمهيدا لتنفيذ مشروع تلفريك جبل القلعة، في خطوة تعيد رسم المشهد الحضري للمنطقة، وسط مخاوف ودعوات للحفاظ على هويتها التاريخية والأثرية.

وبدأت وزارة السياحة والآثار وأمانة عمان الكبرى تنفيذ أعمال التهيئة والتطوير في منطقة وسط البلد، ضمن الأعمال المرتبطة بالمشروع، الهادف إلى تعزيز الجذب السياحي، وتطوير البيئة الحضرية، وربط عدد من المواقع والمعالم السياحية في العاصمة.

وتؤكد الوزارة والأمانة أن المباني التي شملتها أعمال التهيئة والإزالة لا تصنف ضمن المباني التراثية أو الأثرية، وتقع خارج نطاق الأسواق التاريخية الرئيسة، مشددتين على أن الحفاظ على الموروث الأثري والمعماري وهوية وسط البلد يمثل محورا أساسيا في خطط التطوير.

وكان رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان قد أعلن البدء رسميا بتنفيذ مشروع تلفريك جبل القلعة، باعتباره أحد أبرز المشاريع السياحية في العاصمة، وذلك خلال جلسة لمجلس الوزراء عقدت في محافظة العاصمة، جرى خلالها استعراض عرض توضيحي للمشروع، مؤكدا أن الهدف يتمثل في إعادة الألق لوسط وشرق مدينة عمان، وتعزيز فرص العمل لأبناء المجتمع المحلي.

 

من موقع الحفريات لإنشاء التلفريك بالقرب من المدرج الروماني

 

مساران يربطان أبرز معالم عمان

وبحسب العرض التوضيحي الرسمي، ينفذ المشروع ويدار من خلال شركة رؤية عمان، الذراع الاستثماري لأمانة عمان، وبدعم من وزارة السياحة والآثار.

ويتضمن المشروع مسارين رئيسيين، يربط الأول جبل القلعة بمنطقة اللويبدة، فيما يربط الثاني جبل القلعة بالمدرج الروماني في وسط البلد، على أن يبدأ تشغيل التلفريك، وفق الخطة الزمنية المعلنة، بعد نحو 15 شهرا من بدء العمليات الإنشائية.

ويكتسب المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه في واحدة من أقدم مناطق العاصمة وأكثرها ارتباطا بتاريخها، فجبل القلعة يحتضن شواهد أثرية تعكس تعاقب حضارات عدة على عمان، فيما يمثل المدرج الروماني أحد أبرز معالم المدينة الرومانية، ويعد جبل اللويبدة اليوم من أبرز أحيائها ذات الطابع الثقافي والفني.

ويشير أستاذ الآثار في الجامعة الأردنية الدكتور نزار الطرشان في حديثه لـ "عمان نت"  إلى أن عمان مدينة تاريخية مهمة، تتميز بطبيعتها الجبلية وإحاطتها بالجبال من مختلف الاتجاهات، مما يجعل وسط المدينة حاضرا بصريا من نقاط مرتفعة متعددة.

ويضيف أن مشاريع التلفريك موجودة في دول عديدة حول العالم، كما أن الأردن لديه تجربة قائمة في عجلون، إلا أن خصوصية مشروع عمان تكمن في وجوده داخل مدينة تاريخية مأهولة، تضم مواقع أثرية وتراثية متداخلة مع النسيج الحضري الحديث.

وبحسب الطرشان، فإن المشروع يتصل بعدد من المواقع والمعالم الأثرية والتراثية في العاصمة، مما يمنحه فرصة لأن يكون أكثر من مجرد وسيلة نقل أو وسيلة ترفيه، إذا ما جرى توظيفه ضمن تجربة سياحية تعرف الزائر بتاريخ عمان وتنوعها الحضاري.

 

 

ورغم أهمية المشروع من الناحية السياحية، يؤكد الطرشان أن التحفظ لا يتعلق بفكرة التلفريك ذاتها، وإنما بطريقة تنفيذه داخل مدينة تضم طبقات أثرية مدفونة.

ويحذر من أن إنشاء الأبراج الحاملة للأسلاك والعربات يستوجب إجراء فحوص أثرية وجيولوجية وجيوتقنية دقيقة قبل البدء بأعمال الإنشاء، خصوصا في المناطق القريبة من المواقع الأثرية.

