ظاهرة البيوت الآيلة للسقوط في المخيمات الفلسطينية

الرابط المختصر

فصول جديدة من المعاناة تضاف إلى حياة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مخيمات اللجوء على أرض لبنان الشقيق، وكأنه لا تكفيهم المعاناة و الازمات التي يعيشونها بدءاً من ازمة الكهرباء وماء الشرب وتلوث المياه والبنى التحتية السيئة وانسداد قساطل مياه الصرف الصحي والروائح الكريهة التي تنبعث منها فتعبق في شوارع وازقة المخيم وداخل منازلهم مسببة العديد من الامراض ...

الصدرية،وصولاً إلى مشكلة التعليم والطبابة واكتظاظ المباني والزيادة السكانية وارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى اكثر من 70% بين الشباب وحرمانهم من مزاولة العديد من المهن وحتى افتقارهم للامن والاستقرار داخل مخيماتهم. فكل ما يمتَُ للحياة بصلة والعيش بكرامة و تأمين أبسط مستلزمات الحياة هو مشكلة للفلسطينيين داخل المخيمات "مكان اقامتهم المؤقت" الذي فرضه عليهم المجتمع الدولي، فالاهمال والتهميش للمخيمات من قبل المجتمع الدولي ووكالة غوث اللاجئين "الانروا والدولة المضيفة والقيادات الفلسطينية وصل إلى ذروة الاستهتار والاستخفاف بأرواح الناس، حيث برزت ظاهرة البيوت الآيلة  للسقوط على رؤوس ساكنيها.

      بداية المشكلة                          
 هذه الظاهرة برزت خلال حرب تموز. فالقدائف والصواريخ الاسرائيلية التي سقطت في محيط المخيمات الفلسطينية في بيروت وخاصة مخيم برج البراجنة، الواقع وسط ضاحية بيروت الجنوبية، تسببت بتصدع العديد من المنازل،محدثة خطراً وشيكاً على حياة العائلات التي تقطنها ، فباتت مصدر خوف وقلق دائم لهم. هناك ايضاً التزايد السكاني  الذي أدىَ الى البناء العشوائي وبشكل عامودي، وغياب المواصفات الفنية للبناء، زاد بتفاقم المشكلة.

  نداء من بلدية الغبيري


رغم النداءات المتعددة التي اطلقتها بلدية الغبيري سابقاً عن وجود بعض الابنية الآيلة للسقوط في مخيم شاتيلا والتحذير من عملية استمرار البناء العشوائي ،الاَ ان هذا النداء لم يلق تجاوباً واستمرت عملية البناء وذلك لعدم وجود مرجعية فلسطينية موحَدة تتمتع بالنفوذ والسلطة للحد من هذه الكارثة. ورغم تشكيل لجنة طوارئ أعمار من قبل الانروا وترميم بعض الابنية في مخيم برج البراجنه، إلا ان الخطر مازال يتربص العديد من العائلات الفلسطينية التي تعيش حالة رعب دائم.


   معاناة مرض وفقر
"جهاد قاسم اسماعيل" لاجئ فلسطيني، مقيم في مخيم برج البراجنه،متزوج وله ولدان وبنتان اكبرهم يبلغ من العمر 13 عاماً واصغرهم 3 سنوات ،مسجل حالة اجتماعية لدى وكالة غوث اللاجئين بسبب معاناته  من مرض الديسك في الظهر، يحمل كرت اعاشه ذات الرقم 32554407 يتكون منزله من ثلاث غرف ومنافعهم،بناه في العام 1995، هو احد ضحايا هذه الظاهرة، و نتيجة مرضه كانت زوجته "رانيا شحاده"تتابع مشكلة  ترميم المنزل مع الانروا.


وتروي لنا"رانيا" قصة معاناتها: خلال حرب تموز، ونتيجة القصف الاسرائيلي وسقوط القذائف على منطقة حارة حريك والمناطق المجاورة لمخيم برج البراجنه تصدَع سقف المنزل وجدرانه وبعض المنازل المجاورة.


وحسب الامكانيات المادية المتوفرة لدينا آنذاك قمنا بمعالجة الشقوق والتفسَخات والنش ولم تفلح هذه الطريقة،حيث كنا في فصل الشتاء نضع أوعية لتجميع مياه النش، منعاً لوصولها الى اثاث المنزل،طبعاً هذه المعالجة كانت مؤقتة وغير مجدية.


نعيش بالخوف و القلق


ونتيجة لكثرة المنازل المتصدَعة شكَلت الانروا لجنة طورئ للأعمار، وقام مهندسو الانروا بالكشف على هذه المنازل ورفعوا تقارير عن وضعها.تم رفع الخطر عن بعضها وعدد كبير مازال يعاني وينتظر، ولدي ما يثبت ان عدداً من المنازل التي انجزتها الأنروا ماتزال شاغرة لأن اصحابها اما مقيمون خارج لبنان واما يتملكون شققاً خارج المخيم .اما نحن فما زلنا نعيش الخوف والقلق بانتظار رحمة الانروا.


وتضيف الزوجة: منذ سنتين قام المهندس "عفيف" من قسم الهندسة في وكالة الغوث بالكشف على منزلنا ورفع تقريراً مفاده ان المنزل غير صالح للسكن. وتوالت زيارة المهندسين الواحد تلو الاخر، وتوالت مراجعاتي إلى قسم الهندسة و مسؤولي الانروا، ولكن لاحياة لمن تنادي.


    الكارثة


عقب عيد الفطر بفترة لم تتجاوز الاسبوع حصل ما كنا نخشاه، وكاد يؤدي إلى كارثة انسانية لولا رحمة من رب العالمين. فبينما كنت وزوجي واولادي الاربعة في احدى غرف المنزل، سمعنا دوي كدوي الانفجار وشعرنا بارتجاج المنزل وظننا للوهلة الاولى ان هزة ارضية او قذيفة ما  ضربت المنزل ،وبدأ اولادي بالصراخ وتطايرت شظايا الحجارة  فوق رؤوسنا وغطى التراب وجوهنا، فضممت اولادي إلى صدري لحمايتهم، ومما زاد في هلعي سماع اصوات الجيران وهم يقولون "وقع المنزل" ولم اصح من ذهولي الا عند دخول  أحد الجيران إلى الغرفة التي كنا نختبئ فيها ولم يصدقوا اننا مازلنا بخير وحمدوا الله على سلامتنا. ولدى خروجي من الغرفة شاهدت قسماً كبيراً من سقف الغرفة المجاورة قد سقط .حمدت الله وشكرته على عدم وجودنا في هذه الغرفة والاَ كنا الان في عداد الاموات.

مِتلِك متل غيرك


بعد هذه الحادثة توجهت الزوجة إلى مدير مخيم برج البراجنة واخبرته ما حصل ظناً منها ان الانروا ستولي الاهتمام الاكبر لعائلتها ، ولكنها فوجئت برد المدير الذي رد عليها"متلك  متل غيرك،وهناك فرق بين ان يقع قسم من السقف وبين ان يقع كله" تقول الزوجه "وكأنه يريد ان يسقط السقف كله ونقتل جميعاً كي تقوم الانروا  بترميم المنزل او لتجد التبريرات اللازمة لوقوع الكارثة.


  مصيبة ودين


استدانت العائلة مبلغاً من المال وقامت بصب سقف الغرفة لدرء الخطر، ولكن المبلغ المستدان لم يكن كافياً  لترميم غرفة واحدة، ناهيك على ان السقف المتبقي من المنزل آيل للسقوط ايضاً، فتوقف ترميم المنزل. حالياً تقيم عائلة جهاد اسماعيل في منزل اهل الزوجة الذي ضاف بساكنيه بانتظار رحمة تنزل من السماء.


لقد مرت هذه الحادثة"مرور الكرام" على وكالة الغوث والجهات الفلسطينيية المعنية بشؤون المخيم  وعلى اصحاب الضمير ولم يتم التعليق عليها مطلقاً ولم يحرَك احد ساكناً استنكاراً اوعوناً.


 الخطر المتربص      
حادثة عائلة جهاد اسماعيل لم تنته بعد ربما تتكرر لعائلة رسمي شحادة  وعائلة ناصر عوض وعائلة فادي شحادة وعائلة قاسم شحادة  وغيرهم الكثير الذين لا تقل نسبة خطر سقوط منازلهم عن منزل جهاد اسماعيل بل اشد خطراً، فمنزل فادي شحادة وقاسم شحادة ليسا معرضين للسقوط فقط،انما ايضاً هناك خطر التعرض إلى "صدمة كهربائية" بسبب تسرب المياه إلى التمديدات الكهربائية داخل الاسقف والجدران وهما آيلا للسقوط في أية لحظة بسبب الانحناءات الخطيرة في الاسقف.


 الى من يكل هذا الشعب أمره؟


اذا كانت وكالة غوث اللاجئين التي تأسست بعد النكبة مباشرة لتقديم يد العون والمساعدة للاجئين الفلسطينيين والتي اصبحت تعمل حسب اجندة سياسية وليس انسانية ،مستهترة بأرواح اللاجئين الى هذه الدرجة، واذا كانت الدولة المضيفة بقوانينها الجائرة تحرَم على الشعب الفلسطيني العمل للعيش بكرامة، واذا كانت الفصائل والتنظيمات والقيادات الفلسطينية بمختلف عقائدها وتوجهاتها وتابعيتها والمسؤولة المباشرة ميدانياً، لا تملك القدرة على رفع الظلم عن شعبها ومساعدته ... فألى من يكل هذا الشعب أمره؟