خلف صناديق المحاسبة.. عمال الكاشيرات بالأردن بين ضغط العمل وغياب الحماية

الرابط المختصر


بين صفير جهاز المسح الضوئي ونظرات الزبائن المستعجلة، يقف عاملون وعاملات الكاشير لساعات طويلة خلف صناديق المحاسبة، في واحدة من أكثر المهن حضورًا في قطاع الخدمات الأردني، وأقلها حماية وتنظيمًا.

ويُعرَّف الكاشير بأنه العامل المسؤول عن تحصيل المدفوعات وإتمام عمليات البيع مع الزبائن في نقاط البيع بقطاعات التجزئة والخدمات، ويُعرف أحيانًا بمسمى "أمين الصندوق" أو "أمين الكاش". 

ورغم الانتشار الواسع لهذه المهنة في محال البيع بالتجزئة والمطاعم والمولات، لا تتوافر أرقام رسمية دقيقة حول عدد العاملين والعاملات فيها، ما يعكس هشاشة موقعهم في سوق العمل، ويُسهم في بقائهم خارج دوائر الرصد والحماية والتنظيم.

وتكشف شهادات عاملين في المهنة، جمعها "المرصد العمّالي الأردني"، عن واقع مهني هش يتسم بطول ساعات العمل، وتدني الأجور، وغياب العقود المكتوبة والضمان الاجتماعي في كثير من الحالات، فضلًا عن غياب التأمين الصحي، الأمر الذي يفاقم من هشاشة أوضاعهم المعيشية والصحية.

ويؤكد الاتحاد العام لنقابات عمّال الأردن أن أبرز الشكاوى الواردة من عمال الكاشير تتمحور حول الضغط النفسي والجسدي، وتحميلهم مسؤولية الأخطاء المالية، وضعف الأجور، وغياب المسارات الوظيفية الواضحة، في ظل فجوة كبيرة بين ما يكفله قانون العمل الأردني من حقوق، وما يُطبَّق فعليًا على أرض الواقع.

ساعات إضافية بلا مقابل

منذ ثلاث سنوات، يعمل محمد (27 عامًا) كاشيرا في بقالة تقع في إحدى المناطق الحيوية في العاصمة عمّان، حيث يبدأ عمله قبل الموعد الرسمي بنحو نصف ساعة، وينهيه بعد ساعة إضافية تقريبًا، دون أن تُحتسب هذه الساعات ضمن العمل الإضافي.

يقول محمد في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني": "المفترض أعمل ثماني ساعات، لكن عمليًا أعمل أكثر، وإذا سألنا عن الأجر الإضافي يكون الجواب: هذه طبيعة عملكم".

ويتقاضى محمد الحد الأدنى للأجور دون اشتراك في الضمان الاجتماعي، مؤكدًا أن راتبه بالكاد يغطي أساسيات المعيشة في ظل ارتفاع كلف النقل والسكن. ويضيف أن أي نقص في الصندوق يُخصم مباشرة من راتبه، حتى في أيام الضغط الشديد، ما يضاعف من التوتر والمسؤولية الملقاة على عاتقه.

ويطالب محمد الجهات المعنية بتشديد الرقابة على أصحاب العمل، وتنظيم هذه المهنة، وشمول العاملين فيها بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

الوقوف يترك أثره على جسدها

في أحد المولات في العاصمة عمّان، تعمل سارة (32 عاما) كاشيرة في متجر ملابس منذ أكثر من عامين. وتوضح في حديثها لـ"المرصد العمّالي الأردني" أن الوقوف المتواصل لساعات طويلة دون فترات راحة كافية بات ينعكس بشكل واضح على صحتها الجسدية.

"أبقى واقفة معظم ساعات الدوام، والجلوس محدود جدًا، حتى مع الألم في الظهر والقدمين"، تقول سارة، التي تعيل طفلين وتعتمد على هذا الدخل بشكل كامل.

وتعمل سارة بعقد مكتوب ومشمولة بالضمان الاجتماعي، لكنها غير مشمولة بالتأمين الصحي. وتخشى، عند شعورها بالتعب المتراكم، طلب إجازة مرضية خوفًا من خصمها من راتبها الذي لا يتجاوز 300 دينار، أو فقدان مصدر دخلها الوحيد.

