عيون غارقة في التضليل: أزمة حوكمة الذكاء الاصطناعي تُربك متصفحي الأخبار في الأردن

هدى الحنايفة

 "أذكر موقف ما غاب عن بالي على قدر ما كان ظريف لكني مستاءة منه" تصف آية عبد الإله وهي طالبة جامعية في السنة الثالثة تجربة حفرت بذاكرتها مفهومي التضليل والثقة، كان ذلك قبل أسابيع، فبينما كانت تتصفح الفيسبوك كالمعتاد، استوقفتها صورة من منشورات موقع إخباري محلي، تظهر مسنا يتكئ منهكا على سيارته، وعلى  معصمه اثر ابرة، وفي الخلفية مستشفى، بينما يقف إلى الجانب الآخر من السيارة شرطي يحرر بحقه مخالفة.

 

تستذكر آية اللحظة بانفعال، في اليوم التالي التقت صديقتها في الجامعة، نادتها وحدثتها باستياء عن تلك الصورة فتحت هاتفها والقت نظرة، لكنها سمعت ردا هادئا، تقول آية في مقابلة مباشرة مع معدة التقرير:"ضحكت صديقتي وخبرتني أن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي".

 

هذا الموقف كشف لآية فجوة عميقة بينها وبين زميلتها التي تمتلك شغف التحقق من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما هي لا تملك رفاهية الوقت لتتعلمه، فهي  تفترض أن المواقع المحلية تقدم على الأقل أخبارا موثوقة حتى في سياقها.

وتضيف "بعد أسبوع عرضت عليَّ مجموعة صور، وقالت على سبيل النكتة، لا تسأليني إن رأيت الخبر، فكل هذه أمثلة"! ، ما دفع آية للتساؤل بمرارة عن ضرورة استجواب الناشر.

تتقاطع تجربتها مع  الملاحظات المهنية للصحافية المستقلة شفاء القضاة حيث تصف حجم التحدي الذي يواجه حتى المتخصصين بقولها: "عشرات الفيديوهات والصور أصادفها يوميا مولدة بالذكاء الإصطناعي، أستطيع القول إنها غالبا ما تكون أكثر من الصور الحقيقية"!

تصف القضاة حالة الحيرة التي تشعر بها  :" أحيانا أقع في لبس للوهلة الأولى، وأحيانا أخرى يصعب علي حقا تمييز ما إذا كانت المادة حقيقية أم لا"، وتؤكد أنها تلقت مؤخرا تدريبات للكشف عن الصورة المولدة.

وفي حديثها انتقاد حاد للمواقع الإخبارية بضرورة التعامل الأخلاقي مع هذه الأدوات، مشيرة إلى  ما ينشر دون أدنى تثبت من صحته، مستذكرة كيف أدى هذا الإهمال إلى تشويه الرموز الوطنية في مناسبات رسمية، لأن تلك المواقع اعتمدت على الذكاء الاصطناعي دون تدقيق قبل النشر، مما أدى لظهور صور للعلم الأردني مس اللون والنجمة.

أما جدل المسؤولية فتحسمه شفاء بالقول:" ليس من واجب الجمهور إمتلاك مهارات التحقق، بل على المؤسسة الإلتزام بكتابة جملة صريحة "صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي"؛ لعلاج إشكالية غياب الإفصاح. هذا ويعرّف غياب الإفصاح بأنه نشر محتوى نصي أو بصري بواسطة الذكاء الاصطناعي دون إدراج وسم واضح.

حالة الصدمة التي عاشتها آية، والحيرة فيما وصفته شفاء ليست مجرد حالة فردية فحسب، بل تعكسان ما يواجهه الكثير من المواطنين و الصحفيين في الأردن خلال تصفحهم اليومي لمنصات التواصل، إذ يتبادر لأذهانهم سؤال يتكرر "هل الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي أم حقيقة"؟ يعود  ذلك بشكل أساسي لما لوحظ من عدم الإفصاح عن استخدامه في كثير مما ينشر على مواقع إخبارية محلية.

