تحويل الدواوير إلى إشارات… حلول مرورية أم أزمة تتفاقم؟
في السنوات الأخيرة، شهدت العاصمة عمان تحولا تدريجيا في عدد من الدواوير إلى تقاطعات مزودة بإشارات ضوئية، ضمن توجه مروري لاعتماد الدواوير كأحد أبرز حلول تنظيم حركة السير داخل المدينة.
تشير تقديرات المجلس الأعلى للسكان والتقارير المرورية إلى أن عدد المركبات المسجلة في المملكة ارتفع من نحو 1.72 مليون مركبة عام 2020 إلى قرابة 2 مليون مركبة في عام 2024، مع توقعات بتجاوز 2.3 مليون مركبة بحلول عام 2030 في حال استمرار معدلات النمو الحالية.
وتشير البيانات إلى أن ما يزيد على 90% من السكان يتركزون في الشمال الغربي من المملكة، مما يفرض ضغطا على شبكة الطرق في عمان والزرقاء وإربد، ويؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في مستويات الازدحام خلال ساعات الذروة، حيث تتضاعف أوقات التنقل في بعض المحاور الحيوية داخل العاصمة.
وكانت الأمانة قد أوضحت في تصريحات سابقة أن تركيب الإشارات الضوئية على الدواوير الرئيسية يتم وفق معايير ودراسات مرورية محددة، بهدف تحسين إدارة الحركة المرورية ومعالجة الازدحام، من خلال حلول تنظيمية أكثر كفاءة.
من الدواوير إلى الإشارات
بدأت هذه التحولات بعد تجربة الدوار السابع عام 2014، التي اعتبرت نموذجا في تخفيف الازدحامات المرورية وتسهيل حركة المركبات الداخلة والخارجة من عمان، الأمر الذي انعكس إيجابا على الجوانب الاقتصادية والبيئية للمواطنين، بحسب الأمانة.
وخلال عام 2024 قامت الأمانة بتحويل دوار المشاغل في طبربور إلى إشارة ضوئية، و قررت مؤخرا تحويل دوار جامعة العلوم التطبيقية في منطقة شفا بدران إلى تقاطع مزود بإشارات ضوئية على أربعة اتجاهات، بهدف تحسين الانسيابية المرورية وتعزيز السلامة العامة.
ويؤكد المدير التنفيذي للطرق في الأمانة محمد الجدوع أن القرار استند إلى دراسة مرورية متخصصة أظهرت ارتفاعا في عدد الحوادث في الموقع، مما استدعى اعتماد حلول بديلة أكثر فاعلية.
أثار هذا القرار جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت آراء المواطنين بين مؤيد ومعارض، في وقت اعتبر فيه مواطنون أن الخطوة قد تسهم في تنظيم الحركة المرورية والتقليل من زمن الانتظار، يرى آخرون أنها قرار غير مدروس قد يزيد من تعقيد الأزمة المرورية في منطقة تعد من أكثر المحاور الحيوية التي تربط عمان بالزرقاء، مرورا بشفا بدران وأبو نصير.
ويقول أحد السكان على صفحته الفيسبوك ان الدوار الحالي، رغم الازدحام، قادر على استيعاب حركة السير بسبب سعته، بينما الإشارات قد تخلق اختناقات في أوقات الذروة، فيما أشار آخر إلى أن الدوار ليس مجرد حل مروري، بل متنفس للأهالي، وتحويله يفقد المنطقة بعدا خدميا واجتماعيا
في المقابل، يرى مؤيدون للقرار أن الإشارات الضوئية قد تفرض نظاما أكثر انضباطا للسير، خصوصا في ظل السلوكيات المرورية العشوائية، مطالبين بإعطاء التجربة فرصة قبل الحكم عليها.
من جانبه، يعتبر مستشار العمارة والتصميم الحضري الدكتور المهندس مراد الكلالدة أن تحويل الدواوير إلى إشارات ضوئية يعكس توجها نحو التخطيط الجزئي على حساب التخطيط الاستراتيجي الشامل، موضحا أن هذا النهج، الذي تسارع بعد تجربة الدوار السابع، لم يعالج جذور المشكلة بل تعامل مع نتائجها فقط.
