في يومها العالمي.. الإذاعة صوت لا يشيخ.. من "هنا عمان" وما زال الصدى مستمرا

الرابط المختصر

"إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية من عمان تقدم"، هذه العبارة الشهيرة لا تزال حاضرة في ذاكرة الأردنيين، حيث كانت تتردد في البدايات كإعلان رسمي، وكأنها جملة تفتح نافذة يومية على الحدث، وعلى أخبار البلاد وقصص الناس.

إستمع الآن

وتحتل الإذاعة الأردنية مكانة بارزة كإحدى أقدم المؤسسات الإعلامية في المملكة، منذ انطلاقتها كصوت رسمي للأردن ومنبره الوطني، ناقلة الأخبار ومواكبة لقضايا المجتمع.

يصادف غدا الجمعة في الثالث عشر من شهر شباط اليوم العالمي للإذاعة، هذه الوسيلة الإعلامية التي، رغم التحولات الرقمية المتسارعة، لا تزال تحتفظ بحضورها وتأثيرها، فهي الأقرب إلى الناس، تنقل أصواتهم وقضاياهم وهمومهم اليومية، وتبقى منصة للتفاعل المباشر مع المجتمع.

وفي قلب هذه المسيرة الطويلة، نجد قصة منى الشوابكة، الإعلامية والمذيعة ورئيسة قسم الإعداد والتقديم في البرنامج العام، التي انطلقت من أبواب الإذاعة الأردنية عام 1995 قبل نحو 30 عاما، مؤكدة أن الحب للعمل والشغف هما السر وراء الإبداع والاستمرارية.

تقول الشوابكة في حديثها لـ "عمان نت"، "ذكرت كلمة الشغف، وأنا دائما بحكيها، إذا لم تقبل على أي عمل بهذا الشغف والحب، فلن تبدع ولن تصل الرسالة التي تحملها بين يديك عبر هذا الميكروفون."

خلال مسيرتها، قدمت الشوابكة أكثر من 300 برنامج إذاعي، تراوحت بين النشرات الإخبارية والبرامج الثقافية والاجتماعية، مؤكدة أن الإعداد الجيد والبحث المستفيض هما المفتاح لتقديم محتوى يترك أثرا في المستمع، كما ركزت على أهمية دور الإعلام في نقل الرسائل الوطنية والثقافية، وتعزيز الهوية والانتماء.

وتؤكد الشوابكة أن الرسالة هي الأساس، وأن المذيع ليس مجرد قارئ لنص، بل حامل لفكرة، ومؤثر في وعي المستمع "كل يوم بتحضرني فكرة، واللي يحب المايك ما بيتركها، حتى لو خرجت من الإذاعة، الرسالة لازم توصل."

وتضيف بأنه "إذا لم تحب عملك، لن يكون لديك إبداع، ولن تكون هناك استمرارية. كل برنامج هو رسالة، يجب أن تصل بأفضل صورة لكل مستمع."

وتتوقف الشوابكة عند التحولات التقنية التي شهدها العمل الإذاعي، من استخدام أجهزة التسجيل القديمة والجرامافون، إلى الاستوديوهات الحديثة والتقنيات الرقمية، مع الحفاظ على المصداقية والمهنية العالية، موضحة أن التطور الرقمي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، ليس منافسا للإذاعة، بل شريك يساعد على توسيع نطاق الرسائل والوصول إلى جمهور أكبر.

"حتى اليوم، تبقى الإذاعة الأقرب للمستمعين، ترافقهم في سياراتهم وفي بيوتهم، وتحافظ على خصوصيتها، وتتيح تقديم الرسائل الوطنية والثقافية بشكل مباشر"، تؤكد الشوابكة.

