حزب الأمة: هوية جديدة وإرث قديم

قبل أيام، انتخب حزب الأمة، الذي كان يعرف سابقاً باسم جبهة العمل الإسلامي، معاذ الخوالدة أميناً عاماً جديداً للحزب، في أول انتخابات قيادية تجري منذ تغيير اسمه. ويأتي هذا الانتخاب في لحظة مختلفة جذرياً عن التحولات السابقة في قيادة الحزب، بعد الحظر القانوني لجماعة الإخوان المسلمين، التي ارتبط بها الحزب تاريخياً وشكلت لعقود مرجعيته السياسية والتنظيمية الأساسية.

يحمل انتخاب الخوالدة دلالتين واضحتين. الأولى تتعلق بالجيل. فهو من مواليد عام 1985، وينتمي إلى جيل أصغر من الشخصيات التاريخية التي تعاقبت على قيادة الحركة الإسلامية وحزبها السياسي في الأردن. وقد ظهر الخوالدة سابقاً كأحد القيادات الشبابية، وشارك في الحراك الشعبي عام 2011.

أما الدلالة الثانية فتتعلق بموقعه على الخريطة السياسية الداخلية للحزب. فهو يرتبط عموماً بالتيار الأكثر اعتدالاً ومرونة، في مقابل منافسه النائب أحمد القطاونة، الذي ينظر إليه باعتباره ممثلاً للتيار الأكثر تشدداً داخل الحزب. وقد عكست نتيجة التصويت مدى التقارب بين الاتجاهين، إذ حصل الخوالدة على 382 صوتاً مقابل 369 للقطاونة، قبل أن ينسحب الأخير من الجولة الثانية.

لكن تركيبة القيادة الجديدة لم تستقر بالكامل بعد. فبموجب النظام الداخلي الجديد للحزب، يتعين على الخوالدة اختيار أعضاء المكتب التنفيذي، على أن يحصلوا على موافقة مجلس الشورى. وتشير التقديرات الداخلية إلى حضور قوي للتيار الأكثر تشدداً داخل المجلس.

وهذا يضع الأمين العام الجديد أمام اختبار مبكر: كيف يمكنه تشكيل مكتب تنفيذي قادر على العمل معه بفاعلية، وفي الوقت نفسه مراعاة توازنات القوى داخل الحزب، خصوصاً في المناصب الأساسية مثل نائب الأمين العام وأمين سر الحزب؟ ويكتسب هذا التحدي أهمية إضافية في ظل رغبة الخوالدة المعلنة في إدخال وجوه جديدة، مقابل قوى داخل الحزب تفضل استمرار النهج السابق.

لكن القضية الأهم لا تتعلق بالأسماء بحد ذاتها، وإنما بالسياسات التي يمكن أن تنتج عن تركيبة القيادة الجديدة. فإذا انتهى الأمر إلى مكتب تنفيذي توافقي يجمع مختلف التيارات، وهو ربما السيناريو الأكثر واقعية، فقد يجد الخوالدة أن هامش التحرك لإحداث تغييرات جوهرية في خطاب الحزب وسلوكه السياسي وخياراته الاستراتيجية محدود.

وتجعل التجربة التاريخية للحركة الإسلامية هذا السؤال أكثر أهمية. فقد شهدت محاولات سابقة لتقاسم النفوذ بين ما كان يوصف تقليدياً بمعسكري "الصقور" و"الحمائم" صعوبات لم تكن بسيطة، وأدت في بعض المراحل إلى أزمات داخلية واستقالات وخلافات حول الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار السياسي.

