هل جسدت السينما عالم جزيرة إبستين قبل انكشافه؟ قراءة في “Eyes Wide Shut” و“Hostel” بين الخيال والفضيحة

الرابط المختصر

 مع عودة اسم جيفري إبستين إلى واجهة الأخبار إثر تطورات قضائية ووثائق أعيد تداولها أخيرا، شهدت بعض الأعمال السينمائية القديمة موجة اهتمام غير مسبوقة، وفي مقدمتها فيلم “Eyes Wide Shut” للمخرج ستانلي كوبريك، وفيلم الرعب “Hostel” لإيلي روث. لم يأت هذا الاهتمام من فراغ، بل من إحساس متنام لدى الجمهور بأن السينما، أحيانا، تلتقط ملامح من واقع لا ينكشف إلا لاحقا.

من الرمز إلى الشبهة

فيلم “Eyes Wide Shut” الصادر عام 1999 لم يكن يوما فيلما عن مؤامرة محددة أو عن شبكات إجرامية واقعية، لكنه قدم عالما مغلقا تتحرك داخله نخبة محصنة بالمال والنفوذ، تعمل وفق قواعدها الخاصة، وبعيدا عن أي مساءلة. ومع تصاعد النقاش حول قضية إبستين، بدأ هذا العالم السينمائي يُستدعى بوصفه أقرب تمثيل بصري متخيل لما كُشف لاحقا عن نمط حياة النخب المتورطة.

المقارنات التي انتشرت على وسائل التواصل لم تركز فقط على الفكرة العامة، بل ذهبت إلى تفاصيل بصرية وسلوكية، مثل القصور المعزولة، الحفلات المغلقة، الطقوس الصامتة، والأدوار المجهولة. هكذا انتقل النقاش من سؤال فني حول نية كوبريك، إلى سؤال ثقافي أوسع حول قدرة السينما على التقاط بنية السلطة السرية قبل انكشافها.

فيلم القلق لا فيلم الكشف

من المهم التمييز بين التمثيل الرمزي والتوثيق. “Eyes Wide Shut” مقتبس من رواية “قصة حلم” لآرثر شنيتزلر، وهي رواية نفسية بالأساس، تشتغل على الغيرة والهوية البرجوازية والهشاشة الأخلاقية. كوبريك نقل هذه الثيمات إلى سياق أميركي معاصر، واستخدم الغموض أداة أساسية، فلم يشرح طبيعة الجماعة المقنعة، ولم يمنح المشاهد إجابات قاطعة.

هذا الغموض هو ما منح الفيلم عمره الطويل، وهو أيضا ما جعله قابلا للإسقاط مع كل فضيحة كبرى تتعلق بالنخب. فالفيلم لا يقول إن هذه الطقوس موجودة فعلا، بل يقول إن احتمال وجود عالم مواز تحكمه قواعد أخرى هو احتمال مخيف بحد ذاته.

“Hostel” من الخيال الفج إلى الصدمة الأخلاقية

على الطرف الآخر، يقف فيلم “Hostel” الصادر عام 2005، وهو عمل لا يعتمد الرمز بقدر ما يعتمد الصدمة المباشرة. الفيلم يقدم نخبة ثرية تدفع المال مقابل تعذيب وقتل ضحايا في غرف مغلقة، في إطار منظمة سرية عابرة للحدود. لسنوات، عُد هذا الطرح مبالغة سينمائية تنتمي إلى أقصى خيال الرعب.

غير أن ما كشف لاحقا عن شبكة إبستين، من استغلال ممنهج، ونقل ضحايا، وتواطؤ شخصيات نافذة، جعل بعض الجمهور يعيد النظر في الفرضية الأساسية للفيلم. ليس من حيث التفاصيل الدموية، بل من حيث الفكرة الجوهرية، وهي تحويل البشر إلى سلع داخل منظومة ترف منحرفة، محمية بالمال والسلطة.

لماذا تعود هذه الأفلام الآن؟

عودة هذه الأعمال لا تعني أنها تنبأت بما سيحدث، بل تعكس أزمة ثقة عميقة في السرديات الرسمية. حين يشعر الجمهور أن الحقيقة مجتزأة أو مؤجلة، يلجأ إلى الثقافة الشعبية بحثا عن معنى. هكذا تتحول أفلام مثل “Eyes Wide Shut” و“Hostel” إلى مرايا للقلق الجمعي، لا إلى أدلة إدانة.

هذا النمط تكرر تاريخيا مع أفلام أخرى، مثل “All the President’s Men” في أزمات الثقة بالصحافة، و“Chinatown” عند مناقشة تواطؤ المال والقانون، و“The Truman Show” في زمن المراقبة الشاملة. السينما هنا لا تكشف الواقع، بل تمنح اللغة التي يُفهم بها.

لا توجد أدلة تربط بين أفلام كوبريك أو إيلي روث وبين جرائم جيفري إبستين بشكل مباشر. لكن التشابه الذي يراه الجمهور اليوم ليس وهما خالصا، بل نتاج تلاقٍ بين خيال سينمائي اشتغل على بنية السلطة، وواقع كشف عن هشاشة منظومة العدالة أمام نفوذ النخبة.