أزمة الصحافة كحالة للأزمة الشاملة

أزمة الصحافة كحالة للأزمة الشاملة
أزمة الصحافة كحالة للأزمة الشاملة
الرابط المختصر

لفهم تداعيات الحوسبة والإنترنت وتأثيراتها الشاملة والجذرية، يمكن بناء سلسلة طويلة من السيناريوهات المنطقية. وبما أننا نعيش أزمة الإعلام، فإنه يمكن التأمل في بعض هذه التداعيات.

فعندما كانت الصحافة الورقية تُطبع وتُوزع في بلد، ولا تأتي الصحف والمطبوعات الأخرى إلا بعد وقت طويل، إذا سُمح لها بالمرور؛ كانت هذه الصحافة تستطيع احتكار الإعلانات، وأن تقدم ما تشاء من المعلومات والأخبار، وتختار من تشاء من الكُتّاب والصحفيين. ولما كانت الصحافة الأردنية والعربية حكومية، كانت الحكومة تنشر ما تشاء من أخبار ومعلومات، وتختار وتستبعد الصحفيين والكُتّاب، وفق سياسة قليل منها سياسي وأكثرها مزاجي وقرابي وشللي، يتستر بالدواعي والأسباب السياسية. ومن ثم، تحولت الصحف إلى تكية للمحاسيب والأقارب والأتباع. وكان يسع الصحف والحكومات أن تجلب على الناس والمجتمعات بخيلها ورجلها، وتجني أرباحا مضمونة من الإعلان!

ولكن بعد هبوط الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، صار يمكن للمواطن أن يطلع على جميع الصحف ووسائل الإعلام ومواقع الجامعات ومراكز الدراسات، وأن يتواصل مع العالم. ما معنى قدرة المواطن على التواصل مع العالم؟ ببساطة، تتحول الصحف إلى كتل من الورق لا يقرأها إلا المدققون. ولماذا يقرأ المواطن لكُتّاب لا يقرأون ولا يكتبون ولا يعرفون شيئا؟ ولماذا يتابع صحيفة لا يثق بها، وهو قادر على قراءة الأخبار والتحليلات والدراسات والتعليقات في جميع صحف العالم، وقبل صدور الصحافة "العتيدة" في بلده؟

لم يعد المواطن أيضا متلقيا فقط، بل قادر على المشاركة في الإعلام؛ بالكتابة والتعليق والتواصل، ومن خلال صفحاته الخاصة، سواء على شبكات التواصل أو المدونات أو موقعه الخاص. كيف تعمل الصحف وسط أمة من الكُتّاب والمدونين؟ ماذا يمكنها أن توجه إلى مواطن يملك خيارات كثيرة مفتوحة؟

بالطبع، فإن الخيار البديهي أن تعيد الصحف ووسائل الإعلام صياغة نفسها ورؤيتها ورسالتها؛ أن تنشئ فريقا من العاملين القادرين على استخدام وتوظيف التقنية الحديثة التي غيّرت كليا في وسائل الإعلام، وأعادت من جديد تعريف ووصف العاملين في الإعلام، والمهارات والمواهب التي يجب أن يتمتعوا بها. فعلى سبيل المثال، أصبح ممكنا أن يؤدي الصحفي عمله في الصحيفة أو الإذاعة والتلفزيون بجميع مراحله، من الألف إلى الياء؛ ما يعني ببساطة أن معظم الإعلاميين أصبحوا غير مؤهلين لعملهم، ما لم يُدربوا ويعلموا أنفسهم من جديد.

ولم يعد معقولا اختيار الناس وتوظيفهم من غير تنافس، لأن الإعلام لم يعد سلعة تحتكرها المؤسسات المحلية، ولكن هذه دخلت في تنافس مفتوح، ولم يعد ممكنا لها القدرة على المنافسة من غير كفاءات عالية ومدربة. والإعلان أيضا لم تعد تحتكره وسائل الإعلام، بل تتنافس عليه جميع الفضائيات ومواقع "النت"؛ فلم يعد المعلن مضطرا للإعلان في مؤسسة لا يتابعها أحد، وهو يملك أن يعلن على المواقع العالمية، أو في الفضائيات الأكثر مشاهدة.

لا بأس من تكرار القول بأن العبرة يمكن أخذها قبل وقوعها، أو في أثناء حدوثها أو بعد ذلك. ويعتمد النجاح بالطبع على المرحلة التي يجري فيها التقاط العبرة!

الغد

أضف تعليقك