من يريد ضم الضفة الغربية إلى الأردن؟

الرابط المختصر

أثار مقال نشره رجل أعمال أردني من أصل فلسطيني في مجلة فورين بوليسي الأميركية، دعا فيه إلى ضم الأردن الضفة الغربية وقطاع غزة حلا نهائيا لإرساء "السلام" في المنطقة، حفيظة أغلب الأردنيين والفلسطينيين، إذ إنه يحاول أن يقدّم حلا، أولا وأخيرا، للمعضلة الصهيونية، وإنهاء حقوق الشعب الفلسطيني على حساب كل من الأردن وفلسطين.
لا يمكن أن يكون كاتب المقال حسن اسميك، وهو مقيم في الإمارات وغير معروف في أي دور سياسي، وراء الطرح المقدّم المليء بالتفاصيل والأرقام، والممعن، في الوقت نفسه، في الجهل المُتَعمَد بتاريخ المشروع الصهيوني وتاريخ الشعبين الأردني والفلسطيني، فالحل المُقَدَم لا يمكن أن يقبله الإسرائيليون كما هو، إذ ينادي بوضع المستوطنين اليهود، غير الشرعيين، تحت الإدارة الأردنية، وتمثيلهم في مجلس النواب والحكومة. ولكن مجرّد تقديم مشروع الضم إعلاميا عمل مشبوه، يُراد به زرع فكرة إنكار الهوية الفلسطينية عن الأرض والشعب، لفرض شرعية المشروع الكولونيالي الصهيوني،  وهذا خطير بحد ذاته، خصوصا أنه يعمّق المخاوف الحقيقية والمتخيلة من اندثار الهوية الأردنية نفسها في مشروع هلامي لإنقاذ إسرائيل من ورطة الاستمرار في السيطرة على شعبٍ هو نقيض هويتها الاستعمارية والعنصرية.

هناك تيار يزداد تأثيرا يعتقد أن هناك خطرا على الهوية الأردنية من أي "حل" ينتج أغلبية فلسطينية، ويرفض فكرة المواطنة والمساواة

حسن اسميك ليس مهما في حد ذاته، خصوصا أنه لا يحظى بأي صدقية واحترام في الأردن، لشبهات فساده التي أدّت إلى استقالة محافظ البنك المركزي، فارس شرف، عام 2011 الذي أصرّ على تحويل المليونير الأردني إلى القضاء بتهمة غسيل أموال، لكن أجواء الشك التي تسيطر على الرأي العام في الأردن أن أميركا على استعداد للتضحية بالأردن لتصفية القضية الفلسطينية تزيد الجدل القائم بشأن الهوية الأردنية تشويها يعمّق من مخاوف بعضهم من "سيطرة الفلسطينيين على مفاصل الدولة" مستقبلا، فالحل الذي يطرحه من هم خلف اسميك ليس جدّيا في كل تفاصيله، ففكرة ضم المستوطنات والمستوطنين غير مقبولة، وطبعا غير مقبولة صهيونيا، لكنها تصب في غرض إحداث بلبلة تخيف الأردنيين، وتضع الأردنيين والفلسطينيين، سواء من مواطنين أردنيين من أصل فلسطيني أو في الداخل الفلسطيني، في موضع العداء المتبادل والصراع، خصوصا أن هناك تيارا يزداد تأثيرا يعتقد أن هناك خطرا على الهوية الأردنية من أي "حل" ينتج أغلبية فلسطينية، ويرفض فكرة المواطنة والمساواة تحت أي مسميات، بل هناك عداء مسبق لتعيين أي أردني من أصل فلسطيني في الدولة الأردنية، كما أظهرت تعليقات حادّة على التعديل الوزاري أخيرا في الأردن. وهذا التيار ناتجٌ، في جزء منه، من الأزمة الاقتصادية، وفشل الدولة باستبدال دولة الريع الاقتصادي التي اعتمدت على تأمين وظائف في الدولة لأبناء العشائر الأردنية ببناء اقتصاد منتج، قوامه الحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية والمواطنة وتأسيس دولة الرعاية الاجتماعية، إذ حدث العكس، فالتغييرات الاقتصادية التي اعتمدت فرض النيوليبرالية القائمة على الخصخصة وخفض قيمة دور الدولة ونوعيته في الرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية ألهبت قاعدة النظام التاريخية.
التغييرات الاقتصادية في الأردن، تحت رعاية صندوق النقد الدولي وشروطه التي بدأت من أواخر الثمانينيات، زادت من الفجوة الاجتماعية ونسب البطالة، كما شهدنا في دول كبيرة، لكن الفساد المتفشّي، إضافة إلى كبت متزايد للحريات السياسية، وشعور الأردنيين بعدم الاطمئنان لمستقبلهم، بل ومستقبل الدولة والبلد نفسه، في ضوء مشاريع أميركية - صهيونية لا تريد الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني على أرضه تهدّد بإحداث تغيير ديمغرافي تجعل الشرق أردنيين "أقلية في وطنهم".