النقابة تتحرك

انتبهت نقابة الصحفيين ربيع هذا العام في الثاني من شهر نيسان (أبريل) 2026  لمسألة التضليل تلك، فبادرت إلى إصدار بيانا دعت فيه المؤسسات الإعلامية إلى الالتزام بجملة من المعايير، من أبرزها الإفصاح الصريح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج أي صورة، وتجنب استخدام صور في سياق إخباري يوحي بأنها وقائع حقيقية، ومنع التزييف العميق خاصة في قضايا الأمن الوطني والضحايا، داعيا لضرورة المراجعة قبل النشر.


*تم إنشاء انفوجرافيك ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) بأداة  NoteBook LM  وهي من أدوات AI.

 

وانطلاقا من هنا، قامت معدة التقرير بالكشف عن ضعف الالتزام بالإفصاح ومراعاة الشفافية، بعد عملية منهجية في الرصد والتحقق  من المحتوى المرئي" الصور" اختبرت خلالها ستة مواقع إخبارية أردنية  خاصة على منصة "فيسبوك" وهي عينة غير ممثلة، وتم حجب أسماء المواقع لما قد يحول التقرير إلى مساءلة علنية لمؤسسات بعينها.

هذا واختيرت العينة  وفق معياري الأكثر نشرا وتفاعلا، خلال شهر أيار (مايو) 2026م؛ وهي الفترة التي أعقبت البيان.

رصد التقرير أكثر من 10 آلاف  منشورا  وحدد نحو 160 صورة تم الاشتباه بأنها صورا مولدة، وتحقق من البصمة الرقمية لـ 145صورة  مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي تضمنت شخوصا، شملت أدوات التحقق (  Zero GPT - أتاح مؤخرا ميزة التحقق من الصور) و Hive ، Google Lens . Ai Or Not

ولم تعتمد عملية التحقق على أداة  كشف ألي واحدة نظرا لاحتمالية الخطأ، بل استندت إلى تحقق متعدد الأدلة من كواشف الذكاء الاصطناعي، قورنت النتائج واعتمدت أعلى نتيجتين للكشف عن كل صورة بما نسبته 50% فأعلى، وتم استبعاد ما لم يثبت ذلك.

كشفت نتائج الرصد عن فجوة شفافية، وأظهرت أن ثلثي الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي بلا إفصاح،  وبنسبة 64%  من أصل 145 رصدت من  المواقع الستة، واللافت برز موقع  وحيد التزم بالإفصاح كحد أعلى بنسبة بلغت  63%، في حين تلاه  مباشرة  موقع  آخر بنسبة امتثال منخفضة جدا لم تتجاوز  الربع (25%).

وبغرض دقة المقارنة الإحصائية استثني أحد المواقع نظرا لنشره صورة واحدة مولدة من أصل 1269، عومل كقيمة متطرفة، لذا اقتصرت الرسوم على تحليل المواقع الخمس الأكثر اعتمادا على المحتوى المولد. 

 


 *تم إنتاج هذا الرسم باستخدام  موقع  ويب Flourish  بعد أمر موجه لـ    Notebook LM لاختيار أفضل رسم لتصوير البيانات.

 

ومن زاوية أخرى،  يمثل الرسم البياني  ضعف الالتزام بمعيار وضوح الإفصاح، إذ إن ربع المحتوى البصري المولد بالذكاء الاصطناعي لا يحقق معايير الوضوح  والشفافية  ضمن إجمالي الصور المولدة والمنشورة في المواقع الخمس خلال شهر أيار، فهناك من اكتفى بكتابة "صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي" أو " AI Generated"  في ذيل الصورة بخط صغير يصعب انتباه الجمهور إليه. 


* تم  إنتاج الرسم التوضيحي باستخدام موقع ويب flourish  نسخة محدثة.

رغم تحذيرات النقابة لتجنب استخدام "التزييف العميق" في التغطيات الإخبارية والقضايا على وجه الخصوص، تم رصد ممارسات مضللة عبر نشر صور دون إفصاح في عدة مواضيع.  

 


* تم إنشاء الانفوجرافيك باستخدام أداة NoteBook LM من أدوات الذكاء الاصطناعي  النسخة المدفوعة، والصور المرفقة به صور مولدة من منشورات أحد المواقع في شهر أيار 2026 م. تم تظليل  اسم الموقع.

 

آثار اجتماعية مقلقة

لا تقف حدود تلك الممارسة عند المخالفة المهنية، بل تمتد لتحدث آثارا اجتماعية مقلقة تطال الوعي، تضع ميساء الرواشدة أ.د في علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، المشهد في سياق منظور البنائية الاجتماعية لتقول:"الواقع الاجتماعي يُبنى من خلال الرموز والصور والخطاب، لذا دمج الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي  في التغطية الإخبارية دون تمييز يجعلها تشارك في صناعة "واقع متخيل بديل" وبذلك ليحل فيه المصطنع محل الحقيقة لإيهام المتلقي بوجود توثيق فعلي.

 

وتكمن الخطورة بحسب الرواشدة  في أن الانطباع البصري الأول يظل راسخا في الذاكرة ويصعب انتزاعه حتى بعد اكتشاف الحقيقة، وهو ما يفسر قدرة الصور على تشكيل المواقف السياسية والاجتماعية وإثارة الخوف أو الغضب أو التعاطف، لذا عندما يكتشف الجمهور أن الصور المنشورة ليست حقيقية، أو يشك في ذلك، فإنه لا يفقد الثقة بالصورة فقط، بل قد يفقد ثقته بالمؤسسة الإعلامية و المحتوى الإخباري عموما.

 

وتصف التوجه بخلق إشكالية أخلاقية لا يزيلها مجرد الإفصاح الشكلي؛ إذ قد تحمل الصورة المولدة تفاصيل وانفعالات ومشاهد لم تحدث أصلا،  وتترك أثرا نفسيا عميقا  لدى المتلقي الذي يميل بطبعه إلى "إسقاط الصورة على الواقع"، كما تلفت الانتباه إلى طبيعة السلوك الرقمي للمستخدمين الذين يتصفحون الصور بسرعة، مما قد يجعلهم يغفلون عن التنويه.

ولذلك تخلص الرواشدة إلى نتيجة حتمية، وهي أن "الإفصاح شرط ضروري، لكنه ليس كافيا"، لا سيما في مجالات الأخبار السياسية والقضائية والكوارث والحروب والضحايا، حيث لا يمكن استبدال الحقيقة بمحاكاة بصرية تضلل الرأي العام.

تحديات الصحفيين في غرف الأخبار

خلف تلك الآثار دوافع مخاض عسير في محاولة الصحافة اللحاق بركب التطور على الساحة الدولية، حيث تضع سامية عايش الخبيرة في مجال الابتكار والذكاء الإصطناعي في غرف الأخبار إصبعها على الجرح المهني، لتقول:" إن غياب الإفصاح يتجاوز الإهمال التقني ليصبح نوعا من التضليل الذي يحجب المصدر الحقيقي للمحتوى، ما يضع الصحفي في مأزق تزييف الوعي الجماعي" وتضيف مؤكدة تحدي امتلاك الجميع لنفس الوعي في تمييز المحتوى.

ولدى سؤالها عن كيفية المواكبة دون فقدان ثقة الجمهور تقول:" أشجع استخدامه بنظرة مستقبلية استشرافية، فلا نريد خلق "وصمة" توحي بأننا نواكب التطورات والتقنيات ثم ننتقد المؤسسات على استخدام الأدوات ".