ويشير إلى أهمية تحديد طبيعة التربة والوصول إلى الصخر الطبيعي الذي يمكن أن تثبت عليه الأعمدة، داعيا إلى إجراء مسوحات جيوتقنية وأخذ عينات من أعماق مختلفة، للتأكد من عدم وجود كهوف أو جدران أو منشآت أو طبقات أثرية في المواقع المقترحة.

ويشدد على أن أي أعمال إنشائية في مدينة تاريخية من هذا النوع تحتاج إلى درجة عالية من الدقة، بحيث لا تؤدي متطلبات المشروع إلى الإضرار بالموروث الأثري الموجود تحت سطح الأرض.

 

التلفريك.. سياحة أم نقل مستدام؟

ولا يرى الطرشان أن القيمة المحتملة للتلفريك يجب أن تقتصر على الجانب السياحي، بل يمكن أن يمتد دوره إلى النقل المستدام، من خلال توفير وسيلة للتنقل بين عدد من المواقع وتقليل الاعتماد على المركبات والحافلات في المناطق المكتظة بوسط العاصمة.

ويعتقد أن نجاح المشروع في هذا الجانب يمكن أن يحقق فائدة مزدوجة، فمن جهة يعزز تجربة الزائر ويتيح الوصول إلى المواقع السياحية، ومن جهة أخرى يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط المروري داخل وسط عمان.

ويتقاطع ذلك مع الرؤية الاقتصادية للمشروع، إذ يرى الخبير الاقتصادي منير دية أن تلفريك عمان يمثل مشروعا سياحيا واقتصاديا مهما، من شأنه أن يشكل إضافة نوعية للعاصمة ويعزز قدرتها على جذب السياحة الداخلية والخارجية.

ويشير دية إلى أن عمان بحاجة إلى تنشيط مواقعها السياحية، معتبرا أن المشروع يمكن أن يحمل أبعادا اقتصادية مهمة، إلى جانب دوره في تطوير البنية السياحية وخفض الكلف المرتبطة بالقطاع، بما يعزز مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني.

ويؤكد أن التلفريك يمكن أن يعزز تنافسية عمان مقارنة بالوجهات السياحية في دول الجوار، وأن ينعكس إيجابا على القطاع السياحي والخدمي وعدد من القطاعات الاقتصادية المرتبطة به.

كما يشير إلى أن زيادة الحركة السياحية في وسط البلد يمكن أن تنعكس على التجار وأصحاب المحال والأسواق الشعبية، فضلا عن زيادة الإيرادات السياحية وتعزيز النشاط الاقتصادي في العاصمة.

ويحذر الطرشان من أن يتحول التلفريك، في حال لم تراع طبيعة المكان، إلى عنصر تشويه بصري بدلا من أن يكون عامل جذب، مؤكدا أن تصميم العربات والأبراج ومواقعها يجب أن ينسجم مع طبيعة عمان وحجارتها ومشهدها العمراني.

ويرى أن المدينة تتمتع أصلا بميزة طبيعية تتمثل في إمكانية مشاهدة وسطها من الجبال المحيطة بها، ولذلك فإن إدخال منشآت جديدة إلى هذا المشهد يتطلب دراسة دقيقة لأثرها البصري.

ويؤكد أن الأكاديميين ليسوا ضد المشروع بالمطلق، وإنما يتعاملون معه بحذر، انطلاقا من ضرورة المحافظة على الرؤية البصرية والهوية التاريخية لعمان، خصوصا أن وسط المدينة يضم مزيجا من المعالم الأثرية والتراثية والأسواق القديمة.

ويشدد على أن وسط عمان ليس مجرد مساحة عمرانية، بل منطقة تاريخية تقوم أجزاء منها فوق طبقات أثرية، ما يجعل الحفاظ على الأبعاد التراثية والأثرية والبصرية أولوية عند تنفيذ أي مشروع جديد.

ويشكل تلفريك عجلون تجربة قائمة في هذا المجال، ويربط بين قلعة عجلون ومنطقة اشتفينا في شمال المملكة، حيث يبلغ طول مسار تلفريك عجلون نحو 2.5 كيلومتر في الاتجاه الواحد، فيما تستغرق رحلة الذهاب والإياب قرابة 20 دقيقة، ويضم المشروع 40 كابينة، تتسع كل واحدة منها لثمانية ركاب.