ويبين الكلالدة في حديثه لـ "عمان نت" أن الأزمة المرورية في عمان ترتبط أساسا بارتفاع أعداد المركبات وغياب منظومة نقل عام فعالة، مؤكدا أن الحلول الحالية قد تؤدي إلى نقل الازدحام من موقع إلى آخر بدل معالجته بشكل جذري، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات قد تعيق تطوير استراتيجية متكاملة للنقل العام، والتي تتطلب بيئة حضرية وتصميم طرق يتوافقان مع أهدافها.
ويضرب مثالا بتقاطع السيفوي، حيث تتقاطع مسارات الباص سريع التردد مع إشارات ضوئية، مما يتعارض مع مبدأ السرعة والانسيابية الذي يقوم عليه المشروع، نتيجة اضطرار المركبات للتوقف عند عدة إشارات على طول المسار.
ويضيف أن تحويل الدواوير إلى إشارات قد يحقق حلولا موضعية مؤقتة، لكنه قد يؤثر سلبا على التوجهات الاستراتيجية طويلة المدى، خاصة فيما يتعلق بتقليل الاعتماد على المركبات الخاصة وتعزيز النقل العام، مشددا على ضرورة ربط أي تحسينات مرورية بإطار الخطة الحضرية الشاملة.
المعايير والحلول البديلة
وفيما يتعلق بالمعايير الواجب اعتمادها، يؤكد الكلالدة أن الأساس يجب أن يكون الالتزام بالاستراتيجية العامة، بعيدا عن الضغوط الموضعية، بما يحقق الهدف الأكبر المتمثل في إنشاء منظومة نقل متكاملة.
ويشير إلى أن دوار جامعة العلوم التطبيقية كان يمكن أن يستمر في خدمة الحركة المرورية لسنوات إضافية، نظرا لموقعه الاستراتيجي الذي يربط أربعة محاور رئيسية، كما يشير إلى أن الأعمال الجارية في الموقع تبدو أقرب إلى تسوية المنطقة على منسوب واحد، دون وجود حلول متعددة المستويات كالجسور أو الأنفاق، والتي تعد أكثر كفاءة في توزيع الكثافة المرورية.
ويعتبر أن استبدال تقاطع مدروس بحلول على نفس المستوى قد يؤدي إلى ازدحام أكبر، مستشهدا بتجارب ناجحة اعتمدت على الأنفاق لتوزيع الحركة، مثل دوار المشاغل، مؤكدا أن الحلول الفعالة يجب أن تشمل بنى تحتية متعددة المستويات، مرتبطة بالخطة العامة لمحاور الطرق الرئيسية.
كما يشير إلى ملاحظات تتعلق بتنفيذ المشروع، من بينها غياب خطة واضحة لإدارة الأعمال، مستشهدًا بحوادث ميدانية مثل انهيار جزء من الموقع وسقوط ذراع حفار أثناء التنفيذ.
وفي تقييمه لكفاءة الإشارات الضوئية، يوضح الكلالدة أنها قد تكون فعالة على المستوى الموضعي، لكنها أقل كفاءة استراتيجيا لكونها لا توفر حلولا متعددة المستويات، ويدعو إلى تبني حلول حضرية متكاملة تجمع بين الإشارات والتقاطعات متعددة المستويات.
ويتوقع أن يتم مستقبلا إعادة النظر في بعض هذه التقاطعات، وربما استبدالها بأنفاق أو جسور، في حال ثبت عدم استدامة الحلول الحاليةن مشددا على أهمية الشفافية في عرض الدراسات المرورية، داعيا إلى نشرها للنقاش العام عبر منصات متخصصة، بما يعزز مشاركة المجتمع في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشاريع الحيوية في المدينة.
في ظل غياب إحصائيات رسمية دقيقة حول عدد الدواوير في المملكة، تشير التقديرات إلى وجود عشرات الدواوير في العاصمة عمان، إلى جانب انتشارها في مدن رئيسية أخرى مثل الزرقاء وإربد، حيث شكلت لسنوات طويلة حلا هندسيا فعالا لتنظيم الحركة حتى مستويات مرورية معينة.













































