خبير نفسي : تكرار تداول قضية إبستين يقلل الصدمة ويؤثر على القيم المجتمعية
عاد ملف جيفري إبستين ليتصدر واجهة مواقع التواصل الاجتماعي مجددا، وسط موجة واسعة من التسريبات وتداول أسماء مرتبطة بالقضية، تتراوح بين حقائق قانونية مثبتة وأخبار غير مؤكدة، وصولا إلى سرديات ونظريات مؤامرة أثارت جدلا واسعا بين المتابعين.
ومع تصاعد تداول هذه القضية عبر المنصات التواصل الاجتماعي، تحولت إلى محور نقاش بين المستخدمين، مما أثار مخاوف متزايدة بشأن تأثير هذا النوع من المحتوى على تصورات الناس للسلوكيات الأخلاقية والاجتماعية، خصوصا مع ارتباط القضية بشخصيات عامة ومشاهير وأصحاب نفوذ عالمي.
كما أن تداول صور ومقاطع فيديو صادمة بغض النظر عن مدى دقتها أو صحتها، ساهم في رفع مستوى القلق داخل المجتمع، خاصة مع وصول هذه المواد إلى فئات عمرية صغيرة، الأمر الذي يفتح الباب أمام خطر التطبيع التدريجي مع هذا النوع من الجرائم أو التعامل معه بوصفه مادة ترفيهية أو جدلية متكررة على مواقع التواصل.
وفي هذا السياق، يوضح مدرب الاختصاص النفسي في معهد العناية بصحة الأسرة الدكتور مهند فرعون، أن عودة قضية جيفري إبستين بقوة خلال اليومين الماضيين جعلت الناس لا ينظرون إليها كقصة عابرة أو حادثة منفصلة، بل كقضية صادمة تكشف عن سلوكيات بشرية مرعبة.
ويشير فرعون في حديثه لـ"عمان نت" إلى أن خطورة القضية تتضاعف بسبب ارتباطها بأشخاص ذوي نفوذ واسع وتأثير كبير، بينهم مشاهير وسياسيون وأصحاب سلطة، مؤكدا أن خلف هذه الأحداث تفسيراً نفسياً يرتبط بالسلوك البشري، قد يكون مزعجاً ومخيفاً لكثير من الناس.
التطبيع التدريجي
ويضيف الدكتور فرعون أن من أبرز المفاهيم النفسية التي يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلالها هو مفهوم التطبيع التدريجي، حيث يشعر الإنسان بالرفض والانزعاج الشديد عند سماعه سلوكيات صادمة للمرة الأولى، لكن مع تكرار تداولها ومشاهدتها، ينخفض مستوى الصدمة تدريجيا، لتتحول إلى نوع من الاعتياد أو التقبل غير المباشر.
ويبين أن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا عندما تصدر هذه السلوكيات عن شخصيات مؤثرة، إذ قد يدفع ذلك البعض للتساؤل إذا كان أصحاب النفوذ قادرين على ارتكاب هذه الأفعال دون عواقب واضحة، فما الذي يمنع الشخص العادي من تكرارها؟
كما يلفت إلى أن تداول تسريبات تربط بين زيارة الجزيرة أو الانخراط في هذه الدائرة وبين الحصول لاحقا على مكاسب مالية أو مناصب أو نفوذ، قد يخلق لدى البعض تصورا خطيرا بأن هذه السلوكيات تمثل وسيلة للوصول إلى أهداف معينة، ما يشكل محفزاً سلبياً لبعض الفئات.
وحول تساؤلات الناس عن كيفية اندفاع بعض الأفراد لارتكاب مثل هذه الجرائم، يوضح الدكتور فرعون أن هناك بالفعل اضطرابات وانحرافات نفسية مثل البيدوفيليا، لكن السؤال الأهم هو كيف يمكن أن يتحول شخص عادي إلى شخص يمارس سلوكيات منحرفة؟
ويجيب بأن أحد أهم العوامل هو تأثير الجماعة أو قوة المجموعة، حيث يفقد الفرد هويته تدريجيا لصالح هوية الجماعة، ويبدأ في تقبل السلوك غير الأخلاقي طالما أنه يمارس من قبل عدد كبير من الأشخاص، فيشكك بقيمه هو بدلا من التشكيك بسلوك المجموعة، وهو ما يعد من أخطر العوامل النفسية المحفزة.