وتشير إلى أنها مضطرة للاستمرار في العمل لتأمين احتياجات طفليها، رغم ما تتعرض له صحتها من استنزاف، مطالبة بتحسين ظروف العمل، وتكثيف الرقابة، وتطبيق قانون العمل بما يضمن حقوق العاملات والعاملين في هذه المهنة.

مهام متعددة بمسمّى واحد

أما أحمد (22 عامًا)، فيعمل كاشيرا في أحد مطاعم الوجبات السريعة في محافظة إربد، ويختصر واقع عمله بالقول: "كل شيء علينا بحجة أننا شباب ونستطيع التحمل، دون أن نعرف ما هو عملنا بشكل واضح".

ولا تقتصر مهام أحمد على تحصيل الحسابات، إذ يُطلب منه، إلى جانب عمله الأساسي، تنظيف الطاولات، وتنظيم الطلبات، واستقبال طالبي الخدمة. ويتقاضى أحمد أجرًا يوميًا دون عقد عمل مكتوب.

ويؤكد في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني" أن الضغط النفسي يتضاعف في ساعات الذروة، حيث يتحمل الكاشير شكاوى الزبائن وغضبهم، حتى عندما تكون أسباب التأخير خارجة عن إرادته.

ضغوط متراكمة ومسار وظيفي غائب

من جانبه، يؤكد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمّال الأردن، خالد الفناطسة، أن أبرز المشكلات التي ترد إلى الاتحاد من العاملين في مهنة الكاشير تتمحور حول الضغط النفسي والجسدي، والأخطاء المالية، وضعف الأجور، وغياب المسارات الوظيفية الواضحة.

ويقول في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني" إن ضغط العمل في أوقات الذروة، والحاجة إلى السرعة والدقة في التعامل مع أعداد كبيرة من الزبائن، يضع الكاشير تحت توتر مستمر، إلى جانب الوقوف لساعات طويلة دون فترات راحة كافية، والتعامل اليومي مع عملاء بأمزجة متقلبة.

ويضيف أن الطابع الروتيني للعمل يترك أثرًا سلبيًا على الصحة الجسدية والدافعية النفسية، فيما تُعد الأخطاء الحسابية من أكثر مصادر القلق لدى العاملين، إذ غالبًا ما يُحمَّل الكاشير مسؤولية مالية مباشرة عن أي نقص، فضلًا عن حساسية التعامل مع الأموال وتعقيد سياسات الاستبدال والمرتجعات في بعض المنشآت.

كما يشير إلى أن غياب فرص التطوير والترقية، وعدم وضوح المسار الوظيفي، يعمّقان شعور الإحباط، خاصة في ظل التطور التقني المتسارع وظهور أنظمة دفع حديثة تتطلب تدريبًا مستمرًا لا يوفره أصحاب العمل في كثير من الأحيان.

قانون موجود… وتطبيق ضعيف

ويبيّن الفناطسة أن دور الاتحاد، عند وصول الشكاوى، يتمثل في التفاوض مع أصحاب العمل لتحسين ظروف العمل، والمطالبة بساعات راحة كافية وبيئة عمل آمنة، والدفاع عن حقوق الكاشير، وعدم تحميلهم تبعات أخطاء غير مقصودة، إلى جانب المطالبة ببرامج تدريبية تعزز مهاراتهم في خدمة العملاء وإدارة الضغوط.

ويؤكد أن النقابة العامة للعاملين في تجارة الجملة والتجزئة هي الممثل القانوني لمهنة الكاشير وفق التصنيف المهني الصادر عن وزارة العمل، رغم وجود العاملين في هذه المهنة ضمن قطاعات حيوية متعددة.

ويلفت إلى أنه رغم أن قانون العمل الأردني يحدد ساعات العمل اليومية بثماني ساعات، ويكفل الحق في الأجر الإضافي والراحة والتسجيل في الضمان الاجتماعي، فإن ضعف الرقابة وتردد العمال في تقديم الشكاوى يسهمان في استمرار هذه الانتهاكات، لا سيما في القطاعات التي تعتمد على العمالة الشابة والنسائية.

وبينما يواصل الكاشير أداء دور أساسي في دورة الاقتصاد والخدمات، تبقى حقوقه مؤجلة خلف صندوق المحاسبة، بانتظار رقابة فاعلة وتطبيق جاد وعادل للقانون.