عمالة الأطفال الرقمية في الأردن: العمل خلف الشاشات بلا حماية قانونية

مراهقون يدخلون سوق العمل عبر المنصات الرقمية وسط فراغ تشريعي ومخاوف تربوية ونفسية متصاعدة

 في غرفة مضاءة بضوء الشاشة، يعد مراهق لم يبلغ الثامنة عشرة كاميرته لتصوير إعلان تجاري لصالح شركة محلية، المقابل المادي متفق عليه عبر رسائل خاصة، دون عقد مكتوب يحمي حقوقه، ولا رقم ضمان اجتماعي، أو أي جهة رسمية توثق هذه العلاقة المهنية، وإذا تأخر الدفع أو نشأ خلاف، فلن يجد هذا المراهق مرجعية قانونية تحمي حقه، لأن هذه العلاقة، بالنسبة للقانون، تكاد لا تكون موجودة أصلا.

هذا المشهد لم يعد استثناء، مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي ونمو اقتصاد المحتوى الرقمي، في ظل دخول عدد من الأطفال  والمراهقين إلى سوق عمل جديد خلف الشاشات، بعضهم بدافع الموهبة والطموح، وآخرون تحت ضغط الحاجة الاقتصادية أو الرغبة في تحقيق دخل مبكر.

لا يمكن فهم هذه الإشكالية بمعزل عن السياق الرقمي الذي تشير إلية بيانات وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لعام 2024 إلى حجم التحول الرقمي الذي يشهده الأردن، حيث بلغت نسبة الأسر التي يتوفر لديها الإنترنت في المنازل 96.5%، فيما تجاوزت النسبة في العاصمة عمّان 98%.

كما ارتفعت نسبة مستخدمي الإنترنت إلى 95.6% من السكان، متجاوزة المتوسطين العالمي والعربي، في وقت يستخدم فيه 94.8% من الأفراد الإنترنت بشكل يومي.

وتظهر البيانات كذلك ارتفاع نسبة الأسر المالكة لأجهزة الحاسوب إلى 42.4%، إلى جانب تنامي المهارات الرقمية بين المستخدمين، في مؤشر واضح على أن الفضاء الرقمي بات جزءا أساسيا من الحياة اليومية والاقتصادية في المملكة.

وبحسب تقرير "DataReportal Jordan 2024"، يوجد في الأردن أكثر من عشرة ملايين مستخدم للإنترنت، ونحو 6.38 مليون مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي، مما جعل هذه المنصات مساحة مفتوحة للعمل والإنتاج، لا للاستهلاك والترفيه فقط.

داخل هذا الفضاء الرقمي، لا يدخل الأطفال والمراهقون كمستخدمين فحسب، بل كصناع محتوى، ومسوقين، ومبرمجين، ومصممين، يعملون في سوق مواز خفي يفتقر إلى إطار قانوني ينظمه أو يحميهم.

 

 

أحمد.. من فضول المراهق إلى التزامات المحترف

يروي أحمد، اسم مستعار بناء على طلب عائلته، وهو طالب توجيهي يبلغ من العمر 17 عاما، كيف انطلقت قصته من شغف بسيط بالتصوير في مرحلة الصف العاشر حين كان عمره لا يتجاوز الـ 15، حيث بدأ بالمشاريع المدرسية وتصوير المناسبات العائلية، فاكتشف موهبته وصقلها، ليجد نفسه بعد أقل من عامين يبرم اتفاقيات مع جهات تجارية وينتج محتوى احترافيا، ويقول "بلشت أبعث لشركات وأحكيلهم إني حاب أجي أجرب عندهم، مش بالضرورة شغل مدفوع، بس عشان أتعلم".

هذه الخطوة الجريئة فتحت أمامه أبوابا لشركات أكبر على حد وصفه، وبمرور الوقت، بدأت الشركات تتواصل معه لإنتاج فيديوهات دعائية لمطاعم ومعارض سيارات ومشاريع تجارية متنوعة، مؤكدا أن أول مبلغ حصل عليه مقابل عمله كان في مجال التصميم، قبل أن يتحول لاحقا إلى التصوير وصناعة الفيديو بشكل احترافي.