وتضيف بأن الاستخدام يجب أن يكون مرتبطا بسلوكيات عقلانية تحمل المسؤولية الأخلاقية، فمن حق القارئ أو المستخدم الوصول إلى المعلومة ومعرفة مصدرها كما هو الحق للصحفي، فيجب أن نفصح ونكون شفافين حيال هذا النوع من الاستخدام.

هذا الطموح نحو المأسسة بات دعوة حتمية في أدبيات الصحافة العالمية، فوفقا لتقرير بحثي مشترك ما بين شبكة أريج للصحافة الاستقصائية وعدة جهات دولية صدر عام 2026  بعنوان" اضطراب المعلومات والمرونة في الجنوب العالمي" أشار إلى أن "استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة يضيف مخاطر جديدة ويفاقم التحدي القائم لا سيما في العالم العربي.".(ص:109)

كما يبين التقرير أن الصحفيين يجدون أنفسهم  في مواجه تحديات أخلاقية ومهنية إذ يتركون للتعامل مع تبني الذكاء الاصطناعي بمفردهم دون توجيه، وقد طرح التقرير العديد من أمثلة الأخبار المزيفة المولدة بالذكاء الاصطناعي،  التي تسهم في تراجع ثقة الجمهور في وسائل الإعلام نتيجة لذلك.

 

بينما حاولنا في هذا التقرير التواصل مع نقابة الصحفيين - بوصفها الجهة المصدرة للبيان - للتعليق على نتائج الرصد ومعرفة مرجعية المحاسبة، لم نتلق ردا؛ حول "ضعف الامتثال عن الإفصاح والمؤشرات الواردة في التقرير.

تم التوجه إلى الدكتور بركات الزيود مدير مرصد "أكيد"  ليوضح أن خطورة  الأبعاد المهنية لممارسات بعض المواقع في إخفاء هوية المحتوى المولد آليا تندرج ضمن "الاضطراب المعلوماتي"، حيث تخلق صراعا لدى الجمهور بين التصديق والرفض، وتزداد خطورة هذا الاضطراب بشكل ملحوظ إذا تأخرت المصادر الموثوقة في تقديم روايتها.

يؤكد  الزيود بأنه تم رصد 123 محتوى مضلل خلال شهري آذار(مارس) ونيسان (أبريل) بنوعيه المرئي والمكتوب، بسبب التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية  التي شكلت وقودا لهذا التضليل، الذي بلغ ذروته التقنية عبر ما يعرف بـ "التزييف الحي"؛ مما يجعل كشفه عسيرا على المتلقي العادي، كما حدث في المقاطع المزيفة التي روجت لسقوط صواريخ على قواعد عسكرية أردنية.

وقد بلغت نسبة الإفصاح حينها 85% بحسب الزيود،  مؤكدا التزام وسائل الإعلام الأردنية بضوابط الإفصاح، ويعود الاختلاف بين نتيجة أكيد ونتائج الرصد لاختلاف فترات الرصد والعينة، إذ تختصر نتائج رصد معدة التقرير على عينة غير ممثلة لشهر أيار.

أما عن التحدي الذي يواجه المرصد يقول:" نحتاج إلى مزيد من الدعم لتوسيع شريحة التوعية باستخدام برامج الرصد وحماية الجمهور عبر الدراية الإعلامية والمعلوماتية"، ونوه بأن مبدأ مرصد أكيد   قائم على النصيحة للجهات الإعلامية لا على مبدأ العقاب. 

وفي تقييمه لآليات المجابهة، يؤكد الزيود بأن "ملصقات الإفصاح" أو التنويهات النصية البسيطة تظل غير كافية لمنع التضليل؛ مبررا ذلك بطبيعة السلوك البشري الذي يميل إلى "نقل الكذب والإشاعات أكثر من ميلهم إلى نقل النفي"، فضلا عن العوائد المالية الضخمة التي يجنيها مروجو التضليل من حجم التفاعل.

