كتاب المقالات في الأردن يرسمون ملامح “ما بعد الحرب” ويقرأون تحولات الإقليم والداخل

ركز كتاب المقالات في الصحافة الأردنية على مجموعة من القضايا المتداخلة التي تعكس حجم اللحظة السياسية التي تمر بها المنطقة، حيث تداخلت التحليلات بين ما يجري على مستوى الإقليم من تحولات كبرى، وبين نقاشات داخلية تتعلق بالمجتمع والقانون والهوية الوطنية، في سياق يشي بأن المرحلة المقبلة تحمل إعادة صياغة أوسع من مجرد أحداث عابرة.

في مقال لافت، قدم رئيس الوزراء الأسبق عبدالكريم الكباريتي قراءة عميقة لطبيعة المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، معتبراً أن ما يجري لم يعد حرباً تقليدية أو مواجهة عسكرية محدودة، بل تحول إلى مسار سياسي طويل يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة والعالم.

الكباريتي يذهب أبعد من التوصيف العسكري، إذ يرى أن الحرب الحالية تُستخدم كأداة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وليس فقط لحسم صراع بين أطراف محددة. وفي هذا السياق، يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل شاملة، حيث لم تعد التحالفات القديمة قادرة على تفسير الواقع الجديد أو ضبط إيقاعه.

الأهم في طرحه أن تأثير هذه الحرب، وفق رؤيته، لن يبقى محصوراً بين أطرافها المباشرة، بل سيمتد ليشمل النظام الإقليمي العربي برمته، ما يفرض على الدول العربية إعادة التفكير في موقعها ودورها ومصالحها الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، يربط الكباريتي بشكل مباشر بين التحولات الإقليمية وبين مستقبل الضفة الغربية والأردن، محذراً من سياسات إسرائيلية تتجه نحو الضم وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي، بما يمس الأمن الوطني الأردني.

كما يدعو إلى تطوير مقاربة أردنية أكثر انفتاحاً وفاعلية تجاه الضفة الغربية، عبر تعزيز التواصل مع مختلف القوى الفلسطينية، باعتبار أن المشهد لم يعد فلسطينياً داخلياً فقط، بل جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي الأردني.

في زاوية مختلفة تماماً، يتناول الكاتب فهد الخيطان ظاهرة “حزب النشامى”، في إشارة إلى الشعبية الواسعة التي يحظى بها المنتخب الوطني لكرة القدم، معتبراً أنها واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية اللافتة في الأردن الحديث.

الخيطان يصف هذه الحالة بأنها غير مسبوقة، حيث يتحول المنتخب إلى نقطة إجماع نادرة تتجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية التقليدية. ويشير إلى أن كرة القدم، بوصفها اللعبة الأكثر شعبية عالمياً، لعبت دوراً محورياً في بناء هذا النوع من الهوية الجماعية، خصوصاً مع تطور الإعلام الرياضي وصعود منصات التواصل الاجتماعي.

لكن الكاتب لا يتوقف عند الجانب الاحتفالي، بل ينتقل إلى زاوية أكثر واقعية، إذ يرى أن هذا الدعم الشعبي الكبير يتحول إلى عبء على المنتخب نفسه، في ظل توقعات مرتفعة تتجاوز أحياناً قدراته وظروفه الفنية. ويؤكد أن الوصول إلى كأس العالم يمثل إنجازاً بحد ذاته، وأن المطلوب هو تقديم مشاركة مشرفة لا الانشغال بأحلام غير واقعية تتجاوز طبيعة المرحلة.

ويختتم فكرته بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية لهذه المشاركة تكمن في الحضور العالمي للأردن، وإظهار صورته الثقافية والرياضية بين الأمم، وهو ما يعتبره المكسب الأكبر في هذه المرحلة.

أما الكاتب جهاد المنسي، فيقدم مقاربة مختلفة تركز على الداخل الاجتماعي، حيث يضع مفهوم “سيادة القانون” في قلب النقاش العام حول تزايد الجرائم والحوادث المثيرة للقلق في الأردن.

يرى المنسي أن كل جريمة تترك خلفها أسئلة تتجاوز الفعل نفسه، وتمتد إلى طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمع ومؤسساته. ويؤكد أن المشكلة ليست في وجود الجريمة، فهي ظاهرة ملازمة للتاريخ البشري، وإنما في كيفية التعامل معها.

وينتقل إلى نقطة مركزية مفادها أن خطورة المرحلة لا تكمن في الجريمة ذاتها، بل في تبريرها أو التهاون في التعامل معها، لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف مكانة القانون وتحويله من مرجعية حاكمة إلى خيار قابل للنقاش. وهنا يشدد على أن الانتقال من مفهوم “دولة القانون” إلى “سيادة القانون” هو التحول الحقيقي المطلوب، بحيث يصبح القانون فوق الجميع دون استثناء.

كما يوسع المنسي دائرة المسؤولية، موضحاً أن مكافحة الجريمة ليست مسؤولية أمنية فقط، بل مسؤولية مجتمعية تشمل الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية، باعتبار أن الوقاية تبدأ من الوعي قبل العقوبة.

في تحليل سياسي آخر، يطرح الكاتب محمد أبو رمان قراءة معمقة لتداعيات “عملية الشارون” في الداخل الإسرائيلي، معتبراً أن الحدث، رغم محدودية المعلومات المتوفرة حوله، لا يمكن التعامل معه كحادث منفصل عن السياق العام.

أبو رمان ينطلق من فكرة أن إسرائيل اعتمدت خلال السنوات الماضية استراتيجية تقوم على فصل الساحات الفلسطينية: غزة، الضفة الغربية، القدس، وفلسطينيو الداخل. غير أن التطورات المتلاحقة، خصوصاً بعد حرب غزة، بدأت تضعف هذه المقاربة.

ويشير إلى أن ما يجري حالياً يعكس احتمال عودة التداخل بين هذه الساحات، بما يعني أن القضية الفلسطينية قد تعود إلى إطارها الشامل بعد سنوات من التجزئة السياسية والأمنية.

كما يحذر من أن استمرار انسداد الأفق السياسي، مع تصاعد الاستيطان والحديث عن الضم، قد يدفع نحو انفجارات جديدة، سواء في الداخل الفلسطيني أو في الضفة والقدس، ما يعيد طرح القضية الفلسطينية ككتلة واحدة متفاعلة.

ويخلص إلى أن الخطر الحقيقي ليس في الحدث الأمني ذاته، بل في الدلالات التي قد يشير إليها، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة، واحتمالات إعادة تشكيل واسعة للمشهد الفلسطيني.

تكشف هذه المقالات، رغم اختلاف موضوعاتها، عن تقاطع واضح بين التحليل الإقليمي العميق والنقاش الداخلي الأردني. فبينما تتجه بعض الأقلام إلى تفكيك التحولات الكبرى في الشرق الأوسط وإعادة تعريف طبيعة الحرب والنظام الإقليمي، تركز أقلام أخرى على الداخل الاجتماعي وسيادة القانون والهوية الوطنية.

لكن الخيط المشترك بينها جميعاً هو الإحساس بأن المنطقة تقف على عتبة مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز ليس ما يجري الآن، بل ما سيأتي بعده، في عالم يعاد تشكيله سياسياً وأمنياً بصورة قد تكون أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح.