أزمة الغاز في الأردن.. بدائل محلية واستراتيجيات لتجنب انقطاع الكهرباء
أثارت الأحداث الأخيرة في المنطقة حول إمدادات الغاز الطبيعي من حقول شرق البحر الأبيض المتوسط قلق الأردن، نظرا لاعتماده شبه الكامل على هذه المصادر لتوليد الكهرباء، مما يجعل استقرار المنظومة الكهربائية الوطنية عرضة للضغط مباشرة.
فقد أعلن وزير الطاقة والثروة المعدنية صالح الخرابشة، أن الحكومة باشرت فورا تنفيذ خطة الطوارئ المعتمدة، بالتحول إلى بدائل متعددة تشمل استيراد الغاز عبر باخرة عائمة، واستخدام الديزل أو الوقود الثقيل لتشغيل المحطات، مع زيادة تقديرية في الكلفة اليومية تصل إلى نحو 1.8 مليون دينار، فيما يضمن المخزون الاستراتيجي استمرارية الإمدادات دون أي خلل فني.
يشير الخبير في الطاقة هاشم عقل، إلى أن الأردن يعتمد بشكل كبير على الغاز المستورد من شرق المتوسط لتوليد الكهرباء، حيث يشكل الغاز نحو 69 إلى 70% من إجمالي استهلاك الطاقة الكهربائية، فيما تمثل الطاقة المتجددة حوالي 29%، مما يوفر بدائل محدودة لكنها موجودة.
ويؤكد عقل أن المخاوف من نقص الكهرباء أو انقطاعات محتملة غير مبررة، لوجود بدائل متاحة مثل زيت الوقود الثقيل المخزون محليًا والذي يكفي لأسابيع، أو الديزل الذي يغطي حوالي 60 يوما، بالإضافة إلى القدرة على زيادة إنتاج حقل الريشة للغاز الطبيعي إلى 55 إلى 60 مليون قدم مكعب.
كما تملك الأردن باخرة عائمة في العقبة توفر مخزونا استراتيجيا يكفي 15إلى 20 يوما، مما يضمن عدم حدوث أي أزمة في التيار الكهربائي.
ويحصل الأردن على الغاز الطبيعي من عدة مصادر رئيسية: الغاز الإسرائيلي من حقل ليفياثان وغيرها من الحقول البحرية، الغاز المصري عبر الخط العربي، الغاز الطبيعي المسال عبر باخرة العقبة العائمة، والغاز المحلي من حقل الريشة شمالي المملكة.
وشهد الأردن أزمات مشابهة في الماضي، أبرزها انقطاع الغاز المصري بين 2011 و2013 نتيجة هجمات على خطوط الأنابيب في سيناء، وتوقف الإمدادات الإسرائيلية مؤقتًا في 2025، ما اضطر الحكومة لاستخدام الديزل والوقود الثقيل لتشغيل محطات الكهرباء.
خطط الطوارئ والبدائل الاستراتيجية
يشير عقل إلى أن الأردن يمتلك مشاريع للربط الكهربائي مع الدول المجاورة، خاصة مع مصر، التي تزود المملكة بالكهرباء عند الحاجة، وبالتالي لا يوجد أي مبرر للقلق في مختلف القطاعات مثل الصناعة والاقتصاد والسكان، حيث أن الأمور تحت السيطرة دائما، وهناك خطط بديلة جاهزة للاستخدام في حالات الطوارئ.
وبخصوص التكلفة الإضافية التي قد تصل إلى حوالي 1.8 مليون دينار، يشير عقل إلى أن هذا الرقم يمثل فرق التكلفة اليومية، لأن استخدام الديزل وزيت الوقود الثقيل مقارنة بالغاز الطبيعي أعلى تكلفة، مشددا على أن اللجوء لهذه البدائل يجب أن يكون خيارا مؤقتا في حال وقوع أزمة عابرة، نظرا للتأثير الكبير لأي انقطاع في الطاقة على الأردن والعالم، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي و12% من الغاز الأوروبي من قطر.