وصلت المخاوف التي تغذّيها سياساتٌ وتوجهاتٌ داخل الأجهزة الأمنية إلى حد تعبيرات كراهية لغير "الأردني"، تعتبر أي تغييرات في النظام الانتخابي قد يقلل من نفوذ "العشيرة"، مؤامرة على الهوية الوطنية الأردنية، فعدم الثقة بالنظام نفسه يغذّي مثل هذه المشاعر والمفاهيم التي تدعو إلى الإقصاء والتشكيك بانتماء العائلة المالكة للأردن وأحقيتها بالحكم، إذا لم تستجب إلى مطالبها في أولوية تمثيل الهوية الأساسية وتغليبها على "الهويات الفرعية"، والمقصود بشكل خاص الفلسطينية. ومن هنا جاء جزء من رفض تشكيلة لجنة تحديث المنظومة السياسية التي عينها الملك ومخرجاتها. ولا يعني هذا أن معارضة مخرجات اللجنة، بشكل عام، مردّها مخاوف الاتجاهات المسكونة بخوف فقدان غلبة "الهوية الأردنية" كما تراها هذه الاتجاهات، إذ هناك معارضة أوسع بكثير للتعديلات التي تم فرضها على اللجنة، وتهدف إلى السيطرة على الحياة السياسية وتقييد الأحزاب الموجودة والمستقبلية، لتجعلها مجرّد أدوات وديكورا ضروريا لاستعراضه أمام أميركا والغرب لتأمين المساعدات المالية والدعم السياسي للنظام والدولة. لكن مخاوف طمر الهوية الأردنية التي يراها بعضهم خالية ممن ليس لهم جذور قديمة على شرقي النهر قد تعطل نقاشا وائتلافات رافضة للتعديلات.
لذا، بغض النظر عن هوية كاتبه، قد يؤجج المقال هذه المخاوف والنعرات الناتجة عنها، فالخوف من إقامة وطن بديل للفلسطينيين، أو ما يسمى صهيونيا الخيار الأردني، خطر دائم على الفلسطينيين والأردنيين معا، لكن تجليات هذه الشكوك في السنوات الأخيرة لا تخلو من إقصائيةٍ، خصوصا مع تقلص الوظائف وعدم قدرة الدولة على تأمين شواغر كافية فيها لأبناء العشائر، وهو فشل للدولة أولا وأخيرا، فلا يمكن لوم العقلية الريعية التي يتمسّك بها كثيرون، فعقلية المكارم التي أرست أسس الموالاة التي تحلّ معها ثقافة حقوق المواطنة لم تسع الى تأسيس دولة الحقوق أصلا، والنتيجة أن أي تغيير داخلي وفي المنطقة يعمق الشعور بالغبن الذي يوجّه سهامه في اتجاه غير الأردنيين،  نتيجة ذعر حقيقي من مستقبل غير آمن أو غير موجود.

لا حلّ سوى في مواجهة أردنية مشتركة، ووضع الدولة الأردنية أمام مسؤولياتها، فأي مهادنة للمشاريع الأميركية تهدّد بتقويض السلم الأهلي

لا بد من التشديد هنا على أن إقامة دولة فلسطينية في الأردن تتناقض مع الفكرة الصهيونية التي تريد القضاء على الهوية الفلسطينية، لكن فكرة استيعاب المجتمع الأردني الفلسطينيين، بمن في ذلك فلسطينيو الداخل في الضفة الغربية وقطاع غزة قائمة، وهذا ما لا يريده الفلسطينيون أو الأردنيون. ومن هنا، ينبع خطر مثل هذه المقالات المشبوهة، والتساؤل عن دور الدولة المضيفة لرجل الأعمال، حسن اسميك، فيها، إذ تخدم المشروع الصهيوني في تصدير أزمته إلى الأردن، وإقامة عداء بين الفلسطينيين والأردنيين.
وعليه، من السهولة تشويه "فكرة الهوية الجامعة" التي تتحدّث عنها الدولة الأردنية الآن. ولذا، يجب أن تكون رديفا للمواطنة ودولة الحقوق، لكن غياب الوضوح، خصوصا بعد ولاية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي ضغطت باتجاه دور أمني للأردن فيما يتبقى من الأراضي الفلسطينية، بعد ضم ما تريده إسرائيل منها، يعمّق الذعر الموجود من اختفاء "الهوية الأردنية"، ويحيي وحش جدل هوياتي مدمر داخل الأردن، بدلا من بناء جبهة داخلية لمواجهة المشروع الصهيوني، فلا حلّ سوى في مواجهة أردنية مشتركة، ووضع الدولة الأردنية أمام مسؤولياتها، فأي مهادنة للمشاريع الأميركية تهدّد بتقويض السلم الأهلي في الأردن.

*العربي الجديد

أضف تعليقك