من "نغمة" المليارات إلى "عصب" الذكاء الاصطناعي.. كيف هندست نوكيا عودتها من الباب الكبير عبر إنفيديا؟

الرابط المختصر

لطالما كانت "نوكيا" أكثر من مجرد شركة تكنولوجيا؛ كانت جزءاً من الذاكرة الجمعية لجيل كامل. ففي عام 2009، كانت نغمتها الشهيرة تصدح 1.8 مليار مرة يومياً حول العالم، وكان جهاز "3310" أيقونة ثقافية ترمز للمتانة والانتشار. لكن، وكما يحدث غالباً في عالم التقنية الذي لا يرحم، صمتت النغمة فجأة تحت وطأة طوفان "آيفون" و"أندرويد"، لتجد العملاقة الفنلندية نفسها خارج الخريطة التي كانت يوماً ما ترسم حدودها، وتضطر لبيع قسم هواتفها لـ "مايكروسوفت" عام 2014 في صفقة بدت حينها وكأنها إعلان نهاية.

لكن كتاب نوكيا لم يُغلق بعد. ففي عام 2025، فاجأت الشركة العالم بـ "عودة الفينيق"، ليس كصانعة هواتف، بل كلاعب محوري في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، متسلحة بشراكة استراتيجية ضخمة مع "إنفيديا"، ملكة الرقائق الإلكترونية بلا منازع.

استراتيجية "الحرباء".. التكيف من أجل البقاء
لم يكن طريق العودة مفروشاً بالورود. فبعد الخروج المؤلم من سوق الهواتف، نفذت نوكيا سلسلة من المناورات الاستراتيجية الجريئة لإعادة تعريف هويتها:

الرهان على الشبكات (2013-2015): استحوذت على حصة سيمنس، ثم أتمت أكبر صفقة في تاريخها بشراء "ألكاتيل-لوسنت"، لتتحول إلى عملاق في معدات الاتصالات.

مواجهة التنين الصيني: اصطدمت بمنافسة شرسة من "هواوي" و"ZTE" اللتين قضمتا حصتها السوقية في أوروبا، مما وضع علامات استفهام حول قدرتها على الصمود.

التموضع الجديد (2020-2024): تحت قيادة بيكا لوند مارك، ثم الرئيس الحالي جاستن هوتارد، وجهت الشركة دفتها نحو الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، متوجة ذلك بالاستحواذ على "إنفينرا" (Infinera) للشبكات الضوئية مقابل 2.3 مليار دولار.

لماذا راهنت إنفيديا بمليار دولار على نوكيا؟
إعلان "إنفيديا" في أكتوبر 2025 عن استثمار مليار دولار في نوكيا لم يكن مجرد ضخ مالي، بل هو "زواج مصلحة" تقني من الطراز الرفيع. وهنا يكمن جوهر التحليل الذي يغفل عنه الكثيرون:

معضلة "عنق الزجاجة": تدرك إنفيديا أن رقائقها فائقة السرعة للذكاء الاصطناعي لن تعمل بكفاءة قصوى إذا كانت "أنابيب" نقل البيانات بطيئة. وهنا يأتي دور نوكيا.

الحل الضوئي: يوضح مازن الدكاش، رئيس شركة "تكنولوجيا"، أن نوكيا تمتلك محفظة تقنية نادرة في "الشبكات الضوئية"، وهي التقنية الوحيدة القادرة على نقل طوفان البيانات بين مراكز الذكاء الاصطناعي بالسرعة وزمن الاستجابة (Latency) الذي تتطلبه النماذج الضخمة.

تكامل العتاد والبرمجيات: لا تقدم نوكيا مجرد كابلات، بل شبكات ذكية قابلة للأتمتة، مما يجعلها الشريك المثالي لبناء "البنية التحتية العصبية" للذكاء الاصطناعي العالمي.

نوكيا.. "سويسرا" عالم التقنية
نقطة القوة الخفية التي أشار إليها المحلل التقني جوزف فرح، هي أن نوكيا وضعت نفسها في موقع "الشريك المحايد". فهي لا تنافس في صناعة الرقائق ولا في تطوير نماذج الـ AI، بل توفر البنية التحتية التي يحتاجها الجميع. هذا يجعلها حليفاً محتملاً ليس لإنفيديا فحسب، بل للمنافسين أيضاً مثل AMD وIntel، ولعمالقة السحاب مثل Google وMicrosoft.

المخاطر القائمة.. العبرة في التنفيذ
رغم القفزة بنسبة 25% في أسهم الشركة، ووصول قيمتها السوقية إلى 32 مليار يورو، إلا أن الحذر لا يزال واجباً. يرى خبراء الاستراتيجية أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سوق متقلب، وهناك مخاوف من عزوف مشغلي الشبكات عن الاعتماد على مزود واحد. لكن، وكما يشير شاز أنصاري من جامعة كامبريدج، فإن "المرونة النادرة" التي أظهرتها نوكيا وقدرتها على "بتر" الأذرع الخاسرة (كما فعلت مع الهواتف) تجعلها مؤهلة أكثر من غيرها للنجاة.

نوكيا اليوم ليست تلك الشركة التي صنعت هاتفك القديم؛ إنها الشركة التي تبني الطرق السريعة التي تمر عبرها بيانات مستقبلك. لقد تعلمت الدرس الأقسى في تاريخ التكنولوجيا: "من لا يتطور ينقرض"، وهي الآن مصممة على ألا تفوت قطار الذكاء الاصطناعي كما فوتت قطار الهواتف الذكية.