لكن ما يلفت الانتباه في حديث أحمد ليس نجاحه المبكر وحده، بل وعيه بثقل حجم الالتزامات  التي بات يتحملها في هذا العمر المبكر، ويقول "حتى لما حدا يحكيلي أوقف شغل وأركز بس على الدراسة، بحس إنه صعب لأنه عندي التزامات مع زبائن، سواء أسبوعية أو شهرية".

هذه الالتزامات، وفق مختصين، تنقل النشاط من مجرد هواية إلى مساحة أقرب للعمل الفعلي، خصوصا مع وجود مواعيد تسليم وضغط إنتاج وعلاقات مالية مستمرة.

ورغم ذلك، لا يتمتع أحمد بأي حقوق عمالية أو حماية قانونية، لأنه يعمل بشكل حر ومن داخل المنزل، دون وجود علاقة تشغيل تقليدية يمكن للقانون التعامل معها، وفقا لخبراء في الشأن العمالي.

 

هلا .. من دوسية مدرسية إلى مشاريع تقنية

هلا الطحاينة، البالغة من العمر 17 عاما وطالبة توجيهي في تخصص  تكنولوجيا المعلومات، أيضا تخوض تجربة مشابهة ولكن في المجال التقني، حين لاحظت صعوبة لدى زميلاتها في فهم لغات البرمجة، فأعدت بنفسها دوسية تعليمية تضمنت شروحات ومشاريع تطبيقية، وبدأت ببيعها للطالبات مقابل مبالغ بسيطة، دينار ونصف أو دينارين.

لم تتوقف هلا عند ذلك، حيث تحولت المبادرة الصغيرة إلى فرص عمل فعلية، بعد مشاركتها في مسابقات تقنية ودورات تدريبية، لتتلقى عروضا من مدارس ومؤسسات لتنفيذ مشاريع تعليمية رقمية، وقد صممت لعبة تفاعلية تعليمية لتدريس الرياضيات، تولت فيها كتابة المحتوى والتصميم والبرمجة بالكامل، كما تعمل حاليا ضمن فريق مدرسي على مشروع تقني يحمل اسم “Glovely”، وهو عبارة عن قفاز ذكي متصل بلعبة إلكترونية مخصصة للعلاج الطبيعي.

هلا شأنها شأن أحمد، تؤكد أن جميع الاتفاقيات التي عملت بموجبها كانت شفهية، دون عقود رسمية أو حماية قانونية من أي نوع.

 وتروي أنها اضطرت في إحدى المرات إلى تأجيل تسليم مشروع بأكمله إلى حين الاتفاق الصريح على الأجر وموعد الدفع، بعد تأخر الجهة المتعاقدة في حسم التفاصيل المالية. 

وتقول "تعلمت من هذه التجربة ضرورة توثيق الاتفاقيات بعقود رسمية، خصوصا مع المشاريع الجديدة الكثير من الطلبة يفتقرون إلى معرفة حقوقهم وآليات حماية أنفسهم قانونيا".

وترى هلا أن خوض التجارب المهنية في سن مبكرة يمنح الشباب رؤية أوضح لمساراتهم المستقبلية، وخبرة عملية حقيقية في إدارة الوقت والتعامل مع الناس، مؤكدة أن الدراسة وحدها لا تكفي دائما لبناء المستقبل.

 

 

حين يصمت القانون

لم تعد عمالة الأطفال محصورة في الورش أو في القطاع الزراعي في السنوات الأخيرة، انتقلت أشكال جديدة من العمل إلى خلف الشاشات، حيث يقضي أطفال ساعات طويلة على الهواتف والحواسيب، في أنشطة قد تبدو للوهلة الأولى تعليمية أو إبداعية، لكنها في بعض الحالات تخفي أنماطا جديدة من الاستغلال الاقتصادي غير المرئي.

في الأردن، لا تتوفر إحصاءات رسمية حول ما يعرف بعمالة الأطفال الرقمية، ولا يرد هذا المصطلح صراحة في التشريعات الناظمة لسوق العمل.

حالة أحمد وهلا،  بحسب رئيسة قسم تفتيش الحد من عمل الأطفال في وزارة العمل المهندسة هيفاء درويش أن هذه الحالات لا تندرج تحت تعريف عمالة الأطفال في قانون العمل المعمول به، لأن القانون يشترط توافر ثلاثة عناصر رئيسية، وهي وجود أجر، وتبعية، وإشراف من صاحب عمل. 