 

 

من عمان إلى الجنوب

ومن الجنوب، تأتي تجربة مي القطامين، رئيسة قسم التواصل الاجتماعي المجتمعي ومسؤولة إذاعة صوت العقبة، التي تربط قصتها بالهوية الوطنية منذ أول لقاء لها مع الإذاعة الأردنية عام 1991، حين كانت طالبة، حيث كانت طالبة في المدرسة وتم اختيارها للتواصل مع الإذاعة الأردنية. وتشير إلى أن أول لقاء لها مع الإذاعة كان تجربة صعبة لكنها محفزة، مؤكدة أن الصوت الإذاعي يحمل مسؤولية كبيرة" صوتك أمانة يجب أن تصل لكل بيت ولكل إنسان يسمعك، وهذه المسؤولية تجعل الشغف أساس العمل".

وترى القطامين أن التحديات الرقمية لم تعد منافسة، بل شريك "اليوم البث الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي هي أدوات تساعدنا على توسيع مساحة الوصول، مع الحفاظ على خصوصية الإذاعة وقربها من القلب."

كما أبرزت دور الإذاعات المحلية في تعزيز الهوية المجتمعية والوطنية، من خلال البرامج الثقافية والتوعوية، واستضافة المسؤولين لفتح حوار مباشر مع المواطنين، وتسليط الضوء على الإنجازات المحلية والتنموية.

"الإذاعة المحلية هي مرآة المجتمع وصوته، وهدفنا التركيز على القضايا البيئية والاجتماعية"، تقول القطامين، مشيرة إلى أهمية تمكين الشباب في هذا المجال وإكسابهم الخبرات اللازمة لتقديم محتوى مؤثر.

 

 

الإذاعة الأردنية.. صوت بدأ من القدس ثم استقر في عمان

وتعد الإذاعة الأردنية واحدة من أقدم المؤسسات الإعلامية في المملكة، إذ بدأ البث الإذاعي الرسمي في الأردن عام 1948 من مدينة رام الله تحت اسم "إذاعة القدس"، قبل أن تتحول لاحقاً إلى إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية في القدس.

وفي عام 1950، ومع توحيد الضفتين، توسعت الخدمة الإذاعية رسميا، ثم شهد عام 1956 إنشاء إذاعة رسمية في عمّان انطلاقا من مبنى صغير في جبل الحسين، قبل أن تنتقل إلى مقرها الحالي في أم الحيران عام 1959، لتصبح منصة رسمية تعبّر عن الدولة الأردنية وترافق مجتمعها.

رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي، وتزايد حضور المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما تزال الإذاعة تحافظ على حضورها كوسيلة قادرة على الوصول إلى الجمهور ومواكبة تفاصيل حياته اليومية.

في ظل الواقع الإعلامي المتغير، تبرز الإذاعة كوسيلة مستمرة وحاضرة في حياة الجمهور، رغم التحولات الرقمية السريعة وظهور منصات الإعلام الحديثة. فهي لم تعد مجرد أداة للبث، بل أصبحت منصة للتفاعل والمشاركة، تجمع بين المسؤولية الإعلامية والقرب من الناس، وتستمر في جذب طلاب الإعلام الباحثين عن مسار مهني واضح ومستدام. 

ويوضح عميد كلية الإعلام في جامعة الزرقاء، الدكتور أمجد الصفوري في حديثه لـ "عمان نت"، الدور الأكاديمي والإعلامي للإذاعة ضمن منظومة الإعلام، ويقول "إذا كنا سنتحدث عن الإذاعة اليوم، فلا يمكننا الحديث عن وسائل الإعلام بمعزل عن التطورات الرقمية والتقنيات الحديثة، لكن الإذاعة تحتفظ بمكانتها بسبب أهمية الكلمة، وصوت المذيع الذي يوصل رسالة المواطن يوميا، سواء في السيارة، أو في المكتب، أو عبر منصات التواصل الاجتماعي." 

ويشير الدكتور الصفوري إلى أن الإذاعة لم تعد مجرد بث أحادي الاتجاه، فالآن نرى تفاعلا مباشرا، حيث يناقش المستمعون القضايا اليومية، ويطرحون همومهم ومشاكلهم، وتعمل الإذاعة على إيجاد حلول لها، مما يجعل لها أثرا ملموسا في حياة الناس."

ويضيف بأنه رغم التطورات التقنية، تبقى للكلمة رونق خاص، سواء في الصباح أو المساء، والقضايا التي تناقشها الإذاعة لها تأثير مباشر، حتى على المؤسسات والشركات، حيث يناقش أي موضوع يتعلق بها بشكل فوري وفاعل.

 

 

الإذاعة ما تزال تجذب طلبة الإعلام

وعن دور الإذاعة في جذب الطلاب، يقول الدكتور الصفوري، حتى في ظل التطورات الحديثة، ما زالت الإذاعة تجذب طلاب الإعلام، لأنها تمنحهم مساحة عملية للتدريب والتفاعل، خصوصا لمن يشعرون برهبة الكاميرا، ففي الإذاعة، الصوت والكلمة يمكن أن يكونا وسيلة قوية للتعبير، والحوار والمناقشة أوسع مقارنة بوسائل الإعلام الأخرى.

حول المهارات الأساسية للإعلامي الإذاعي، يشير الدكتور الصفوري إلى نقطتين أساسيتين، الثقافة والاطلاع المستمر على الأحداث والقضايا، والوعي القانوني والأخلاقي، مشددا على أن المذيع يجب أن يكون على اطلاع دائم، ليتمكن من مناقشة القضايا بشكل صحيح، وأن يكون واعيا بالقوانين وأخلاقيات المهنة، لأن الكلمة إذا خرجت فهي لا تعود، وأثرها يكون مباشرا على الجمهور، مضيفا ان مهارات الحوار، إدارة الضيف، إيصال المعلومة بدقة، كلها عناصر أساسية لشخصية الإعلامي والصحفي، فهي تكاملية لتقديم محتوى إعلامي مميز وموثوق.

وعن مستقبل الإذاعة في ظل الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، يرى الدكتور الصفوري أن الإذاعة ستستمر، فالمؤسسات القائمة على محتوى هادف ومميز ستظل حاضرة، والجمهور الأردني واع ويعرف مصادر المعلومات الصحيحة، ويمكنه التمييز بين الحقائق والمعلومات المزيفة، التوسع في البث عبر وسائل التواصل الاجتماعي أعطى الإذاعة دفعة جديدة، وجعلها أكثر تفاعلا مع الجمهور.

ويؤكد أن التخصص أصبح عنصرا مهما للإذاعات، فاليوم نرى برامج صباحية تناقش القضايا المجتمعية وقضايا الوطن، وأخرى موجهة للمرأة، للشباب، للقضايا الدينية والسياسية، هذا التنوع والتخصص هو ما تحتاجه الإذاعات اليوم، ويضمن استمرارها في تقديم محتوى دقيق ومؤثر. 

بحسب بيانات هيئة الإعلام الأخيرة، يبلغ عدد الإذاعات المرخصة في الأردن نحو 40 محطة إذاعية، تشمل الإذاعات العامة والخاصة والجامعية، إضافة إلى محطات متخصصة في برامج الشباب والثقافة والموسيقى والتنمية.

ويضم هذا العدد أيضا إذاعات رسمية مثل إذاعة الجيش الأردني، التي بدأت عملها منذ أواخر التسعينيات، وتركز على تعزيز الهوية الوطنية ورسائل القوات المسلحة.

ومع التحولات في القطاع الإعلامي، ظهرت في الأردن تجارب إذاعية مجتمعية تسعى لخلق مساحة أوسع لصوت الناس، أبرزها راديو البلد الذي بدأ كأول إذاعة مجتمعية عبر الإنترنت عام 2000، ثم حصل على ترخيص للبث عبر FM في عمان عام 2005.

كما يعد راديو اليرموك في إربد أول إذاعة جامعية في الأردن، حيث تأسس عام 2006 ضمن جامعة اليرموك، ويعتمد على مشاركة طلبة الإعلام في إعداد وتقديم البرامج.