ولقد أفصح عن  إعادة تدوير الصور المولدة من مقاطع الحرب الروسية على أوكرانيا ونسبها إلى الأردن، فيما لم يدقق كثيرون في هذه المقاطع رغم أن الشوارع والمباني ليست أردنية!

 

خارطة الحوكمة وفق الخبراء

وبسؤال الخبيرتين الرواشدة وعايش عما إذا كنا سنبقى مكتوفي الأيدي أمام هذا التحدي، تضع الرواشدة  خارطة طريق تتوزع على ثلاثة مستويات لحماية الحقيقة؛ مهنيا، يجب حظر استخدام الصور المولدة في توثيق الأحداث الواقعية، مع إلزام المؤسسات بوضع إفصاح بارز وتطوير مدونات سلوك خاصة بالذكاء الاصطناعي، وقانونيا،  من خلال سن تشريعات تفرض عقوبات على التضليل البصري، واعتبار عدم الإفصاح مخالفة صريحة لحق الجمهور في المعرفة الصحيحة .

أما مجتمعيا، فيجب التوجه لتعزيز التربية الإعلامية وتدريب الجمهور على أدوات التحقق الرقمي؛  ليبقى الإعلام مؤسسة لإنتاج المعرفة العامة،  لإنتاج الانطباعات المضللة.

بينما تؤكد عايش أن هذا الواقع يفرض على المؤسسات ضرورة الانتقال من مجرد "المعرفة بالاستخدام" إلى "مأسسة غرف الأخبار" عبر بناء سياسات تحريرية واضحة وأدلة أخلاقية تنظم هذا العمل، تقول:" لا يجب أن نكتفي ببناء معرفة بالاستخدام فقط، بل بناء "خارطة طريق" للعاملين وللأجيال القادمة حول كيفية استخدام أخلاقيات الذكاء الإصطناعي في غرفة الأخبار".

لماذا يحدث ذلك؟

في ظل هذا التحول، يرى محمد عرسان، رئيس تحرير راديو البلد، أن الصحافة تشهد إعادة تشكيل كاملة بفعل الذكاء الاصطناعي؛ ومع انفتاحه على استخدام هذه الأدوات، فهو يستخدمها لتسهيل بعض المهام، تفريغ المقابلات وتقطيع الفيديو، ولدى موقعهم سياسة تحريرية تنص على عدم نشر أخبار مضللة، ويتطلع لتضمين الذكاء الاصطناعي صراحة فيها.

يشدد عرسان على ضرورة تأطير سياسات تحريرية تمنع التضليل، وعن دور الصحفيين يقول: "يجب على كل صحفي أن يمتلك مهارة استخدامها، مع التزامه بالمصداقية والروح الإنسانية فهما المعيار الأخلاقي الراسخ الذي لا يمكن تجاوزه"، محذرا من أن الارتهان للآلة دون تدخل بشري ينتج محتوى "باردا وجامدا".

ويشير بأسف لهذا الفراغ التنظيمي، ويكشف بأن هذا الغياب دفع المؤسسات لتجارب عشوائية أثارت الجدل والالتباس في أوقات الأزمات، وبالأخص مع قدرة الصور المولدة على منح انطباعات خادعة بوقوع أحداث وهمية ، لذا، يدعو عرسان إلى ضرورة وضع "تنويه واضح أو وسم يوضح أن المحتوى عبارة عن صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي"، منتقدا التضحية بالإفصاح سعيا خلف "الترند".

يتفق ما ذكره عرسان  مع توصيف الرواشدة للنشر دون إفصاح بأنه 'استثمارا في اقتصاد الانتباه'، حيث تصبح قيمة المحتوى مرتبطة بالقدرة على جذب النقرات أكثر من ارتباطها بالدقة والموثوقية.

 


*تم إنشاء الانفوجرافيك باستخدام NoteBook LM بناء على تصريحات الرواشدة والزيود وعرسان.

