خوان خوسيه مياس.. قصص تُشعرنا أننا حائرون وحمقى

الرابط المختصر

ثمّة قصصٌ تشدُّ، وأُخرى مملّة لا يمكن الانتهاء منها أبداً. قصصٌ تُثير وتُدهش في الوقت نفسه، وأُخرى تبعث على التأمُّل والوعي. قصصٌ كُتِبت لكي ندركَ تفاصيل حياتيّة لم نقدّرها قط، وأُخرى تأخذنا إلى جنّات خياليّة لم نحلم بها لا في النّوم ولا في اليقظة. غير أنّه نادراً ما نقرأ قصصاً تُشعرنا أننا حائرون وحمقى، وبالتالي فإن مصادفة كتابٍ كامل مؤلّفٍ من سبعمائة صفحة يجعلك تختبر هذا الشعور سيكون أمراً مثيراً. خوان خوسيه مياس (فالنسيا 1946) خبيرٌ في إثارة مشاعر الحيرة لدى قرّائه، وفي كتابه الأخير الصادر عام 2019، عن دار Seix Barral، تحت عنوان "مهنة مستحيلة"، يجعلنا عبر مئة وتسعين قصّة قصيرة، وطويلة إلى حدٍّ ما، نختبر شعور أن نكون حمقى أو أغبياء، أو على الأقل حائرين بين حدود الواقع والخيال. 

ولا غرو أن يكون مياس بارعاً في هذا، فهو واحدٌ من أبرز الروائيّين الإسبان واستطاع أن يرسّخ حضوره الأدبي في أكثر من جنس أدبي، لنراه يتنقّل بين الصّحافة والأدب، وبين الواقع والخيال. وبالفعل القارئ للكتاب سيلاحظ أنَّ كثيراً من القصص يغلب عليها طابع العمود الصحافي، كما أنَّ بعضها الآخر هو قاعدة لفكرة روايات طوّرها كاتُبها فيما بعد، لدرجة نستطيع أن نقول إنَّ مجموعة القصص هذه تشكّل سيرة حياة مؤلفها. وفي سيرة الحياة هذه ستكون القصص البطانة التي تسدُّ، على طول سنوات الكتابة، تلك الفجوات التي تركتها الرواية في جسد الكاتب. "إنها لتجربة غريبة أن تعيد قراءة ما كنت قد كتبته سابقاً في لحظة ومكان معيّنَين. إنّها تجربة مقلقة شبيهة بتلك اللحظة التي نظهر فيها في الحلم نتنزّه في شوارع الحيّ الذي كبرنا فيه - وربما لم نخرج منه أبداً- هكذا ندخل في صميم تلك الشوارع كما ندخل في ممرّات وجودنا، الذي يبدو لنا أليفاً وغريباً في الوقت نفسه"، يؤكّد المؤلف. 

يطرح المؤلف الإسباني سؤال إن كانت الكتابة مهنة مستحيلة حقاً

"مهنة مستحيلة"، إذا، هو الكتاب الذي يجمع القصّص الكاملة لخوان خوسيه مياس، الذي وصِفَ بـ "سيّد المسافات القصيرة". سيجد القارئ في هذا الكتاب أثرَ المؤلّف واضحاً: قصص متناقضة يأخذ فيها الجنون طابعاً يطغى فيه على الحياة اليوميّة، في حين يظهر الواقع بشكله الأكثر إثارة للدّهشة والغرابة. قصص نستكشف فيها العلاقات الأسريّة والحميميّة، عالم العمل والحياة الاجتماعيّة، العلاقة بين الفرد وجسده، بين الوحدة والجماعة، عادات الحبّ ونظريات الزواج التي غالباً ما تنزلق إلى فلسفة الخيانة، المرض، الحيرة، الغربة، النفاق، الطبيعة الجبانة والعنيفة لكثير من الناس، العنف، التفاصيل الدقيقة لكل شيء بما في ذلك الجغرافية الحميمة والنفسية لروتين مدينة مدريد؛ كل هذا بفكاهة ودقة تميزان الكاتب وتعرّفان بعالمه، الذي في وقت مبكرٍ جداً من الكتاب يعرضه مياس بعد أن يفتح لنا قلبه وأحشاءه على الواقع المرير والمظلم، فيتحول أمامنا الأسبوع إلى "درجٍ بلا ضوء"، ليكشف لنا المؤلف ببراعة مذهلة أنّ الحياة يمكن أن تكون مجرّد خزانة أو حشرة، أو ربما حياته نفسها، متحدِّثاً عن نفسه خيالاً أو واقعاً: "أعيش وحيداً، متشبثاً بظهيرة أيام الأحد. لم أتزوج رغم أنه كانت لدي أكثر من فرصة. لم أفعل ذلك كي لا أعاني اللقاءات العائليّة المملة أيام العطلة".