ما بعد حظر الإخوان

وراء تركيبة القيادة الجديدة يوجد تحد أعمق يتعلق بمستقبل الحزب بعد حظر جماعة الإخوان المسلمين. فمن الناحية القانونية، أصبحت الجماعة خارج المجال السياسي المسموح به، وحظرت الحكومة نشاطاتها وعضويتها.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن النموذج التنظيمي القديم أو الثقافة السياسية التي تشكلت على مدى عقود قد اختفت. فما زالت داخل النقاشات الداخلية تيارات مرتبطة باسم الجماعة ورمزيتها التاريخية، إلى جانب فكرة استمرار شكل من أشكال التنظيم بالتوازي مع الحزب المسجل قانونياً.

ويعيد ذلك إلى الذاكرة نموذجاً عرفته تجارب إسلامية عربية سابقة، يقوم على وجود حزب سياسي قانوني يعمل علناً، بينما تستمر منظمة حركية في الخلفية.

مثل هذا الترتيب شديد الصعوبة في الظروف الحالية. فالسياق الأردني الداخلي، إلى جانب البيئة الإقليمية والدولية، تغير بدرجة كبيرة، فيما أوضحت الدولة أن أي نشاط تنظيمي باسم جماعة الإخوان المسلمين المحظورة يقع خارج الإطار القانوني.

وشهدت الأشهر الأخيرة توقيف أشخاص على خلفية أنشطة قالت السلطات إنها مرتبطة بالجماعة المحظورة.

وبالتالي، سيكون من أبرز مهام القيادة الجديدة حسم هذه المنطقة الرمادية، ورسم خط واضح بين مرحلتين مختلفتين: الانتقال من حزب يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، إلى حزب سياسي يقف بصورة مستقلة، بهوية وطنية واضحة، وبنيته التنظيمية وقيادته وقراراته المستقلة، من دون هياكل قيادية موازية أو تسميات تنظيمية تعيد إنتاج النموذج القديم داخل الحزب.

العلاقة بين القيادة والكتلة النيابية

يرتبط بذلك تحد آخر لا يقل صعوبة، يتعلق بإدارة الخطاب السياسي للحزب وتحديد العلاقة بين قيادته التنظيمية وكتلته البرلمانية.

فبعض النواب تبنوا، في مراحل مختلفة، مواقف وخطابات بدت مستقلة نسبياً عن قيادة الحزب، مع وجود فروق واضحة في اللغة السياسية وسقف الخطاب العلني.

وبالاستناد إلى التمييز الذي وضعه ريتشارد كاتز وبيتر مير بين الوجوه الثلاثة للتنظيم الحزبي، الحزب على الأرض، والحزب في مكتبه المركزي، والحزب في السلطة العامة، فإن التحدي الذي يواجه حزب الأمة يكمن تحديداً في إدارة العلاقة بين هذه المستويات المختلفة.

فالنواب قد ينظرون إلى شرعيتهم الانتخابية باعتبارها تمنحهم مساحة واسعة من الاستقلال عن القيادة التنظيمية. ولذلك يحتاج الحزب إلى آلية تنسيق أكثر فاعلية، لا تحول الكتلة البرلمانية إلى مجرد امتداد إداري للمكتب التنفيذي، لكنها تضمن في الوقت نفسه أن تعكس في النهاية المواقف السياسية الأوسع للحزب وخياراته الاستراتيجية.

ماذا يريد الحزب من علاقته مع الدولة؟

التحدي السياسي الأكبر يتعلق بعلاقة الحزب بالدولة.

ما زال حزب الأمة الحزب المعارض الرئيسي في الأردن، بعد النتيجة غير المسبوقة التي حققها في انتخابات 2024 النيابية، عندما فاز بـ31 مقعداً من أصل 138.

لكن هذه النتيجة لا يمكن التعامل معها باعتبارها رصيداً سياسياً دائماً سيعاد إنتاجه تلقائياً في الانتخابات المقبلة. فالبيئة السياسية تغيرت منذ انتخابات 2024، وأصبحت العلاقات مع مؤسسات الدولة أكثر توتراً، كما تشير عدة تطورات إلى دخول الطرفين مرحلة مختلفة عن تلك التي سبقت الانتخابات.

وهذا يضع الحزب أمام سؤال استراتيجي يتجاوز إدارة الأزمة الحالية: ما نوع العلاقة التي يريدها مع الدولة خلال المرحلة المقبلة؟

هل يسعى إلى إصلاح العلاقة، وإرسال إشارات سياسية جديدة، وإعادة بناء الثقة، وتحديد المساحة المسموح له بالتحرك فيها بصورة أوضح باعتباره حزباً معارضاً؟ مثل هذا المسار سيتطلب قدراً من البراغماتية السياسية وإعادة النظر في بعض المواقف وأنماط الخطاب.

أم سيتجه إلى معارضة أكثر تشدداً، انطلاقاً من أن الأزمة لا تكمن في الحزب وإنما في سياسات الحكومة، وأن الكلفة الشعبية والسياسية للحفاظ على هوية معارضة واضحة أقل من كلفة التنازلات التي قد تؤدي إلى إضعاف هويته وقاعدته الانتخابية؟

لا توجد إجابة بسيطة عن ذلك.

فالتجربة المغربية، على سبيل المثال، تظهر الكلفة السياسية التي يمكن أن يتحملها حزب إسلامي عندما ينتقل من المعارضة إلى الحكومة ويصبح مسؤولاً عن تسويات وخيارات سياسية صعبة. أما التجربة التونسية، رغم اختلاف ظروفها بصورة كبيرة، فتظهر جانباً آخر من معضلة الحركات الإسلامية، خصوصاً عندما تتحول البراغماتية السياسية نفسها إلى موضع خلاف داخل القاعدة التنظيمية والاجتماعية للحركة.

لذلك لا يمكن اختزال المسألة في اختيار بين "الاعتدال" و"التشدد". القضية تتعلق بالدور السياسي الذي يريد حزب الأمة أن يؤديه داخل النظام السياسي الأردني المتغير.

غزة والضفة والبيئة الإقليمية

تصبح المسألة أكثر تعقيداً في ظل التحولات الإقليمية والدولية، من حرب غزة إلى مستقبل الضفة الغربية والقدس، والسياسات الإسرائيلية، وصولاً إلى تغير البيئة الدولية المحيطة بالحركات الإسلامية، بما في ذلك ظهور مقاربات أكثر تشدداً تجاهها في عدد من العواصم الغربية.

وهذه العوامل تعني أن الخيارات الداخلية للحزب تتأثر، إلى حد كبير، ببيئة إقليمية لا يملك الحزب السيطرة عليها.

وخلال فترة قصيرة نسبياً، مر حزب الأمة بسلسلة من التحولات كان يمكن لكل واحد منها، في ظروف مختلفة، أن يؤدي إلى أزمة داخلية كبيرة: حظر جماعة الإخوان المسلمين، تغيير اسم الحزب، القضايا والمحاكمات التي طالت بعض أعضائه ونوابه، ثم الانتقال الجيلي في القيادة.

ولهذا لا يمكن فهم انتخاب الخوالدة باعتباره مجرد تغيير اعتيادي في منصب الأمين العام. فالانتخاب يأتي في قلب مرحلة انتقالية لا تزال نتائجها النهائية غير محسومة.

السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان الحزب سيغير أسماء ووجوه قيادته أو مكتبه التنفيذي. المسألة هي ما إذا كان قادراً فعلاً على الانتقال من "جبهة العمل الإسلامي"، بكل ما يحمله الاسم من إرث تاريخي وعلاقة عضوية سابقة مع جماعة الإخوان المسلمين، إلى "حزب الأمة" باعتباره حزباً سياسياً أردنياً يسعى إلى إعادة تعريف هويته ووظيفته السياسية وعلاقته بالدولة وقاعدته الاجتماعية.

وفي المسافة بين الهوية الجديدة والإرث القديم، ستتحدد على الأرجح ملامح مستقبل الح