وتضيف درويش أن الأطفال الذين يديرون صفحات إلكترونية أو مشاريع شخصية عبر الإنترنت بإشراف أسرهم لا تنطبق عليهم أحكام قانون العمل بصيغته الحالية، لأنهم لا يعملون لدى صاحب عمل محدد أو داخل منشأة قائمة يمكن للوزارة التفتيش عليها أو اتخاذ إجراءات قانونية بحقها.

وتؤكد أن هذه الحالات تندرج ضمن إطار الحماية وليس ضمن إطار التفتيش العمالي، مما يجعل التعامل معها مرتبطا بقوانين أخرى مثل قانون الأحداث، وقانون حقوق الطفل، وقانون الجرائم الإلكترونية، إضافة إلى أدوار جهات مختلفة مثل وزارة التنمية الاجتماعية وإدارة حماية الأسرة والأمن العام.

وتشير إلى  أن التطورات التكنولوجية وأنماط العمل الحديثة تستدعي بالضرورة تطوير التشريعات بما يواكب هذه المتغيرات، موضحة أن التشريعات العمالية شهدت سابقا تعديلات لاستيعاب أنماط عمل جديدة مثل العمل عن بعد والعمل المرن والعمل لبعض الوقت، وبالتالي فإن أي تطورات مستقبلية قد تتطلب مراجعات قانونية جديدة.

ينص قانون العمل الأردني في مادته 73 على حظر تشغيل من لم يكمل السادسة عشرة بأي صورة، فيما تمنع المادة 74 تشغيل من هم دون الثامنة عشرة في الأعمال الخطرة أو المرهقة أو المضرة بالصحة.

 

 

فراغ تشريعي

بحسب خبراء قانونيين، فإن غياب النص الصريح لا يعني بالضرورة غياب الانتهاك، إذ يعد العمل الرقمي للأطفال منطقة رمادية تشريعيا، تسمح بحدوث أشكال جديدة من الاستغلال غير المرئي، لا تخضع للرقابة أو التفتيش، ولا توفر أي حماية قانونية أو اجتماعية للأطفال العاملين خلف الشاشات.

هذا الفراغ التشريعي يؤكده المحامي المختص بالقضايا العمالية الأستاذ الدكتور عبدالجواد النتشة، موضحا أن الأنشطة الرقمية التي يمارسها الأطفال والمراهقون عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل التسويق الإلكتروني أو إدارة الصفحات التجارية أو تقديم خدمات رقمية، لا تصنف قانونيا ضمن عمالة الأطفال وفق مفهوم قانون العمل ، لأن الطفل أو الحدث يكون هو صاحب المشروع نفسه ويعمل لحسابه الخاص، وبالتالي لا يوجد صاحب عمل يمكن مساءلته قانونيا أو مخالفته.

ويشير النتشة إلى أن مفتشي العمل لا يملكون صلاحية التدخل في هذه الحالات، لأن النشاط يتم داخل بيئة رقمية وليس ضمن منشآت أو أماكن عمل تقليدية، تقع تحت رقابتهم.

وبينما يرى بعض الأهالي في هذا النشاط وسيلة إيجابية لتعليم الأبناء الاعتماد على النفس وتنمية شخصياتهم، يحذر النتشة من مخاطر التعرض للابتزاز والعنف الإلكتروني والاستغلال بأشكاله المتعددة، مما يستوجب رقابة أسرية حقيقية وجهات رقابية تتابع هذا النوع من النشاط.

ويعتبر النتشة أن الفوضى الحالية في وسائل التواصل الاجتماعي تستدعي وجود تشريعات وتنظيمات جديدة، مشيرا إلى أن التطور الرقمي السريع خلق واقعا جديدا يحتاج إلى أدوات رقابية وتشريعية متخصصة.

ويكشف عن حالات متزايدة لأطفال ومراهقين يديرون مشاريع رقمية ناجحة، مثل التصوير والمونتاج وصناعة الإكسسوارات والتسويق للمنتجات عبر الإنترنت، وبعضهم بدأ بالتعاقد مع شركات وتحصيل مقابل مادي رغم أنهم ما يزالون على مقاعد الدراسة.

