خبراء: تعديلات قانون الضمان الاجتماعي تستحق نقاشا أوسع والتعامل معها بحذر
أثار مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي الذي أقرته الحكومة مؤخرا جدلا واسعا بين المشتركين في النظام التأميني، خاصة في ظل التغييرات الجوهرية التي طالت شروط التقاعد، حيث تضمن التعديل رفع سن التقاعد تدريجيا وزيادة عدد الاشتراكات المطلوبة لاستحقاق راتب التقاعد، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على فئات واسعة من العاملين، خاصة في القطاع الخاص، بحسب خبراء في الشأن العمالي.
من أبرز التعديلات التي أثارها مشروع القانون هو تحديد التقاعد الوجوبي كقاعدة أساسية، على أن يكون التقاعد المبكر استثناء، فقد تم رفع عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكا، بغض النظر عن عمر المؤمن عليه عند تقديم الطلب، على أن تظل هذه الشروط سارية حتى بداية عام 2027.
كما نصت التعديلات على رفع سن التقاعد تدريجيا بدءا من عام 2028، بحيث يرفع سن التقاعد إلى 65 عاما للذكور و60 عاما للإناث، مع زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد الوجوبي الشيخوخة من 180 اشتراكا إلى 240 اشتراكا اعتبارا من 2028.
ومن أبرز البنود التي شملها مشروع القانون أيضا رفع الحد الأدنى لرواتب المتقاعدين إلى 200 دينار، في خطوة اعتبرها البعض إيجابية ضمن الحزمة التعديلية.
ويقول رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي موسى شتيوي إن الحكومة تهدف من خلال هذه التعديلات إلى ضمان استدامة النظام التأميني وتحقيق التوازن المالي، بما يسهم في حماية أموال المشتركين وضمان استمرار المؤسسة في الوفاء بالتزاماتها المستقبلية، مشيرا إلى أن التقاعد المبكر شكّل أحد أبرز التحديات التي واجهت منظومة الضمان الاجتماعي خلال السنوات الماضية.
التعديل جرى بسرعة ويحتاج لحوار أوسع
في المقابل، يعبر رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة عن تحفظه تجاه الطريقة التي تم بها التعامل مع ملف تعديل القانون، معتبرا أنه كان من المتوقع التعامل معه بحذر أكبر وترو أوسع، سواء على مستوى المناقشة أو الإقرار أو حتى طرح المسودة الأولية.
ويشير أبو نجمة إلى أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي كان قد قاد حوارا وطنيا موسعا شاركت فيه مختلف الجهات والقطاعات، وخرج بمجموعة من التوصيات، إلا أنه وبعد فترة قصيرة جدا من الإعلان عن هذه النتائج، تم الإعلان عن إعداد مسودة تعديلات واسعة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى انعكاس مخرجات الحوار الوطني على مضمون مشروع القانون.
ويضيف أن إعداد مسودة بهذا الحجم، تشمل عددا كبيرا من المواد والتغييرات، لا يمكن أن يتم خلال فترة قصيرة، خاصة وأن بعض الخبراء وصفوا هذه التعديلات بأنها تقترب من كونها قانونا جديد نظرا لاتساع نطاقها وشمولها تغييرات جوهرية.
ويؤكد أبو نجمة ضرورة فتح حوار جديد وموسع حول المواد المقترحة، مشددا على أن قانون الضمان الاجتماعي يمثل قضية مصيرية تمس حياة المواطنين وحقوقهم ومستقبلهم، ولا يجوز التعامل معه كملف عادي أو تمريره بسرعة دون نقاش معمق، داعيا في ذات الوقت إلى نشر النص الكامل للتعديلات على موقع ديوان التشريع والرأي، كما جرت العادة في القوانين الحساسة، ليتسنى للرأي العام والخبراء والمؤسسات الاطلاع عليها وتحليلها وإبداء الملاحظات اللازمة.
كما يشير إلى أن مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي يضم ممثلين عن العمال وأصحاب العمل والنقابات وأطراف أخرى، الأمر الذي يفترض أن يضمن نقاشا أوسع، إلا أنه استهجن إقرار هذه التعديلات في جلسة قصيرة، معتبرا أن ذلك يستدعي التوقف عنده وإعادة النظر في آلية إقرارها.
ويرى أبو نجمة أن مواجهة التحديات المالية للضمان الاجتماعي وتأجيل نقطة التعادل لا يجب أن يكون بالضرورة من خلال تعديلات قانونية واسعة تمس حقوق المشتركين، مبينًا أن هناك حلولًا أخرى كان يمكن التركيز عليها، أبرزها الحد من التهرب التأميني الذي تشير التقديرات إلى أنه تجاوز 22%، إضافة إلى معالجة الديون المستحقة لصالح مؤسسة الضمان الاجتماعي والتي تقترب من مليار دينار على مؤسسات حكومية وغير حكومية.
