كيف يحاول حزب جبهة العمل الإسلامي البقاء بعد تصنيف الاخوان المسلمين "كمنظة إرهابية" من قبل الولايات المتحدة؟
اتخذت الحكومة الأردنية خطوة حاسمة أخرى ضد قيادات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بالتزامن مع تصنيف واشنطن لفروع الحركة في الأردن ولبنان ومصر كمنظمات إرهابية. وتحمل هذه الخطوة في طياتها عقوبات مالية وإجراءات إدارية قد تترك أثراً ملموساً في المشهد السياسي الأردني.
في الثاني عشر من يناير بالعاصمة عمان، أحال الادعاء العام قضية سبعة مسؤولين سابقين في جماعة الإخوان المسلمين إلى النائب العام بتهم تتعلق بغسل الأموال وجمع تبرعات غير مصرح بها. وتضم قائمة المتهمين ثلاث شخصيات قيادية وأربعة موظفين إداريين، يعمل معظمهم كمحاسبين.
وأفاد مصدر مقرب من التحقيقات أن الاعتقالات والاتهامات جاءت "بالتوازي مع ضغوط أمريكية"، مضيفاً أن الموقوفين يشتبه بجمعهم وتحويلهم أموالاً إلى قطاع غزة دون الحصول على الموافقات القانونية المطلوبة بموجب القانون الأردني.
وتشمل قائمة المدعى عليهم المراقب العام السابق للإخوان المسلمين، أمجد العضايلة، ونائبه أحمد الزرقان، وعضوي مجلس الشورى إبراهيم اليماني وعارف حمدان، بالإضافة إلى المسؤولين الماليين محمد عليان وعمر ياسين وطارق الرقب.
وأشار المصدر إلى أن دعم غزة "لم يكن حكراً على هؤلاء الأفراد"، بل جاء ضمن جهود أوسع تبذلها مجموعات ومواطنون كثر لمساعدة العائلات في القطاع المحاصر.
ووفقاً للتقارير، وجدت التحقيقات الأردنية أن الجماعة جمعت أكثر من 30 مليون دينار أردني خلال السنوات الأخيرة، حيث أُرسلت هذه الأموال إلى وجهات مختلفة في المنطقة العربية وخارجها. ويُزعم أن بعض هذه الأموال استخدم لتمويل حملات سياسية محلية في عام 2024، فضلاً عن دعم أنشطة وخلايا جرى تفكيكها وإحالتها إلى القضاء لاحقاً.
أثار هذا المسار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الإجراءات القانونية ستحل محل الحل السياسي فيما يخص مستقبل حزب جبهة العمل الإسلامي (الذراع السياسي للجماعة)، أم أن عمان ستحافظ على فصل قانوني رسمي بين الحزب والحركة المحظورة حالياً.
تأسس حزب جبهة العمل الإسلامي عام 1992 بموجب قانون الأحزاب السياسية الأردني، وارتبط تاريخياً بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين التي أشرفت على العمل الدعوي والمجتمعي في المملكة. وبنت الجماعة نفوذاً كبيراً عبر الجمعيات الخيرية والخدمات الاجتماعية والمدارس والعيادات، لتصبح قوة رئيسية في المجتمع المدني الأردني، خاصة بين الطبقة الوسطى والمجتمعات الريفية. ومع ذلك، تراجعت القوة الاقتصادية والتنظيمية للمجموعة بعد أن صادرت السلطات الأردنية مقراتها وأصولها ضمن جهود أوسع لتفكيك نفوذها.
تصريحات رسمية، سياق قانوني، وواقع سياسي
سعت الحكومة إلى طمأنة قيادات الحزب في ظل تداعيات التصنيف الأمريكي، مؤكدة أن الأردن حسم الوضع القانوني للجماعة منذ سنوات. وجدد وزير الاتصال الحكومي محمد المومني التأكيد على أن الجماعة منحلة قانونياً منذ صدور قرار قضائي عام 2020، والذي أكد حلها لعدم توفيق أوضاعها.
وقال المومني: "لقد اتخذ الأردن إجراءات حاسمة تتجاوز الحكم القضائي، شملت حظراً تاماً لأنشطة الإخوان في إبريل 2025"، مشدداً على أن القضية عولجت ضمن القانون المحلي قبل وقت طويل من الإعلان الأمريكي الأخير. وأضاف أن "جميع الإجراءات تتوافق مع الدستور والأطر القانونية الأردنية، مما يعكس استقلالية القرار الوطني بعيداً عن الإملاءات الخارجية، مع ضمان أمن المملكة واستقرارها".
من جانبه، أيد المتحدث البرلماني باسم حزب جبهة العمل الإسلامي ينال فريحات هذا التمايز، رافضاً فكرة مساواة الحزب السياسي بالجماعة. وأكد أن حزب جبهة العمل الإسلامي يعمل بموجب قانون الأحزاب الأردني ككيان قانوني مستقل لا تربطه صلات تنظيمية بالحركة المنحلة حالياً.
وجدد فريحات التأكيد على أن الجماعة محظورة في الأردن منذ عام 2020، وأن الحظر تم تأكيده مجدداً في إبريل 2025، بينما استمر حزب جبهة العمل الإسلامي في العمل كحزب سياسي مرخص ومستقل. وقال: "هذا الفصل القانوني واضح ومعلن منذ سنوات"، مضيفاً أن توصيف وضع الحزب بشكل خاطئ قد يستدعي تدخلات خارجية غير مرغوبة.
وبموجب قانون الانتخاب المعدل لعام 2022، الذي أدخل القوائم الحزبية في النظام، عزز حزب جبهة العمل الإسلامي حضوره البرلماني. ففي انتخابات سبتمبر 2024، حصل الحزب على 31 مقعداً من أصل 138 (17 مقعداً في القائمة الوطنية و14 في الدوائر المحلية)، وهو ما يمثل أكبر تمثيل له منذ عقود.
ضغوط وتوترات داخلية
ومع ذلك، لا تزال تداعيات الضغوط القانونية الأمريكية والمحلية دون حل. يصف الصحفي المستقل طارق ديلواني، مدير مكتب "إندبندنت عربية" في عمان، الأجواء داخل حزب جبهة العمل الإسلامي بأنها متوترة، وتتسم بانقسامات بين المتشددين وفصائل تدعو إلى تقديم تنازلات استراتيجية.
ويلفت ديلواني إلى أن التقارير الدولية باتت تربط الآن في كثير من الأحيان بين "إخوان الأردن" والدعم المالي لحركة حماس، مما حول ما كان في السابق نزاعاً سياسياً إلى قضية ذات تداعيات أمنية إقليمية. وأشار إلى وجود تقارير متداولة حول قائمة سوداء مرتقبة لأفراد، قد تضم برلمانيين حاليين وسابقين، منوهاً إلى أن بعض البنوك المحلية جمدت حسابات لقيادات من الجماعة والحزب معاً.
وفيما يتعلق بهذه الإجراءات المالية، نفى النائب فريحات قيام أي بنوك بتجميد حسابات أعضاء في الحزب نتيجة القرار الأمريكي الأخير.
ويرى الخبير الأمني الدكتور عمر الرداد أن الأردن ينتهج مقاربة قانونية، ومن غير المرجح أن يلجأ لتفكيك الحزب أو البرلمان. ويعتقد الرداد أنه في حال قدمت الولايات المتحدة أسماء محددة مرتبطة بتمويل حماس، فإن الأردن سيتعامل معها بشكل فردي عبر القضاء، وربما يفرض تجميداً مستهدفاً للأصول.
الخلفية والأثر الأوسع
تصاعدت التوترات بشكل حاد في إبريل 2025، عندما فككت الأجهزة الأمنية الأردنية خلية مكونة من أربعة أعضاء اتُهموا بمحاولة تصنيع أسلحة محلية الصنع وتخزين مواد كيميائية متفجرة ونقلها إلى مواقع غير مصرح بها. وقالت السلطات إن ثلاثة من المشتبه بهم يرتبطون أيديولوجياً وتنظيمياً بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ادعاء استخدمته الحكومة للتأكيد على ما رأته تحولاً للمجموعة من فاعل سياسي إلى تهديد أمني.
شكل ذلك الحادث نقطة تحول أدت إلى تحرك سريع من وزارة الداخلية، حيث صرح وزير الداخلية السابق مازن الفراية أنه رغم الحظر القانوني السابق، استمرت الجماعة في العمل تحت مسميات مختلفة مستغلة عدم الاستقرار الإقليمي لتقويض أمن الأردن.
وعقب الإعلان، شنت السلطات حملة مداهمات وتوقيفات أمنية في عدة مدن، وأُغلقت مقرات جمعيات مرتبطة بالجماعة، كما جرى تجميد حسابات مالية تعود لشخصيات رئيسية، بمن فيهم المسؤول المالي أحمد الزرقان.
يرتبط مصير حزب جبهة العمل الإسلامي الآن بتوازن دقيق بين القانون والسياسة. فبينما تؤكد الدولة التزامها بالإجراءات الدستورية، يصر الحزب على أنه لا يزال فاعلاً شرعياً ومستقلاً رغم الروابط التاريخية بالجماعة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية وانقسام المشاعر المحلية بحدة، تبقى جميع السيناريوهات مطروحة على الطاولة، بدءاً من التهميش التدريجي أو الحل القضائي، وصولاً إلى إعادة ضبط دور الحزب بما يتماشى مع الأولويات الأمنية للدولة.











