الكتاب، في العمق، هو كتالوغ أصيل للطبيعة البشرية المرئية وغير المرئية، حيث تتنوع موضوعات القصص لتتناول حكايات تبدأ من رجل خاضع للسانه ويديه يتصرف خارج إرادته، إلى آخر يفتح عينيه في صباح يومٍ ما ليجد نفسه في بيت لم يعد بيتاً؛ من ثالث يقرر أن يشطر حياته نصفين ليصبح نصف الأسبوع صادقاً والنصف الآخر كاذباً، إلى رابعٍ يخرج من عيادة الطبيب النفسي أسوأ مما دخل. كل هذا يحبكه مياس تحت لعبة التضاد، ماحياً الحدود بين الواقع والخيال، بين الغريب والمؤلف. 

 

غلاف مياس

وبالفعل سرعان ما يدخل مياس في مفارقات عميقة من هذا النوع، تارةً تبدو خيالاً وأخرى واقعاً، مثيراً استغراب القارئ، وراسماً غرائب وعجائب النفس البشرية في كلَّ قصّة يرويها. ولا يتعلق الأمر برسم حكاية تفاجئ القارئ، ولا حتى شخصية أصلية، فكل شيء (حتى الشخصيات والحكايات الأصلية) مكتوب على أساس كليٍّ ملتزم بفهم حالات الإنسان غير المفهومة. وفي هذه المفارقات، يتحرك المؤلف باستمرار، مثيراً في كل مرة قلقاً ناجماً عن روح دعابة سوداوية غير معقولة. ضمن هذا السياق يبدو الكتاب وكأنّه ملخصٌ استثنائي للحيرة، حيرة الكاتب الذي يروي حياة شخصياته ومن ثم يبث فيها الروح والجسد. غير أنَّ أبطال صاحب "فوضى اسمك" في هذا الكتاب هم الأدراج، المرايا، الخزائن، الجوارب، الأسرّة، الحيوانات الأليفة، الأيام، الثقوب والكوارث، التي لا يتردد مياس في إقحامها في كل قصة لتشكّل بدورها البنيّة الحسيّة لأدبه. بالتالي لا توجد قصة لا تحتوي على رمزها الحسيّ والملموس، ولا يحدث شيءٌ في أية قصة لا يمكن لمسه باليد، بما في ذلك جسد الملل نفسه. 

في هذه القصص - كما هو الحال في معظم أعمال المؤلف- يشعر القارئ مرة أخرى أنّه في يد المؤلف، أو أن هذا الأخير يسبقه في خطوة السرد وتوقّع الأشياء أو حتى تموضع الكاتب أمام عناصر السرد وفي هذا العالم. وكأن الكتابة بالنسبة لمياس تقتضي بالضرورة استكشاف الواقع من زوايا غير عادية، فالزاوية المعتادة غير مثيرة للاهتمام، إنها منطقة الأماكن المشتركة ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل إيجاد معنى فيها. السر إذن هو موقع الكاتب، أي المكان الذي يختاره لمراقبة العالم والكتابة عنه، ومن هنا كان هذا الشعور بأن المؤلف هو المتحكم في كل شيء، حتى في قارئه. 

المدهش في الأمر بعد كل هذا هو العنوان الذي اختاره مياس لكتابه، كأنه منذ البداية يطرح سؤال إن كانت الكتابة مهنة مستحيلة حقاً. من قرأ مياس سيعرف بكل تأكيد الإجابة عن هذا السؤال: نعم الكتابة مهنة مستحيلة، لأننا نخاطر فيها بهويتنا، لا سيّما عندما يتعلق الأمر بأولئك الذين يعشقون الكتابة، ولكنهم يخافون أن يكتبوا، تماماً على غرار صاحب هذا العمل.

* كاتب ومترجم سوري مقيم في إسبانيا

أضف تعليقك