شغب في حي الطفايلة: لماذا يتمردون على سلطة الدولة؟!
حتى الآن لم يسدل الستار على أحداث الشغب التي اندلعت في حي لطفايلة بعد وفاة الشاب صدام السعود.
مؤسف ما حدث ويحدث، إحراق مركز أمني وسيارات للدفاع المدني، إغلاق شوارع واعتداء على الممتلكات العامة.
حين تشاهد ما يجري على الفضائيات تعتقد لوهلة أنك في منطقة من مناطق التوتر والصدامات الأهلية المسلحة ولا يخطر ببالك أنك في عمان المدينة الأكثر أماناً.
لماذا يحدث ذلك، لماذا هذا الانفلات والتمرد وحتى العصيان والخروج على القانون؟!
لماذا يفعلون ذلك، يحرقون ما يملكون، ويتصرفون وكأنهم في معركة ضد خصوم وأعداء وليسوا على ترابهم ووطنهم؟!
الأحداث المؤلمة في حي الطفايلة سيناريو يتكرر في التعامل مع أكثر من أزمة، فنحن لم ننس ما حدث في الكرك في 1996، وما حدث بعد ذلك في معان، وما تزال أحداث جرش مؤخراً حاضرة في الأذهان!
ولا يخرج ما يحدث في حي الطفايلة عما يجري من شجارات عشائرية تستخدم فيها أحياناً الأسلحة داخل أسوار الجامعات!
وقبل أن نحاول استقراء الأسباب التي تقود إلى مظاهر التمرد على سلطة الدولة والقانون، علينا أن نقر أولاً وبوضوح كامل أننا مع محاسبة من تسبب في وفاة الشاب صدام السعود، هذا أمر لا يجوز التهاون به، وعلى الأجهزة الأمنية أن تفتح تحقيقاً مستقلاً للتوصل إلى الحقيقة ومعرفة إن كان هناك رجال أمن متورطون في تعذيبه مما أدى إلى وفاته.
إن وجود لجنة قضائية مستقلة أول الطريق للمعالجات الصحيحة للمشكلة وخطوة أساسية لتكريس العدالة ولتطويق غضب الناس الناتج عن إحساسهم بأن العدالة لا تطبق إلا على الضعفاء.
من المهم جداً أن يشعر الناس وخاصة البسطاء منهم أن رجال الأمن ليسوا فوق سلطة القانون والمحاسبة، وأن قيامهم بواجبهم لا يعني أبداً تجاوزهم على حقوق الناس والتعسف بمصائرهم.
وبعد إقرار هذه الحقائق نعود لجذور المشكلة، فنجد بوضوح صارخ أن انتماء الناس للعشيرة مقدم على انتمائهم للوطن والدولة، وأن هناك إشكالية تحتاج إلى بحث وتقص عن فهم الناس لعلاقتهم بالدولة، وعن الخط البياني الذي يربط بين العشيرة والوطن.
لماذا هذه الغضبة التي لا يحكمها أحياناً العقل والمنطق إذا ما مُس شخص من العشيرة؟! ولماذا يتحول الغضب تخريباً ضد الممتلكات العامة، ويشعر البعض بضرورة أن يمتد الغضب للاصطدام برجال الأمن والدرك؟!
ولماذا يضربون عرض الحائط بسلطة القانون، ولا يقبلون بحكم القضاء، ويسعون لفرض إرادتهم ورؤيتهم من دون النظر إلى أنهم جزء من الدولة ينطبق عليهم ما ينص عليه الدستور والقانون، ولا يملكون بأي حال من الأحوال أن يلجأوا لشريعتهم؟!
ينتابني شعور أحياناً بأن هناك من يقايض على الولاء، ولا يرى الولاء للدولة خارج إطار مصالحه ومكتسباته، والمشكلة الأكثر خطراً أن هناك من سعى لتكريس هذا النمط من العلاقة طوال العقود الماضية، فرسخ سياسات "شراء الذمم" ثمناً للقبول بسلطة الدولة.
هذا النمط من السياسات المتبعة لسنوات ليست الإشكالية الوحيدة في هذه العلاقة الملتبسة مع الدولة وآليات التعبير عن الذات، بل إن لهذه المشكلة أسبابا جوهرية أخرى أبرزها أن هياكل الدولة والمؤسسات الوسيطة التي تربط الفرد بالحكم وتسمح له بالتعبير عن نفسه ضعيفة وهزيلة.
هذا الإحساس بعبثية القدرة على التعبير عن الذات وفقدان الوسائل للعمل والتأثير، قد يدفع الشباب إلى "التمرد" وإنتاج ظاهرة الاستقواء على سلطة الدولة.
إن الثقة بعدالة الدولة لا تقل أهمية عن توفر هياكل وأدوات للعمل، فطغيان إحساس متعاظم عند الناس بأن العدالة لا تتحقق، وهو شعور يتنامى ما إذا تكررت وقائع أمامهم أثبتت أن تطبيق معايير العدالة مختل، وأن العدالة ليست للجميع وعلى الجميع، وأن الانتقاص من استقلاليتها أمر شائع تمارسه الحكومات والمتنفذون ولا يخضع لها سوى البسطاء.
وبعد الشغب في حي الطفايلة آن الأوان للتخلي عن المقاربة الأمنية والعمل على تقوية المؤسسات الشعبية التي يمكن أن تكون شريكاً في اقتراح الحلول حتى لا نجد أنفسنا يوماً أمام ظواهر "حوثية" في الأردن!.











