وحول التأثير النفسي للقضية، يوضح الدكتور فرعون أن التدفق المتواصل للأخبار والصور والمقاطع والتحليلات حول هذا النوع من القضايا يؤثر سلبا على الصحة النفسية، خاصة أن المحتوى أصبح قسريا ويظهر للمستخدم حتى دون أن يبحث عنه، بمجرد تصفح مواقع التواصل.
ويضيف أن بعض الصور أو المقاطع حتى لو كانت غير مؤكدة قد تسبب صدمة نفسية للمشاهد، وتزداد حدة التأثر لدى الأشخاص الذين لديهم أبناء، إذ قد يتخيلون أن ما يشاهدونه يمكن أن يحدث لأطفالهم، ما يرفع مستويات القلق والخوف ويؤثر على المزاج العام.
انحرافات قائمة وضرورة الوقاية
وفي سياق متصل، يشير فرعون إلى أن الانحرافات الجنسية المرتبطة بالأطفال موجودة عالميا، وأن نسب انتشارها وفق الدراسات تتراوح بين 5% إلى 7%، وهو رقم وصفه بالمقلق.
ويوضح أن الأشخاص الذين يعانون من هذا النوع من الانحراف غالبا ما يختارون بيئات أو أعمالا تتيح لهم الاقتراب من الأطفال واستهدافهم، مؤكداً أن الرقابة والتوعية ضرورة ملحة، خاصة فيما يتعلق بالألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل والعلاقات الافتراضية.
كما يؤكد أن بعض الأهالي يشعرون بالخجل من مناقشة هذه المواضيع مع أبنائهم أو يفضلون إنكار وجودها، لكنه يعتبر ذلك خطا كبير، مشددا على أن التحصين الوقائي أفضل بكثير من التدخل العلاجي بعد وقوع الضرر.
ويؤكد فرعون أن التأثير النفسي لهذه القضايا يكون أشد قسوة على فئة اليافعين والمراهقين، كونهم في مرحلة بناء القيم والمعتقدات والهوية، وأي اضطراب أو تشويه في هذه المرحلة قد يؤدي إلى نتائج نفسية وسلوكية مشوشة مستقبلا.
ويشدد الدكتور فرعون على أن أول خطوة مهمة للتعامل مع هذا النوع من المحتوى هي تقليل تدفق المعلومات، والابتعاد قدر الإمكان عن مشاهدة الفيديوهات والصور، والاكتفاء بالمتابعة عبر القراءة، لأن الصور تترك أثرا أقوى وأعمق في الدماغ وقد تعلق في الذاكرة لفترات طويلة.
أما فيما يتعلق بالأبناء، فيؤكد ضرورة أن تكون المعلومات التي تصل للأطفال والمراهقين عبر الأهل أنفسهم، وليس عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي قد تقدم محتوى مشوها أو مضللا أو يحمل رسائل غير أخلاقية.
ويحذر من بعض التعليقات المنتشرة التي تروج لفكرة أن الانخراط في هذه الدوائر قد يؤدي إلى نفوذ أو مال أو مكانة، مؤكدا أن دور الأهل يتمثل في تصحيح المفاهيم وتنظيف الرسائل التي قد تترسخ في ذهن الطفل، حتى لا تتكون لديه قناعة بأن تحقيق الأهداف يبرر استخدام وسائل غير أخلاقية.
أزمة عالمية وتشويش إدراكي
ويرى الدكتور فرعون بالإشارة إلى أن هذه القضية تعد من الأزمات السياسية والاجتماعية العالمية، لأنها مرتبطة بشخصيات كانت موضع ثقة لدى الناس، الأمر الذي يدفع كثيرين للانجراف نحو نظريات المؤامرة، ويزيد من حالة التشويش وصعوبة التمييز بين الحقيقة والتضليل.
كما يؤكد أن التطور التقني الحالي جعل من الصعب التفريق بين الصور الحقيقية والمزيفة أو المعدلة، ما يرفع خطر التضليل ويؤثر على الإدراك العام.
ويشدد فرعون على أن الإنسان قد لا يستطيع التحكم بما يحدث في العالم، لكنه قادر على التحكم بطريقة تفكيره واستجابته للأحداث، مشيرا إلى أن السلطة قد تجعل البعض يفقد التعاطف تدريجيا، ويبرر لنفسه الانحرافات، خاصة مع الشعور بالإفلات من العقاب والاعتقاد بأنه فوق القانون.











