ويوضح أن البدائل العالمية محدودة، حتى مع وجود خطوط أنابيب بين الشرق والغرب في السعودية التي يمكن أن تضخ أقصى 5 ملايين برميل، وأنبوب من الإمارات إلى ميناء الفجيرة بقدرة 1.7 مليون برميل، وهو ما يشكل حوالي 17% فقط من صادرات الخليج العربي، وبالتالي فإن الدول العالمية تسعى لتقليل فترة الإغلاق، لكن المخاطر عالية كما حدث مؤخرا عند استهداف ناقلة نفط قرب مضيق هرمز، مع وجود نحو 150 ناقلة نفط في المياه المفتوحة قرب المضيق، مما يشكل أزمة عالمية، والأردن ليس الوحيد المتأثر.
أما في حال استمر الانقطاع لأسابيع أو شهور، فيوضح عقل أن خطوط إمداد الأردن مؤمنة، حيث تصل المواد الخام البترولية والمشتقات النفطية عبر العراق والسعودية بدون عقبات، كما تستورد المشتقات الجاهزة من السعودية والأسواق العالمية عبر قناة السويس، مما يجعل الإمدادات مؤمنة بشكل كبير، حتى وإن كان هناك زيادة في تكاليف التأمين وارتفاع أسعار النقل، لكن بشكل عام لا يوجد خطر لنقص الإمدادات، خاصة مع وجود مخزون احتياطي استراتيجي يكفي حاجات المملكة لمدة 60 يوما، مما يجعل استمرارية الأزمة لفترة أطول غير محتملة.
التداعيات الاقتصادية والإقليمية
من جهته، يحذر الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، أن التطورات الإقليمية خاصة توقف عبور ناقلات النفط من مضيق هرمز بعد استهداف منشآت في دول الخليج، تمثل تحولا خطيرا في مسار الصراع، حيث قد يتحول من صراع محدود إلى حرب شاملة تهدد أمن الطاقة العالمي.
ويشير الشوبكي إلى أن الأسواق العالمية قد تستجيب لهذا التطور بقفزة حادة في أسعار النفط، متوقعا أن يصل الخام إلى نطاق 95 إلى 110 دولارات للبرميل في حال استمرار الإغلاق، مع احتمال تجاوز هذا المستوى إذا طال أمد الأزمة أو استهدفت منشآت إنتاجية إضافية، مشددا على أن الأردن يقف أمام اختبار حقيقي، إذ يعتمد قطاع الكهرباء بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي من مصدر واحد بنسبة تقارب 97 إلى 98%، ما يجعل أي اضطراب إقليمي عامل ضغط مباشر على استقرار المنظومة الكهربائية. وفي حال استمرار الانقطاع، سيكون التحول إلى الغاز المسال عبر ميناء العقبة خيارا متاحا فنيا، لكنه أعلى كلفة، ما سينعكس مباشرة على كلفة التوليد والدعم المالي، لا سيما إذا طال أمد الأزمة.
ويضيف الشوبكي أن المخزون الاستراتيجي يمنح الأردن هامش أمان مؤقتا، لكنه لا يغني عن اتخاذ إجراءات استباقية عاجلة، تشمل تعزيز المخزون من المشتقات النفطية، وتسريع ترتيبات استيراد الغاز المسال، وإدارة مالية مرنة لاستيعاب أي صدمة سعرية، مع إرسال رسائل طمأنة للأسواق والمواطنين. ويؤكد أن أمن الطاقة أصبح اليوم ملف سيادة وطنية واستقرار اقتصادي، وأن المرحلة الحالية قد تحمل تداعيات غير مسبوقة تتطلب سرعة قرار ووضوح رؤية قبل أن تتحول الصدمة الخارجية إلى ضغط داخلي، مؤكدا على أن السيناريو الأخطر يتمثل في استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة ممتدة، ما قد يدفع أسعار النفط إلى 120إلى 150 دولارا للبرميل، وهو مستوى يضع اقتصادات المنطقة أمام تحديات مالية كبيرة ويستلزم إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية فورا.
في ذات السياق، تؤكد وزارة الطاقة السورية أن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية يعود إلى تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن وفي بعض الأحيان توقفها، نتيجة التصعيد الإقليمي وما ترتب عليه من تعذر استمرار الضخ وفق الاتفاقات السابقة، موضحة أن الفرق الفنية تواصل إدارة الشبكة بالاعتماد على الإنتاج المحلي، مع العمل على تعزيز الإنتاج لتحسين التغذية الكهربائية في المرحلة المقبلة.












































