... وتبقى إسرائيل الخطر الوجودي

فجّرت إسرائيل وأميركا زلزالاً لا يُعرف مدى تداعياته على المنطقة والعالم وعمقه. تريد الأخيرة تأكيد أنها القوة العظمى الوحيدة في الكون، وتريد دولة الاحتلال بسط هيمنتها على دول المنطقة وشعوبها، غير مكترثةٍ بمآلات كل الدمار على الشعوب وعلى اقتصاد العالم، فكل شيء يهون في سبيل "كرسحة إيران"، لأنه لا يُسمح لأي قوة أن تبقى غير إسرائيل ومشروعها التوسعي، وهذا بذاته تذكير بأنها، وليس إيران، تبقى الخطر الوجودي والاستراتيجي على المنطقة.

... نعم، لقد تعاملت إيران مع العالم العربي بوصفه خصماً، لكنها تبقى دولة أصيلة، ويجب أن نفرّق بين هذا وأنها خصم أو أن سياساتها وتحرّكاتها جعلت منها خصماً لن يغفر له من عانى من ظلمه. ولكن هذا لا يعني الانجرار إلى تحالف عسكري إقليمي لمواجهة إيران بقيادة أميركا، خصوصاً أن هذه بسياستها وحربها هي التي عرّضت وتعرّض المنطقة وشعوبها لما قد يكون أكبر خطر في تاريخها.

الموقف العربي الضعيف الذي اجتمع لإدانة الصواريخ الإيرانية الموجّهة إلى قواعد ومصالح أميركية، وقد استهدف بعضها دون مبرّر منشآت حيوية في الخليج العربي، لم يجتمع على إدانة القوى البادئة بالحرب، بل لنكون أكثر دقة: العدوان على إيران وعلى أمننا وسلامة شعوبنا. إدانة الضربات الإيرانية مفهومة، لأنها طاولت أهدافاً تتعدّى الوجود العسكري الأميركي، خصوصاً أن دولاً خليجية، تحديداً قطر وعُمان، لم تتوقفا عن اتباع الوساطة سبيلاً للتهدئة ووقف الحرب.

صحيحٌ أن هذه القواعد التي أنشأتها أميركا، بهدف إحكام سيطرتها على المنطقة ولحماية إسرائيل، وضعتنا جميعاً في أتون الحرب المشتعلة، أي إن أميركا ورّطتنا بحرب هي التي أرادتها بخيار لرئيسها المنفلت دونالد ترامب، وبتحريض من المستوطن المجرم بنيامين نتنياهو.

لقد تعاملت إيران مع العالم العربي بوصفه خصماً، لكنها تبقى دولة أصيلة

هذه ليست حرباً للدفاع عن أميركا حتى، وقد قال هذا أعضاء بارزون في الكونغرس، منهم إليزابيث وارين وبيرني ساندرز ومايكل ميرفي، وحتى تشاك شومر المعروف بتأييده إسرائيل، فهم لم يجدوا خطراً يهدّد أميركا، وحتى إسرائيل، يبرّر قرار الحرب. ولكن نتنياهو وترامب عملا على التأليب وادعاء أن إيران وليس إسرائيل هي الخطر على المنطقة، وإجبار الدول العربية على الإقرار بذلك، ومحاولة الدخول تحت حماية إسرائيل، وهي خطط معلنة رُوِّجَت تحت عدة مسميات. كذلك وجدتها إسرائيل فرصة لحرف الانتباه عن عمليات التطهير العرقي في الضفة الغربية، وترسيخ احتلال أميركي إسرائيلي لقطاع غزّة؛ فالحرب هناك لم تنته، بل أصبح الموت يأتي أهل غزة بوتيرة أبطأ، لكنه لا يتوقف.


فكرة أن إيران هي الخطر الوجودي الذي يحتم تحالفاً عربياً إسرائيلياً تحت قيادة أميركية ليست جديدة، ومعروف أن نتنياهو لم يفوت فرصة منذ عقود، أي بعد الثورة الإيرانية التي أطاحت حليف إسرائيل، الشاه محمد رضا بهلوي، وقبل أن يصبح مسؤولاً كبيراً، فكان في كل محفل يدّعي أن إيران هي العدو الوجودي للمنطقة، ويصوّر إسرائيل حاملة للوئام والسلام، مستخدماً خرائط وبياناتٍ ثبت زيفها. يعلن منذ أكثر من عشرين سنة أن إيران على وشك إنتاج القنبلة النووية، ولا يفتأ يكرّر الكذبة، وقد رأينا ترامب يرددها دون تحقق أو اكتراث بصحتها ليبرّر العداء لإيران، وأخيراً الحرب. وأميركا، وحتى قبل ترامب، كانت أيضاً تردّد أن التهديد الاستراتيجي للمنطقة، هو إيران وليس إسرائيل، واستهدفتها منذ الثورة، ودول عربية، وعدد منها شاركت بمعاداة إيران منذ أول يوم للثورة. ولنقرّ بأن قرار الرئيس العراقي صدّام حسين إلغاء معاهدة الجزائر الموقعة عام 1975 لحل النزاع حول الحدود سلمياً كان بمثابة إعلان حرب.

ليس سرّاً أن الدول الحليفة لأميركا في المنطقة، وأهمها دول خليجية في حينها، شجّعت، بل دعمت قرار الرئيس العراقي في حينها، وبالتالي عقدت قمة عمّان في عام 1980، لإعلان دعم معظم الدول العربية الحرب، واعتبار إيران العدو الأساس.

