في يوم العمال العالمي: بطالة مرتفعة وتحديات متزايدة في سوق العمل

يتزامن عيد العمال العالمي في الأول من أيار مع واقع ضاغط يعيشه سوق العمل في الأردن، في ظل مؤشرات تظهر استمرار فجوة واضحة بين أعداد الداخلين الجدد إلى السوق وفرص التشغيل المتاحة، إلى جانب تحديات تتعلق بجودة الوظائف وظروف العمل.

وتشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة بلغ نحو 21.2% خلال الربع الأخير من العام الماضي، وهو من بين الأعلى على مستوى المنطقة، مما يعكس تحديات تتجاوز مجرد نقص الوظائف إلى طبيعة السوق وقدرته على الاستيعاب.

لا تقتصر التحديات على عدد فرص العمل، بل تمتد إلى جودتها، تزامنا مع اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية، حيث تتداخل قضايا تدني الأجور وضعف الاستقرار الوظيفي مع محدودية بيئات العمل الآمنة في بعض القطاعات.

ووفق تقارير عمالية، يقدر حجم الاقتصاد غير المنظم بنحو 40% من إجمالي العاملين، ما يعني غياب الحماية الاجتماعية لشريحة واسعة من القوى العاملة.

مدير مركز "بيت العمال" حمادة أبو نجمة يوضح أن سوق العمل لا يزال متأثرا بتداعيات جائحة كورونا، إضافة إلى تأثيرات الأوضاع الإقليمية والعالمية، مما انعكس على وتيرة النمو الاقتصادي، مشيرا إلى أنه رغم تسجيل تحسن طفيف خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه بقي محدودا وغير قادر على توليد فرص عمل كافية. 

وفق بيانات صادرة عن البنك المركزي الأردني، يواصل تسجيل نمو معتدل رغم التحديات الإقليمية والمالية، حيث توقع أن يبلغ معدل النمو 2.6% خلال العام الحالي 2025، على أن يرتفع إلى 2.7% في العام المقبل 2026.

ويشير أبو نجمة إلى أن عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل يقدر بنحو 130 ألف شخص سنويا، في حين لا يستوعب السوق سوى نحو 95 ألف فرصة، مقارنة بحوالي 45 ألف فرصة قبل الجائحة، وهو تحسن عددي لكنه غير كاف لخفض البطالة التي تقارب 21%.

ويشير أبو نجمة إلى أن هذه الأرقام تخفي وراءها فجوة أعمق، إذ يوجد رصيد متراكم من الباحثين عن عمل يُقدّر بنحو 420 ألف شخص، ما يجعل تقليص البطالة عملية بطيئة، كما أن نسبة البطالة المعلنة لا تعكس الصورة الكاملة، لعدم احتساب فئات توقفت عن البحث عن عمل، خصوصا من النساء اللواتي تحول ظروفهن الاجتماعية دون الانخراط في السوق.

 

 

فجوة التعليم وسوق العمل

تؤكد الاستراتيجية الوطنية للتشغيل 2021–2025 الصادرة عن الحكومة أن البطالة بين الشباب تتجاوز 45%، خاصة للفئة العمرية دون 24 عاما، مما يعكس فجوة عميقة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق. 

ويعزز ذلك ما يشير إليه أبو نجمة حول توجه أكثر من 75% من الطالبات نحو تخصصات تقليدية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مهارات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

كما تظهر بيانات وزارة التعليم العالي ارتفاع أعداد خريجي التخصصات الإنسانية والتربوية مقارنة بالتخصصات التقنية، مما يخلق فائضا في بعض المهن مقابل نقص في أخرى. 

وتؤكد الحكومة في أكثر من مناسبة، على لسان مسؤوليها، أهمية التوسع في التعليم التقني والمهني، حيث أعلنت وزارة العمل عن برامج تدريب مهني تستهدف آلاف الشباب سنويا لردم هذه الفجوة.