 

حاولت معدة التقرير التواصل مع أحد أكثر موقعين نشرا  لصور مولدة بالذكاء الاصطناعي دون إفصاح، لكنها لم تتوصل إلى أي رد حتى كتابة التقرير. 

المرجعية الدولية و المأزق القانوني

التشخيص المحلي  لضعف الإفصاح والفراغ التنظيمي والأثر النفسي يعكس صدى القلق الدولي الموثق في  النقطة 61 من توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021) وجاء فيها "يجب أن تتوافق التعديلات التي يجري إدخالها على التشريعات الوطنية الموجودة، وكذلك التشريعات الوطنية الجديدة التي يجري سنها بشأن نظم الذكاء الاصطناعي مع واجبات الدولة المتعلقة بحقوق الإنسان.." كما ودعت جميع القطاعات للإمتثال لهذه التوصية.

وعلى الصعيد العربي، وبناء على تقرير صدر عن وحدة أبحاث ودراسات عرب نيوز بالتعاون مع مؤسسة دبي للمستقبل بعنوان "ثورة الذكاء الاصطناعي في إعلام الشرق الأوسط: المخاطر والمكافآت والواقع" الصادرة عن "عرب نيوز" ومؤسسة دبي للمستقبل في ديسمبر 2025، يمثل غياب الإفصاح عن الصور المولدة آليا تهديدا وجوديا لثقة الجمهور.

 حيث حذر خلفان بلهول - الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل- في مقدمة التقرير قائلا: "إذا قامت المؤسسات الإعلامية بنشر الذكاء الاصطناعي دون شفافية وحوكمة وإشراف بشري قوي، فإنها ستسرع من حالة عدم الثقة التي تسعى للتغلب عليها"،  وتتجلى خطورة هذا التوجه في إحصائيات الدراسة التي كشفت أن 76% من الجمهور يعتقدون أنه من المهم الإفصاح لدى استخدام هذه التقنيات . صفحة (3-16)

 

مرت خمسة أعوام على دعوة اليونسكو، فبينما  نسمع محاولات ترسم ملامح الحوكمة عالميا،  يواجه الوسط الصحفي في الأردن فراغا تنظيميا، يشرح أبعاده الخبير القانوني يحيى شقير حيث أكد غياب قانون خاص لاستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لذلك إذا حدث أي إشكال أو مخالفة يتم الرجوع للقواعد العامة في الجريمة والعقاب، فمثلا إذا تم نشر صورة مسيئة لشخص مولدة بالذكاء الاصطناعي يتم محاسبة الفاعل ووسيلة النشر حسب قانون المطبوعات والنشر إذا كان النشر جرى في المطبوعات أو المواقع الإخبارية المرخصة أو بالمحطات التلفزيونية.

أما إذا كان النشر بمنصات التواصل الإجتماعي فلهذه الوسائل هنا يتم تفعيل قانون الجرائم الالكترونية أو قانون العقوبات أو قانون حق المؤلف أو أي قانون آخر، وبالنسبة لنظام تنظيم الإعلام الرقمي فالمخاطب به  بحسب شقير المؤثرين ويصفه بالقول:" هو نظام عقابي وأقرب إلى توجيهات وأعتقد أنه مشكوك في مشروعيته القانونية ومن السهولة لكل متضرر منه الطعن بعدم الدستورية"

يتقاطع هذا الطرح القانوني مع رؤية عايش حيث أشارت إلى أن قضايا الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار قد تجاوزت الجدل المهني لتصل إلى أروقة المحاكم عالميا، خاصة في ملفات انتهاك الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية.

ومع استمرار التجاوزات يظل وعي الجمهور الجبهة الأكثر هشاشة أمام محتوى مولد اصطناعيا بلا إفصاح، ما يبقي آية أمام جوهر الأزمة لتتذكر صورة المسن "المزيفة" وسؤالها المُلح: "كم شخص يمكن أن يمر به الخبر ليفهمه بشكل خاطئ"؟

"تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام  لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية".

"استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل، وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه".