العقبة نموذج للسياحة الدامجة وسط آمال بامتداد التجربة إلى مواقع أخرى

لم تعد إتاحة المواقع السياحية للأشخاص ذوي الإعاقة تقتصر على توفير ممر أو منحدر عند المدخل، بل باتت ترتبط بإمكانية خوض التجربة السياحية كاملة بصورة آمنة ومستقلة، بدءا من الوصول إلى الموقع والتنقل داخله، وصولا إلى استخدام مرافقه والاستفادة من خدماته والوصول إلى الشاطئ وممارسة الأنشطة المتاحة فيه.

ويؤكد أشخاص من ذوي الإعاقة أن تهيئة المواقع السياحية تمثل خطوة أساسية لتعزيز حقهم في السياحة والترفيه، مطالبين بتعميم معايير الإتاحة لتشمل مختلف المواقع السياحية في المملكة، وعدم حصرها في مشاريع محدودة.

ولا تقتصر سهولة الوصول، على البنية التحتية، وإنما تشمل مختلف تفاصيل التجربة السياحية، من المسارات ودورات المياه ووسائل الوصول إلى الشاطئ، إلى اللوحات الإرشادية وطرق التواصل والخدمات التي تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقات المختلفة.

ويأتي ذلك في إطار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017، وما يتضمنه من أحكام تتعلق بإتاحة البيئة والمرافق والخدمات العامة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يعزز مبدأ المساواة وحقهم في الوصول والمشاركة.

وتؤكد وزارة السياحة والآثار أن السياحة الدامجة تمثل جزءا من مفهوم السياحة المتاحة للجميع، وتسهم في تعزيز المساواة وجعل الوجهات السياحية أكثر ملاءمة لمختلف فئات المجتمع.

 


 

 

العقبة.. تجربة عملية للسياحة الدامجة

وفي هذا السياق، تبرز محمية العقبة البحرية كنموذج عملي لتطبيق مفهوم السياحة الدامجة، من خلال مشروع الشاطئ المهيأ والحديقة الدامجة، الذي يستهدف تعزيز إتاحة المرافق الطبيعية والسياحية أمام الأشخاص ذوي الإعاقة، ضمن توجه نحو ترسيخ مفهوم العقبة الدامجة.

وتقول المدير التنفيذي لشركة المرافق المهيأة للاستشارات «Accessible Jordan»حكم القسوس في حديثها لـ عمان نت، إن مشروع تهيئة محمية العقبة البحرية جاء بهدف توفير تجربة أكثر شمولا للأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرة إلى أن المشروع شكل تجربة نوعية في العقبة، وساهم في تعزيز النقاش حول إمكانية تهيئة المواقع السياحية والطبيعية لتكون متاحة للجميع.

وتوضح القسوس أن الشركة تواصلت مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة لتنفيذ أعمال التهيئة، مشيرة إلى أن السلطة أبدت تعاونا مع المشروع الذي يستهدف جعل الشاطئ مهيأ للأشخاص ذوي الإعاقة، ليشكل نموذجا يمكن الاستفادة منه في مواقع أخرى داخل الأردن والمنطقة.

وتشير إلى أن أعمال التهيئة راعت احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقات الحركية والسمعية والبصرية، ولم تقتصر على فئة واحدة، بهدف توفير تجربة متكاملة بدل تنفيذ تجهيزات منفصلة لكل نوع من الإعاقة.

ومن بين الأعمال المنفذة، تزويد اللوحات الإرشادية والمعلومات الموجودة في الموقع برموز الاستجابة السريعة، بما يتيح الوصول إلى محتوى بلغة الإشارة يشرح المعلومات المتعلقة بالمحمية ومساراتها ومرافقها، بما يعزز إمكانية استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من المعلومات المتاحة في الموقع.

كما شملت الأعمال تجهيز المسارات بما يتناسب مع احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية والحركية، إلى جانب إنشاء حديقة أطفال دامجة تتيح للأطفال، بمختلف قدراتهم، اللعب معًا في بيئة واحدة.

وشملت التهيئة كذلك تجهيز مرافق وخدمات، من بينها دورات مياه مناسبة، فيما يجري العمل على توفير غرف تبديل ملابس مهيأة بالكامل للأشخاص ذوي الإعاقة على الشاطئ.

 

 

 

الوصول إلى البحر

ولا تتوقف التهيئة عند حدود الشاطئ، إذ توضح القسوس أنه جرى توفير كراس مخصصة للنزول إلى المياه، بما يتيح للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية الوصول إلى البحر، إلى جانب كراس يمكن استخدامها على الشاطئ وتناسب أيضا كبار السن والأشخاص الذين لا يرغبون في النزول إلى المياه.

كما جرى تركيب ممرات ومفارش خاصة تمتد باتجاه البحر، مصممة من مواد تسمح بمرور الكراسي المتحركة بسهولة، بما يتيح للمستخدمين الوصول إلى منطقة السباحة بصورة أكثر أمانا واستقلالية.

وتؤكد القسوس أن فلسفة المشروع قامت على تهيئة المحمية بصورة شاملة لمختلف أنواع الإعاقات، بدل اعتماد حلول منفصلة لكل فئة، بما يضمن تجربة سياحية أكثر شمولًا.

من جانبه، يؤكد مفوض شؤون البيئة والسلامة العامة في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، الدكتور نضال العوران، أن أهمية المشروع تتجاوز تهيئة شاطئ وحديقة، لتكرس مفهوم أن محمية العقبة البحرية متاحة للجميع.

ويوضح أن الأعمال المنفذة شملت تجهيز المرافق الصحية، وإضافة رموز الاستجابة السريعة إلى اللوحات الإرشادية لإتاحة المحتوى بلغة الإشارة، إلى جانب توفير تجهيزات للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، ومسار مهيأ للكراسي المتحركة بطول 100 متر يمتد حتى منطقة السباحة، وكراسٍ متحركة عائمة مخصصة للاستخدام داخل المياه، وكرفان مجهز لتبديل الملابس.

وترى القسوس أن نجاح التجربة يمكن أن يشكل نموذجا لتطبيق مفهوم السياحة الدامجة في مواقع أخرى، معربة عن أملها في تنفيذ مشاريع مماثلة في مناطق سياحية، من بينها البحر الميتن موضحة أن مفهوم تهيئة الشواطئ والمواقع الطبيعية لم يكن واضحًا لدى بعض الجهات في بداية المشروع، إلا أن رؤية النتائج على أرض الواقع ساهمت في تعزيز القناعة بأهمية التهيئة والمطالبة بتطبيق التجربة في مواقع أخرى.

وتشدد على أن الهدف لا يقتصر على توفير مرافق مهيأة، وإنما تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية والاستمتاع بالمواقع السياحية والترفيهية، باعتبار ذلك حقًا لهم أسوة بباقي أفراد المجتمع.

ويشير العوران إلى أن المشروع يمثل بداية لمسار أوسع لترسيخ مفهوم العقبة الدامجة، بحيث تكون مرافق المدينة وخدماتها متاحة لمختلف أفراد المجتمع، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة والأطفال وكبار السن، مبينًا أن السلطة تعمل على توسيع المبادرات الدامجة في مختلف مناطق العقبة بالشراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.

 


 

البنية التحتية وحدها لا تكفي

ولا تقتصر متطلبات السياحة الدامجة، وفق القسوس، على البنية التحتية، إذ يجب أن تترافق مع رفع مستوى الوعي لدى العاملين في المواقع السياحية حول كيفية التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة.

وفي هذا الإطار، تشير إلى تنفيذ دورة تدريبية لـ28 شخصا من جهات مختلفة في العقبة، تناولت آداب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، والمصطلحات الصحيحة، وطرق التواصل وتقديم المساعدة.

كما جرى تنفيذ دراسة ميدانية وتدريب للعاملين في القطاع السياحي في العقبة، إلى جانب إشراك أشخاص من ذوي إعاقات مختلفة في تقييم واقع المرافق وتحديد أوجه النقص، بما يعزز مشاركة المستفيدين أنفسهم في تطوير الخدمات المقدمة لهم.

وفي موازاة تطوير المرافق، تؤكد القسوس أن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمؤسسات والمواطنين، مشيرة إلى تعرض بعض المرافق المهيأة في العقبة للتخريب، الأمر الذي استدعى تنفيذ أعمال صيانة وإصلاح متكررة.

وتدعو إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على هذه المرافق باعتبارها حقًا للجميع، لافتة إلى أن تنفيذ مشاريع التهيئة يتطلب موارد مالية، وأن مشروع الشاطئ المهيأ والحديقة الدامجة استفاد من دعم بنك الاتحاد ومجموعة المعاصرون.

وبينما تقدم محمية العقبة البحرية نموذجا عمليا لما يمكن أن تعنيه السياحة الدامجة على أرض الواقع، يبقى التحدي الأوسع في نقل التجربة من مشروع منفرد إلى نهج عام، بحيث لا يكون الوصول إلى المواقع السياحية امتيازا مرتبطا بمكان محدد، وإنما حقا متاحا للجميع في مختلف أنحاء المملكة.