تظهر بيانات رسمية صادرة عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي أن عدد المشتركين الفعالين المشمولين بأحكام قانون الضمان الاجتماعي بلغ نحو 1.659 مليون مشترك حتى تاريخ 10 كانون الأول 2025، فيما وصل عدد المتقاعدين الفعالين إلى نحو 264,787 متقاعدا، إلى جانب ما يقارب 111 ألف مشترك اختياري.
ضرورة تحقيق الاستدامة وحماية المشتركين
من جانبه، يؤكد خبير التأمينات الاجتماعية محمد عودة أن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي أثارت حالة من القلق والجدل، مرجعا ذلك إلى أن كثيرا من المواطنين يعتمدون على القانون الحالي في تخطيط مستقبلهم، سواء من حيث توقيت التقاعد أو طريقة احتساب الراتب التقاعدي، وبالتالي فإن أي تغيير في هذه الجوانب ينعكس مباشرة على استقرارهم وخططهم المعيشية.
ويوضح عودة أن القانون المعمول به حاليا يحدد سن تقاعد الشيخوخة عادة عند 60 عاما للذكور و55 عاما للإناث ضمن شروط معينة، إلا أن التعديلات المقترحة ترفع السن تدريجيا ليصل إلى 65 عاما للذكور و60 عاما للإناث، وهو ما يعد تحولا جوهريا في مفاصل القانون.
ويبين أن هذه التعديلات جاءت نتيجة نقاشات موسعة شهدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي وحوار وطني موسع، بسبب اقتراب النظام التأميني من ما يعرف بنقطة التعادل الأولى في عام 2030، الأمر الذي استدعى البحث عن إصلاحات تضمن استمرارية عمل المؤسسة وتوازنها المالي، مشيرا عودة إلى أن الضمان الاجتماعي يعتمد على التمويل الذاتي من خلال اشتراكات العمال وأصحاب العمل، كما يقوم على مفهوم جيل يمول جيل، إذ يقوم العاملون الحاليون بتمويل المتقاعدين، ثم يصبح هؤلاء العاملون متقاعدين في المستقبل ليتم تمويلهم من الأجيال القادمة، وهو ما يجعل الحفاظ على التوازن المالي ضرورة لضمان حقوق الجميع.
وفيما يتعلق بالانتقادات التي طالت رفع سن التقاعد في ظل ارتفاع معدلات البطالة، خصوصا بين الشباب، يوضح عودة أن هذا الجانب يمثل تحديا حقيقيا، إذ إن رفع سن التقاعد قد يؤدي إلى تباطؤ فرص الإحلال في سوق العمل، وبالتالي ضغط إضافي على ملف البطالة، مشددت على ضرورة أن تترافق هذه التعديلات مع سياسات اقتصادية واضحة ومحفزة للنمو وتوفير فرص العمل، مؤكدا أن مشروع القانون سيخضع في النهاية لدور مجلس النواب باعتباره الجهة التشريعية المخولة بإقرار التعديلات بالشكل الذي يحقق مصلحة المشتركين والمتقاعدين، ويضمن في الوقت ذاته استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي.
وجهة نظر مؤسسة الضمان الاجتماعي
في ظل الجدل الدائر، تؤكد المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي أن التعديلات المقترحة تأتي ضمن رؤية إصلاحية تهدف إلى تعزيز استدامة النظام التأميني وضمان قدرته على الاستمرار في الوفاء بالتزاماته تجاه المشتركين والمتقاعدين على المدى الطويل، مشيرة إلى أن المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية وارتفاع أعداد المتقاعدين مقارنة بالمشتركين النشطين تفرض ضرورة مراجعة بعض التشريعات بما يحافظ على قوة الصندوق التأميني ويحمي حقوق الأجيال القادمة.
كما تؤكد المؤسسة أن أي تعديل سيتم إقراره بشكل نهائي سيكون خاضعا للمسار الدستوري والتشريعي، وأنها تدعم الحوار الوطني المسؤول حول القانون بما يحقق العدالة بين المشتركين ويضمن الاستقرار المالي للمؤسسة، مع الحفاظ على الهدف الأساسي للضمان الاجتماعي بوصفه مظلة حماية اجتماعية واقتصادية للمواطنين.
هذا وبلغت ديون مؤسسة الضمان على الحكومة، والمتمثلة في المبالغ المحتفظ بها بصندوق استثمار أموال الضمان والذي يشكل جزءا من إجمالي الدين العام، نحو 11.084 مليار دينار، ما يعادل حوالي 25.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات وزارة المالية.












































