بصيصُ أملٍ فلسطيني في حدوث تغيير

داود كتّاب

عن العربي الجديد

ينطبق على المرسوم الرئاسي الفلسطيني بتحديد يوم للانتخابات الفلسطينية، تساؤل: هل ننظر إلى الكأس على أنه نصف فارغ أم نصف ممتلئ؟ الانتخابات التشريعية المقرّرة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المُقبل فرصة مهمة للإصلاح، ولضخّ دماء جديدة في المنظومة السياسية الفلسطينية التي هرمت من دون تحقيق هدفَي التحرير والاستقلال. وفي الوقت نفسه، قد ينظر إليها بعضهم على أنّها محاولة لهندسة الانتخابات لتلبية مصالح ورغبات أصحاب القرار الفلسطيني.

قد يكون هدف قرار فصل الانتخابات التشريعية عن الرئاسية ضماناً لعدم صعود أطراف غير مرغوب فيها من القيادة الحالية، كما حدث عام 2006 عند فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بسبب تشرذم الأصوات الوطنية، وخصوصاً الفئات الفتحاوية. وفي تلك الحالة، تكون رئاسة دولة فلسطين صمّام الأمان، حسب اعتقادهم. كما أنّ وجود شرط قبول المُرشَّحين إذا ما أقرّته منظمة التحرير، يهدف إلى إبعاد مرشّحين من حركتَي حماس والجهاد الإسلامي. في حين يرى آخرون أنّ تخفيض العتبة لدخول البرلمان إلى 1% يهدف إلى تشرذم الأصوات، وزيادة مشاركة المرشَّحين من العائلات والعشائر، بدلاً من الأحزاب والحركات السياسية. 


 قد تكون تلك الملاحظات كلّها صحيحة، ولكنّها ليست حاسمةً بالنسبة إلى الجهات الجادّة في الإصلاح والراغبة في إدخال تغيير حقيقي على المنظومة القيادية الفلسطينية، فمثلاً شرط الموافقة على قرارات منظّمة التحرير قد يراه بعضهم شرطاً دولياً، وحتّى إسرائيلياً، ولكنّ الحقيقة أنّ كلّ الانتخابات التي أُجريت منذ 1993 كانت تحت مظلّة اتفاق المبادئ بين منظّمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ كان دائماً واضحاً أنّ منظّمة التحرير الفلسطينية هي الجسم الأعلى للسلطة الفلسطينية.

وقد شاركت حركة حماس في انتخاباتٍ عديدة، مع علمها أنّها انتخابات تُجرى من خلال اتّفاق وقّعه رئيس المنظّمة، وبأنّ الأخيرة هي السلطة العليا فلسطينياً. فكما أغفلت "حماس" هذه الحقيقة آنذاك، قد تكون اليوم أمام خيارَين: أن تعيد السيناريو نفسه وتشارك بحسب المرسوم، أو أن تقرّر البقاء خارج دائرة صنع القرار، كما حدث في الانتخابات البلدية التي لم تشارك فيها حركة حماس، ولا "الجهاد الإسلامي"، ولا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (باستثناء مشاركة الجبهة في بيت جالا تحت مسمّى "مستقل").
 أمّا موضوع العتبة المتواضعة بـ 1%، فمن الضروري توفير فرص لجهات متعدّدة. ومن الملاحظ عند الحديث مع أي فلسطيني، خصوصاً في الأراضي المحتلّة، وجود غضب وانزعاج وعدم قناعة بجميع الفصائل التي غلّبت مصالحها الذاتية على المصلحة الوطنية العليا.
 على من يرغب في المشاركة في صنع القرار الفلسطيني، اليوم، أن يخرج من إضاعة الوقت في الشكوى والتردّد، وأن يبدأ فوراً بتشكيل كتل للمشاركة النيابية، ووضع برامج منطقية يمكن تطبيقها لتلبية رغبات الشعب الفلسطيني. ثمّ ينبغي البحث الجادّ عن وجوه جديدة نظيفة اليدَين مستعدّة للعمل الجادّ والمتابعة الحثيثة لخلق واقع جديد يحقّق أماني الشعب الفلسطيني.

كما يجب أن تكون تلك المجموعات مستعدّةً للعمل مع الآخرين لوضع استراتيجية وطنية جادّة، معتدلة وقابلة للتطبيق. فقد سئم الشعب الفلسطيني والعربي من الشعارات الرنّانة والأهداف المستحيلة والوعود غير القابلة للتنفيذ.
 الفرصة متاحة أيضاً للشباب، فقد خُفّض سن الترشّح إلى 23 عاماً، وكلّنا أمل أن يستطيع المجتمع الفلسطيني، و غالبيته من الشباب والشابّات، أن يدخل المعترك السياسي، ويبتكر مشاريع وبرامج وخططاً منطقيةً ومعقولةً.
 طبعاً، هناك تحدّيات ضخمة لإخراج الانتخابات في غزّة والقدس إلى حيّز التنفيذ. ومن المؤكّد أنّ الشعب الفلسطيني في غزّة توّاق إلى الدخول في العملية الانتخابية، بعد عقود من تحكّم فئات مختلفة، وطنية وإسلامية، في مصيره. وقد تكون الانتخابات البلدية التي أُجريت في دير البلح إبريل/ نيسان الماضي مؤشّراً مهمّاً على الرغبة الجادّة في المشاركة، رغم محاولات الاحتلال منع اللجنة المركزية للانتخابات من إدخال صناديق انتخاب شفّافة، إذ استُبدلت بصناديق من صنع محلّي تفي بالحاجة.
 وفي القدس أيضاً، هناك حاجة ماسّة جدّاً إلى آلية تساعد في إيجاد قيادات محلّية جديدة، جلُّ اهتمامها الصمود في "زهرة المدائن". وعلى الرغم من أنّ الانتخابات الإسرائيلية ستُعقد قبل شهر من الانتخابات التشريعية الفلسطينية، فإنّه من المتوقَّع، وفي ظلّ الحملة الانتخابية الإسرائيلية، أن يحاول الاحتلال منع العملية الانتخابية أو تعطيلها، ولكن من المؤكّد أنّ لجنة الانتخابات لديها أفكار خلّاقة، قد تكون تكنلوجيةً، لتجاوز أي محاولات لتعطيل الاقتراع الذي طال انتظاره.