ويشير إلى أن المادة 119 من القانون المدني الأردني تتيح للولي، بترخيص من المحكمة، أن يسلم الصغير المميز الذي أكمل الخامسة عشرة مقدارا من ماله ويأذن له في التجارة، غير أن هذا النص لا يغني عن تشريعات رقمية متخصصة تواكب هذا الواقع.

 

خلف الشاشة أثر لا يرى 

لا يقتصر الخطر على الجانب القانوني وحده، فهناك بعد نفسي وتربوي يراه خبراء في شؤون حماية الأسرة الطفل والتربية، بوضوح في انخراط المراهقين مبكرا في الاقتصاد الرقمي.

يرى الخبير في مجال حماية الأطفال والأسرة الدكتور سيد عادل الرطروط أن الفضاء الرقمي أصبح عالما مفتوحا يصعب إغلاقه، لكن يمكن تنظيمه وتهذيبه من خلال رقابة الأسرة وإشراف الأهل على استخدام الأطفال لهذه الوسائل.

ويشير إلى أن دخول بعض الأطفال دون سن 18 عاما إلى مجالات التسويق الإلكتروني والبيع عبر الإنترنت يحمل عدة دلالات، من بينها احتمال وجود حاجة اقتصادية لدى الأسرة، أو محاولة الطفل الاعتماد على نفسه وتحقيق دخل خاص به.

ويحذر الرطروط من حالات لأطفال يقومون ببث ألعاب إلكترونية لساعات طويلة تصل إلى 10 و12 ساعة يوميا مقابل مبالغ مالية بسيطة، مؤكدا أن ذلك يسبب آثارا نفسية وصحية وتعليمية خطيرة، مثل العزلة الاجتماعية، والإرهاق الجسدي والذهني، وضعف التحصيل الدراسي، وقلة النوم، بالاضافة إلى تعلق نفسي مبكر بتحقيق الدخل.

ويؤكد أنه لا يرفض بالمطلق تطوير مهارات الأطفال خصوصا إذا كان ذلك ضمن إطار الأسرة وباشرافها ، لكن يجب ألا يكون على حساب التعليم أو الصحة النفسية، مشددا على أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج الى منظومة متكاملة تشمل الاسرة والمؤسسات التعليمية والجهات الحكومية.

من جانبه، لا يتردد الخبير التربوي الدكتورعايش النوايسة في تسمية هذه الظاهرة بمسماها الحقيقي، بقوله إن هذا يصنف ضمن عمالة الأطفال، وهو أخطر من العمالة التقليدية، لأنه يحدث داخل المنازل وبعيد

ا عن الرقابة، مشيرا إلى أنه لا توجد جهة تعرف طبيعة العمل الحقيقي الذي يقوم به الطفل، أو نوع المنتجات التي يرويج لها.

ويؤكد النوايسة أن اليوم هناك عناوين جذابة تستهدف الأطفال والمراهقين مثل، اربح من بيتك، اشتغل من المنزل، حقق دخلا سريعا، أصبحت تستقطب المراهقين بفعالية غير مسبوقة، خاصة مع ترويج المؤثرين الرقميين لهذا النمط من الحياة بصورة مغرية.

ويحذر من تأثير الدخل المبكر على الدافعية الأكاديمية، فالطفل عندما يجد أنه يستطيع تحقيق المال  في عمر صغير بسهولة من الانترنت، قد يتساءل لماذا أتعب تفسي بالدراسة ؟ إذا كان بإمكاني تحقيق دخل سريع بهذه الطريقة.

في سياق أوسع، يضع مدير بيت العمال المحامي حمادة أبو نجمة إصبعه على الجرح الحقيقي في منظومة العمل الرقمي بكاملها، مؤكدا أن قطاع العمل عبر المنصات الرقمية ما زال يفتقر إلى الحماية القانونية الكافية، إذ تتعامل الجهات الرسمية مع هذا القطاع على أنه يقع خارج إطار العمل التقليدي، وبالتالي لا ينظر إلى العامل فيه بوصفه عاملا وفق التعريف القانوني الحالي.

ويرى أبو نجمة أن غياب الاعتراف القانوني بهذه الفئة يحرمها من الحقوق والحمايات الأساسية، كعقود العمل الواضحة والضمان الاجتماعي والحماية القانونية، مشيرا إلى أن الأردن تأخر كثيرا في تنظيم هذا القطاع مقارنة بحجم انتشاره وتأثيره المتنامي.