وفي هذا السياق، يبرز تحدي مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، بحسب أبو نجمة الذي يشير إلى توجه واسع نحو تخصصات تقليدية، خاصة بين الإناث، حيث تتركز نسبة كبيرة منهن في مجالات محدودة الطلب أو منخفضة الأجور، مثل التعليم وبعض التخصصات الإدارية، معتبرا هذا الاختلال يؤدي إلى فائض في العرض وضغط على الأجور، مما يستدعي إعادة توجيه بوصلة التعليم نحو مجالات حديثة كالتكنولوجيا والطاقة والرقمنة، بما يتماشى مع التحولات العالمية.

وعلى صعيد بيئة العمل، يشير تقرير "بيت العمال" إلى أن ضعف الأجور وغياب الحمايات يدفعان الأردنيين للعزوف عن بعض القطاعات، وهو ما تؤكده أرقام رسمية تظهر تقارب أعداد العمالة الوافدة مع الأردنيين في بعض الأنشطة الاقتصادية.

وكانت الحكومة قد شددت مرارا على ضرورة تنظيم سوق العمل والحد من العمالة غير المنظمة، من خلال حملات تفتيش وتشديد الرقابة.

من جانب آخر، تكشف المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي عن توسع نسبي في قاعدة المشتركين، حيث تجاوز عددهم 1.655 مليون مؤمن عليه، وفق ما أكده الناطق الإعلامي شامان المجالي، إلا أن هذا الرقم لا يشمل العاملين في القطاع غير المنظم، ما يحد من شمولية الحماية الاجتماعية. 

ويشير المجالي إلى جهود تفتيشية مكثفة لضم غير المشتركين، داعيا العمال إلى الإبلاغ عن حالات التهرب التأميني، مع ضمان سرية الشكاوى.

 

 

 

وفي محاولة لمواكبة التحولات في سوق العمل، خاصة العمل الحر والعمل عبر المنصات، يؤكد شامان أن  المؤسسة قامت بتعديل نظام الشمول ليتيح الاشتراك بمرونة أكبر، من خلال شرائح دخل متفاوتة تخفف العبء المالي على العاملين لحسابهم الخاص، وتشمل هذه التسهيلات فئات متعددة، مع توجه لتوسيعها لتشمل العاملين عبر التطبيقات الذكية، بالتنسيق مع الجهات المعنية.

أما على صعيد السلامة والصحة المهنية، فيشير أبو نجمة إلى أن الأردن يمتلك إطارا تشريعيا متقدما نسبيا، إلا أن التحدي يكمن في التطبيق، فما تزال إصابات العمل مرتفعة في بعض القطاعات، مثل الزراعة والإنشاءات، في ظل ضعف الالتزام بإجراءات السلامة، وأحياناً التهرب من تطبيقها بسبب الكلفة.

ويبرز هنا تحدي ضعف التفتيش، حيث لا يتجاوز عدد مفتشي العمل 150 مفتشا لمراقبة مئات آلاف المنشآت، ما يستدعي تعزيز أدوات الرقابة، سواء بزيادة الكوادر أو باستخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل التفتيش عن بعد وتفعيل الرقابة الذاتية داخل المؤسسات.

كما يلفت تقرير " بيت العمال" إلى أن أنماط العمل الحديثة، كالتوظيف عبر المنصات والعمل عن بعد، لا تزال خارج الأطر القانونية الناظمة، مما يحرم العاملين فيها من الحماية الاجتماعية. 

ويؤكد أبو نجمة أن المخاطر المهنية لم تعد تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تشمل أيضا الضغوط النفسية والاجتماعية، وهو ما يتطلب توسيع مفهوم السلامة المهنية ليشمل هذه الجوانب.

يشير المجالي إلى قرب الإعلان عن بيانات تفصيلية حول إصابات العمل، إلى جانب تنظيم مبادرات لتكريم المنشآت الملتزمة بمعايير السلامة، في خطوة تهدف إلى تعزيز ثقافة الوقاية.

منظمة العمل الدولية تبين في تقرير لها بمناسبة اليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية، أن المخاطر المهنية لم تعد تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تشمل أيضا الضغوط النفسية والاجتماعية، خصوصا مع انتشار أنماط العمل الحديثة، وهو ما يتطلب، بحسب خبراء، تحديث التشريعات لتشمل العمل عن بعد والعمل عبر المنصات.