لم تتبنّ الدول العربية أي استراتيجية للدفاع عن مصالح شعوبها بمعزل عن اندماجها بالأجندة الأميركية

منها بدأت حملة لتغيير الوعي بدعم وتحريض أميركي معلن بهدف تهميش القضية الفلسطينية، بلغت ذروته عشية قمة عمّان في 1987، التي اعتبرت خطاباتٌ رئيسة فيها إيران العدو الاستراتيجي للعالم العربي، حتى إنه جرى تهميش الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بشكل واضح، ما أشعل مظاهرات في الضفة الغربية ضد القمّة والتغيير الواضح في اللهجة حيال القضية الفلسطينية. لكن الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت بعد أيام أعادت الأمور إلى نصابها، والقضية الفلسطينية إلى الصدارة، إلا أن أميركا وإسرائيل مضتا في سعيهما لتقليص أهمية القضية الفلسطينية في الخطاب العربي الرسمي والوعي الشعبي، وإحلال إيران بدل إسرائيل عدواً رئيسياً، بما يناسب الادّعاء الصهيوني أن إسرائيل يتهدّدها خطر وجودي، بعد أن حل نظام يؤيد الفلسطينيين وقضيتهم في طهران بدلاً من حليفها الوثيق الشاه المخلوع.

يجب الإقرار أيضاً بأن إيران لعبت دوراً مهماً في زرع شكوك الدول العربية بسياستها، وحكامُها الذين استمرأوا السلطة غرّهم الحكم؛ فحين قرّر صدّام الانسحاب من أراضٍ إيرانية، كان الجيش العراقي توغل داخلها، معلناً استعداده لإنهاء الحرب، عام 1984، أصرّت إيران على الاستمرار قدماً بها حتى عام 1988. ثم تواطأت إيران في الحرب الأميركية على العراق عام 1991 وغزو العراق عام 2003، طمعاً بترسيخ حكم الأحزاب الشيعية الموالية لها، وما سبّبه هذا من أضرار ومن مضاعفة معاناة العراقيين من تداعيات الغزو الأميركي وسنوات الحصار الغربي المميت للعراق. تبع هذا تحوُّل الدعم الإيراني الاستراتيجي لدمشق بدعوى تمكين سورية في مواجهة الضغوط الإسرائيلية إلى تدخل مباشر بدعم ومساعدة النظام هناك بالقمع الدموي للشعب السوري، وهو جرح باقٍ ومفهوم، ومشروع للسوريين ولنا عدم النسيان والغفران.

... لنعترف بأن استمرار التعاطف الشعبي العربي مع إيران كان مردُّه، ولا يزال، التناقض الصارخ بين التواطؤ والخذلان العربي والخنوع لإسرائيل، وبين دولة، وهي إيران، تحافظ على مكانتها دولة في الإقليم وتدعم المقاومتين، الفلسطينية واللبنانية، وإن كان هذا الدعم مربوطاً بمصالح إيران إلى درجة أن دخول حزب الله في الحرب أخيراً أعطى ذريعة لإسرائيل بأن تبث دماراً غير مسبوق بلبنان وأرضه وشعبه.

إسرائيل تمثل مشروعاً استيطانياً استعمارياً معلناً، لا يمكن إنجاحه إلا بالقضاء على ما تبقى من هوية عربية

ملخص القول، لم تتبنّ الدول العربية أي استراتيجية للدفاع عن مصالح شعوبها بمعزل عن اندماجها بالأجندة الأميركية، ولم تلجأ الدول العربية إلى العمل الجماعي لحل المشكلات مع إيران. فالنظام العربي الرسمي لم يكن يسعى للدفاع عن الشعوب والأمن القومي، بل لمجاراة أميركا، ولم يتخذ موقفاً مستقلاً حازماً حيال إيران، بل جعلنا أداة لأميركا، وبالتالي أضعفَ الموقف العربي أمام إيران، واستكان أمام التهديدات الإسرائيلية اليومية باستباحة كل الأوطان العربية، بعد استباحته أرض فلسطين. ولم يكن المأزق السياسي العربي على أشدّه كما الآن، والأولوية حالياً لجهود وقف الحرب، فلا معنى لشيء دون وقف الحرب.

من الصعب التكهن أو حتى الأمل بأن هذه المحنة قد تضطر الدول العربية إلى استنتاج أن الموقف الموحد المبني على حماية الأمن القومي العربي بعيداً عن الانجرار في تحالف يجعلنا أدواتٍ في حروب اسرائيل وأميركا هو المخرج الاستراتيجي، لكن من دون أن نعي بوضوح أن إيران قد تكون خصماً قد تمادى مستغلاً غياب موقف عربي متماسك. لكن إسرائيل تمثل مشروعاً استيطانياً استعمارياً معلناً، لا يمكن إنجاحه إلا بالقضاء على ما تبقى من هوية عربية، ليس بالمفهوم الشوفيني الإقصائي، بل بمفهوم مواجهة المشروع الصهيوني.

لا يمكن الاستمرار بالتعامل مع إيران أو حتى تركيا من المنظور الإسرائيلي الأميركي: فلماذا قد تهتم هذه الدول بمصالحنا إذا نحن رهنّا هذه المصالح بإسرائيل وأميركا؟

*العربي الجديد