ويؤكد أبو نجمة أن العالم بدأ بالفعل يتجه نحو تقنين هذا النوع من العمل وإدخاله ضمن تشريعات العمل الرسمية، إضافة إلى شمول العاملين عبر المنصات الرقمية بأنظمة الضمان الاجتماعي والحمايات العمالية المختلفة. 

 

الحماية الرقمية خطوات على الطريق

تتحرك الأردن مؤخرا نحو منظومة حماية رقمية أوسع، وإن ظلت مسألة عمالة الأطفال الرقمية تحديدا خارج نطاقها الراهن. 

تؤكد رئيسة مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات لارا الخطيب أن الأردن يعمل على تعزيز منظومة الحماية الرقمية للأطفال واليافعين عبر لجنة وطنية متخصصة مشكلة بقرار من مجلس الوزراء، تضطلع بإعداد أطر تشريعية وتنفيذية للتعامل مع المحتوى الضار في الفضاء الرقمي.

مهام اللجنة تشمل متابعة وحجب المحتوى المخالف للتشريعات الأردنية، بما في ذلك مواقع استغلال الأطفال والمواقع الاحتيالية، إلى جانب تعزيز بيئة رقمية أكثر أمانا للمستخدمين.

من جانبه يقول رئيس لجنة الاقتصاد الرقمي والريادة النيابية مؤيد العلاونة، إن السن المقترح لتنظيم استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال لم يتم الاتفاق عليه بعد مع الجهات المعنية، على الرغم من أن بعض دول العالم حددت أن الفئة العمرية بين 15 و 16 عاما لا يسمح لهم باستخدام منصات التواصل الاجتماعي.

ويقول خبير أمن المعلومات والجرائم الإلكترونية والمحاضر في جامعة الزيتونة الأردنية الدكتور عمران سالم إن توجه الأردن نحو تعزيز حماية الأطفال واليافعين في الفضاء الرقمي يعد خطوة إيجابية ومهمة، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للإنترنت والمنصات الرقمية.

ويؤكد سالم أن قضية حماية الأطفال في البيئة الرقمية ليست قضية محلية تخص الأردن فقط، بل هي مشكلة عالمية، تتصداها دول كأستراليا وفرنسا وبريطانيا وبولندا، باتخاذ خطوات تتعلق بتحديد سن الاستخدام وفرض قيود على الوصول إلى بعض المحتويات.

ويحذر من أن المخاطر الرقمية القريبة من الأطفال تترك أثرا نفسيا كبيرا، قد يصل إلى العزلة والاكتئاب ومشكلات نفسية خطيرة.

 

ماذا فعل العالم؟

في وقت ما يزال فيه الأردن في بداية التعامل مع الظاهرة، اتجهت دول أخرى إلى سن تشريعات أكثر وضوحا لتنظيم عمل الأطفال في الفضاء الرقمي.

ففي فرنسا، أقرت قوانين تنظم عمل الأطفال المؤثرين وصنّاع المحتوى، وتلزم بحفظ جزء من أرباحهم حتى بلوغهم سن الرشد.

وفي الولايات المتحدة، بدأت ولايات عدة تطبيق قوانين تحمي أرباح الأطفال العاملين في صناعة المحتوى الرقمي، على غرار القوانين الخاصة بالأطفال العاملين في الصناعات الترفيهية.

أما المملكة المتحدة، فتشهد نقاشات متقدمة لإخضاع الأطفال العاملين عبر المنصات الرقمية لأطر قانونية مشابهة لتلك المطبقة على الفنانين الأطفال.

وعربيا، اتجهت قطر إلى تطوير سياسات لحماية حقوق الأطفال الرقمية بالتعاون مع جهات تعليمية وتقنية ومنظمة اليونيسف، فيما شهد لبنان خلال عامي 2025 و2026 طرح مشاريع قوانين لتقييد وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي وتشديد العقوبات المتعلقة بالاستغلال الرقمي للقاصرين.

تعكس هذه التحركات اتجاها عالميا متسارعا لإعادة تعريف حماية الطفل في العصر الرقمي، ليس فقط من زاوية المحتوى الضار، بل أيضا من زاوية العمل غير المنظم، والاستغلال الاقتصادي، والآثار النفسية والاجتماعية المرتبطة بالحضور الدائم خلف الشاشات.