حرمان من الدعم والرعاية اللاحقة: أحداث بحاجة للمساندة والتحصين

رسم دانا الدعجة
رسم دانا الدعجة
الرابط المختصر

للمرة الثانية في حياته، يقضي أحمد* البالغ من العمر 17 عاماً فترة إعادة التأهيل في دار تأهيل الأحداث بإربد المخصصة للأحداث المحكومين، عقب إدانته بسرقة سيارة ونقود مطلع 2019 في مدينة السلط.

في المرتين اللتين أدين فيهما أحمد، لم ينخرط في أي من برامج التدريب المهني المتاحة في دار الأحداث، ولم يتلق خلالهما أي برامج تعديل سلوكي أو نفسي، إذ قضى فترة حكمه الأولى لمدة عام ملتحقاً ببرنامج محو الأمية الذي تتولى تنفيذه وزارة التربية والتعليم داخل دور الأحداث، وذلك عندما أدين في الخامسة عشرة من عمره بالسرقة أيضاً، ولدى خروجه، لم يخضع لأي عون أو رعاية لتجاوز ظروفه التي تدفعه للعودة إلى الجريمة، وحالياً يقضي أحمد وقته داخل دار الأحداث بمشاهدة التلفاز والتسلية بالألعاب الإلكترونية ولعب الكرة، في الأوقات التي يُسمح لهم فيها بفعل ذلك، كما تروي والدة أحمد لمعدة التقرير.

أحمد هو أحد الحالات السبع التي رصدها التقرير من الأحداث الذين لم يتلقوا المساعدة اللازمة لإصلاحهم في دور الأحداث التي مكثوا فيها، ولم يخضعوا لبرامج متخصصة لتعديل سلوكياتهم بما يساعدهم على تجاوز الدوافع لتكرار الجرائم التي ارتكبوها نتيجة ظروف شخصية أو اجتماعية أو مالية وجدوا أنفسهم في مواجهتها، ويخالف هذا القصور في إصلاح الحدث قانون الأحداث رقم (32) لسنة 2014، والذي يقضي في الفقرة أ من المادة الرابعة منه، بأن "تراعى مصلحة الحدث الفضلى وحمايته وإصلاحه وتأهيله ورعايته عند تطبيق أحكام هذا القانون".

ويُقسم المنتفعون من خدمات هذه الدور الى أحداث محكومين في دور التأهيل ارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون، وأحداث موقوفين في دور التربية بانتظار المحاكمة، وتخضع الفئتان للبرامج ذاتها.

أعداد الاحداث المكررينل

 

 

الافتقار لبرامج تأهيل علمية

يخضع الحدث بمجرد وصوله إلى دار الأحداث لتقييم شامل ضمن ما يطلق عليه "منهجية إدارة الحالة"، بإشراف فريق يحدده الأخصائي الاجتماعي، الذي يتولى الإشراف على الحالة ومدير الدار، إذ توثق البيانات المتعلقة بالحدث وأسرته في ملف خاص، ثم يقرر الأخصائي حاجات الحدث، ويجري دمجه بالمتاح من البرامج وفقاً لرغبته، كما يوضح صقر المعايطة، مدير دار تربية الأحداث في الرصيفة للفئة العمرية من 16-18 عاماً، وعماد صهيبة، مدير دار تربية الأحداث في عمان للموقوفين ضمن الفئة العمرية  12-15 عاماً.

ويُتاح للمنتفعين داخل دور تربية وتأهيل الأحداث برامج التعليم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، وتشمل التعليم غير النظامي (المنزلي)، وبرنامج محو الأميّة الموجه للأحداث الأميين، بالإضافة إلى برنامج ثقافة المتسربين لإتاحة الفرصة أمام الأحداث القادرين على القراءة والكتابة لإكمال تعليمهم بعد الخروج، وتخصص لهم وزارة التربية معلمين يقومون بتدريسهم داخل الدور، وبلغ مجموع الأحداث المستفيدين من برامج التعليم عام 2018 (976) حدثاً، وارتفع العدد إلى (1095) حدثاً عام 2019، وفقاً لمديرية الأحداث والأمن المجتمعي في وزارة التنمية الاجتماعية.

وينفذ داخل دور الأحداث أنشطة تهدف إلى التفريغ النفسي كبرنامج الصديق، الذي يطبق منذ عام 2000 بالتعاون مع مؤسسة كويست سكوب للتنمية الاجتماعية في الشرق الأوسط.

هذا البرنامج يتضمن نشاط المطابقة الذي يقوم على ربط الحدث بمتطوع لمدة 4 أشهر، يقوم فيها الأخير بزيارة الحدث 3 مرات أسبوعياً، وينفذ معه أنشطة ترفيهية، بهدف ملء وقته لمواجهة الفراغ، بحسب منسقة المشروع في مؤسسة كويست سكوب منار عمرو، التي تشير إلى أن هؤلاء المتطوعين هم طلبة جامعيون، يخضعون لتدريب على مدى 3 أيام، لكسب مهارات التعامل مع الحدث وبناء مساحة صداقة معه عبر تبادل القصص، لمساعدته على واجهة الأمور بشكل غير مباشر، وفي حال كان لدى الحدث مشكلة أو ضغوطات معينة ينقلها المتطوع إلى الأخصائي الاجتماعي في الدار.

وعلى الرغم من أهمية ملء أوقات الأحداث داخل دور الأحداث وخاصة الذين يقضون محكومياتهم، لكن هذه الأنشطة لا تعدو سوى مساحات للترفيه وليست موجهة بشكل مباشر لتحسين نظرة الحدث لنفسه، فهذه البرامج يجب أن يتولاها مختصون مؤهلون لذلك، وفقاً لعميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة اليرموك والمتخصص بعلم الاجتماع والجريمة حسين محادين.

وكما وثقت معدة التقرير، فإن هذا البرنامج يجري تفعيله لمدة محددة ثم تتوقف نشاطاته، إذ يقترن تطبيقه بتوفر التمويل، وجرى تفعيله لمدة 4 شهور عام 2019، وانتهى في سبتمبر/أيلول من العام ذاته، وتوقف منذ ذلك الوقت.

التركيز على التدريب المهني

تثبت تجارب الأحداث المكررين التي يوثقها التقرير أن منهجية إدارة الحالة لا تعدو سوى أن تكون إجراءات روتينية تنظيمية، في ظل الافتقار لمختصين يتابعون الحالات المختلفة وفقاً لظرف واحتياجات كل حالة.

وفي كل دار، يتولى أخصائيون اجتماعيون تنظيم وقت الأحداث، ففي دار تربية الرصيفة، يتناوب 3 أخصائيين اجتماعيين في التعامل معهم، وينظم هؤلاء مع مدير الدار الأنشطة للأحداث، كما يقول المعايطة.

ويعمل في دور الأحداث الستّ، الموزعة على عدة محافظات، 16 موظفاً من المتخصصين في الخدمة الاجتماعية، و26 في علم الاجتماع.

وفي ظل محدودية البرامج المتاحة، تزيد نسبة التركيز على التدريب المهني، إذ تطبق دور التربية والتأهيل المخصصة للفئات من 16-18 عاماً برامج تدريب مهني بهدف تعليم الأحداث مهنًا مختلفة كبديل للكسب غير المشروع، وتشمل تلك البرامج صيانة الأجهزة الخلوية، والنجارة والحدادة، والكوافير وتصفيف الشعر، وصناعة الحلويات، وصناعة الخرز والفسيفساء، والخياطة للإناث، وصناعة التحف وتنسيق الزهور للإناث، وفقاً لبيانات مديرية الأحداث والأمن المجتمعي.

وينْضم الأحداث لتلك البرامج وفقاً لرغباتهم، كما تلعب المدة التي سيقضيها الحدث في الدار دوراً في تحديد البرنامج الملائم، فالبرامج قصيرة الأمد تطبق بشكل أساسي مع الأحداث الموقوفين، مثل تصليح الأجهزة الخلوية، أما الأحداث المحكومين لمدة أطول يلتحقون بالبرامج طويلة الأمد كالنجارة والتنجيد، والتي تؤهلهم لدخول سوق العمل، كما يوضح مدير مديرية الأحداث والأمن المجتمعي في وزارة التنمية الاجتماعية محمود الهروط.

ولا يخضع الأحداث ما دون 15 عاماً لتدريب مهني، وهذا يزيد من أوقات الفراغ التي يقضيها الأحداث ضمن هذه الفئة داخل الدار، كما تقترن استمرارية برامج التدريب المهني بوجود مؤسسة مجتمع مدني داعمة ترفد الدور بالمستلزمات والمدربين، وخلاف ذلك تتوقف برامج التدريب، علماً أن دور الأحداث ذات الطاقة الاستيعابية الكبيرة كالرصيفة واربد تضم مشاغل ومنجرة ملحقة بها.

ويعتبر المدير التنفيذي لجمعية الرعاية اللاحقة للسجناء وأسرهم الباحث الاجتماعي عبدالله الناصر، أن فعالية التدريب المهني تتجلى في متابعة انخراط الحدث بممارسة ما تعلمه لدى خروجه من الدار، والاعتماد على الترزق من مهنته، وهذا يكون عبر تفعيل الرعاية اللاحقة، الهادفة إلى قياس المخرجات.

خ

غياب الدعم النفسي

كانت ليلى* (17 عاماً) في حالة نفسية صعبة عندما دخلت دار تربية الفتيات بالرصيفة في تشرين أول الماضي، بعد مرورها بتجربة قاسية في مقتبل عمرها، نتيجة زواج تبعه طلاق مبكر، ما تسبب بظهور ردود فعل قاسية لديها في ظلّ لوم أسرتها لها على طلاقها، وعدم تقبلها ذلك، فلجأت حنان إلى حماية الأسرة في إربد، كما تقول، وخلال مكوثها هناك تكرر تهجمها على موظفين في المكتب اشتكوا عليها، فأحالها النائب العام إلى دار الفتيات بالرصيفة، مكثت فيها أسبوعاً، لكنها لم تتلق أي دعم نفسي يناسب حالتها، فلم تحظ الفتاة إلا بجلسة نصح من مديرة الدار، وساعدتها بالالتحاق بدورة للتجميل في مركز التدريب المهني بإربد بعد خروجها، بحسب روايتها لمعدة التقرير.

وفي ظل فقر دور الأحداث بالرعاية النفسية اللازمة، فلا يتحقق المبتغى من إقامتهم فيها، نتيجة نقص المختصين الذين يجب أن يتواصلوا معهم بشكل يومي لتقديم التأهيل والدعم النفسي اللازم، وفقاً للمتخصصة في الإرشاد النفسي أديبة بدران، التي ترى من خلال تجربتها في التعامل مع الأحداث داخل الدور، وفي مركز نايا للتدريب والتنمية في مدينة الزرقاء، الذي يستقبل الأحداث الذين يطبقون الخدمة المجتمعية، ضرورة وجود قسم إرشاد نفسي في جميع دور الأحداث، يشرف عليه مختصون بالمجال، فمن الأطفال الذين يرتكبون الجريمة من لديه نوازع نفسية معينة أو ربما مرض نفسي، على المتخصص فهمها والتعامل معها بما يعود بالفائدة على هذا الطفل ليعدل السلوك غير الطبيعي، وفقاً لقولها.

ويوافقها في ذلك الناصر، قائلاً إن الحدث الجانح يعاني من عدم الاستقرار النفسي، وعدم القدرة على تنظيم طريقة إشباع الحاجات والرغبات كما يفعل الأطفال الأسوياء، ولديه تصور سلبي عن العالم المحيط به، وغالباً ما يكون مستواه التعليمي متدنياً، ويميل لمعاداة الوالدين، كما أن استجاباته للضغوط الأسرية والاجتماعية عنيفة، معتبراً أن عدم التعامل مع هذه السلوكيات من قبل مختصين يقود إلى استمرارها وتكررها.

ويتطابق ما وثقه التقرير مع ما جاء في تقرير حالة حقوق الإنسان الصادر عن المركز الوطني لحقوق الإنسان عام 2018، بشأن ضعف توافر خدمة الرعاية النفسية وخلوّ معظم الدور من أخصائيين نفسيين، إذ بلغ إجمالي المتخصصين في علوم النفس (إرشاد نفسي، علم نفس، والصحة النفسية) حتى مارس/آذار عام 2020 (8) أشخاص يتوزعون على جميع دور الأحداث في المملكة، بحسب بيانات مديرية الأمن المجتمعي، ونتيجة هذا النقص والقصور غالباً ما تستعين دور الأحداث بمنظمات المجتمع المدني لتطبيق برامج تعالج الجانب النفسي، على الرغم من حاجة الحدث لدعم مستمر كما يبدو من روايات الأحداث وذويهم الذين يوثق التقرير قصصهم، إذ يكشف محمد* (17 عاماً) أن تعامله مع مدعٍ عام، وقضاة وضباط شرطة ولّد لديه خوفًا وتوترًا دائمين، دون أن يجد من يحتوي هذه المشاعر ويعالجها، خاصة أنه قضى العام الماضي 10 أشهر موقوفاً في دار تربية الرصيفة قبل صدور حكم بحقه.

وتركز وزارة التنمية الاجتماعية على تقديم خدماتها الإيوائية، أما الصحة النفسية فهي من مسؤولية وزارة الصحة، وتسهم بها مؤسسات المجتمع المدني، كما يوضح الهروط، معتبراً أن الأصل أن ترفد وزارة الصحة كل دار بطبيب نفسي، كاشفاً عن مشكلة تعبئة الشواغر التي تواجهها وزارة التنمية الاجتماعية، إذ زودها ديوان الخدمة المدنية عام 2019 بـ 45 متخصصاً فقط، بينما بلغ عدد الشواغر 175 شاغراً موزعة على دور الأحداث ومكاتب الخدمة الاجتماعية بالمحاكم ومكاتب شرطة الأحداث ومكاتب حماية الأسرة.

 

ح

لا رعاية لاحقة

عندما أفرج عن أسامة* ( 12 عاماً) بعد توقيفه لأول مرة عام 2018، عاد إلى بيت خالته في أحد أحياء مدينة الزرقاء حيث أودعته أمه بعد انفصالها عن والده وزواجها بآخر، ولم يجد الطفل الرعاية الكافية لاحتوائه ولم يخضع لأي متابعة ورعاية لاحقة من وزارة التنمية بعد خروجه من دار الأحداث، ليعود لتعاطي المخدرات كل مرة.

وفي الجانب الاجتماعي المفضي إلى الجنوح، يتبين أثر البيئة المحيطة بالحدث على شخصيته، ما يفرض ضرورة متابعة وزارة التنمية الاجتماعية للجهة التي ستتسلم الحدث بعد خروجه من الدار عبر قنوات اتصال فاعلة، لضمان عدم عودته لمنحى الجريمة، وفقاً للناصر.

ويؤكد محادين أن رعاية الأحداث يجب أن تقوم على بُعدين، الأول وقائيٌّ لمنع حدوث الجريمة، أما الثاني يتمثل بالرعاية اللاحقة، لتوفير السند الاجتماعي والحكومي لهؤلاء الأحداث، ويتطابق ذلك مع الاستراتيجية الوطنية الشاملة لنظام عدالة الأحداث التي تركز على الجانبين الوقائي والعلاجي.

ورغم صدور نظام الرعاية اللاحقة للأحداث عام 2016، لم تفعّله التنمية حتى الوقت الراهن، بذريعة عدم وجود منهجية تنفيذية للنظام، كما جاء على لسان رئيس قسم مراقبة السلوك في الوزارة عمر فاضل، علماً أن المادة 41 من قانون الأحداث تقضي بأن "تقدم الرعاية اللاحقة للحدث بعد انتهاء مدة إيداعه في دار تربية الأحداث أو دار تأهيل الأحداث أو دار رعاية الأحداث لضمان اندماجه في المجتمع وحمايته من الجنوح على أن تحدد أسس الرعاية اللاحقة وإجراءاتها بموجب نظام يصدر لهذه الغاية ".

وتتمثل أهداف الرعاية اللاحقة كما وردت في المادة الثالثة من النظام باستكمال تنفيذ البرامج المقدمة للحدث داخل الدار، ومساندته لضمان اندماجه في المجتمع ومتابعة وضعه التعليمي والمهني، بالإضافة إلى تحصينه من العودة إلى الجنوح عبر تدعيم سلوكه الإيجابي نحو أسرته وبيئته الاجتماعية.

ويرى الناصر أن أسرة الحدث قد تكون أكبر المشاكل التي تواجهه بعد الإفراج عنه، فعدم وجود أسرة مستقرة مادياً ونفسياً واجتماعياً قد يعيده إلى الجريمة من جديد، مشيراً إلى أن أسر الأحداث الذين يقعون في نزاع مع القانون تفتقد لأي توعية بكيفية التعامل معهم، وإعادة إدماجهم بما يقوّم سلوكياتهم، في ظلّ عدم تطبيق فاعل للبرامج التأهيلية لوالدي الحدث المحتاج إلى الحماية أو الرعاية، رغم صدور تعليمات بذلك عام 2015، بينما يقول الهروط أن الوزارة بدأت بتطبيق ذلك عبر محاضرات عُقدت لأهالي أحداث مكررين في إربد، ولم تتوسع بالأمر بسبب معيقات تتعلق بتلك الأسر.

ويتبين أثر حلقة الرعاية اللاحقة المفقودة من منهجية رعاية الأحداث في تكرار الأحداث لجرائمهم، بحسب المعايطة الذي يرى أن كل ما يستفيد منه الحدث داخل الدار يذهب هباء منثوراً لدى خروجه وعودته إلى بيئته التي تكون غالباً السبب الأول الذي يشجعه على الجنوح، ويوافقه في ذلك صهيبة مبيناً أن عملية التأهيل متكاملة، جزء منها يتم داخل دور التربية أو التأهيل ويستكمل الجزء الآخر في بيته وبيئته، مؤكداً على ضرورة إيلاء الرعاية اللاحقة أهمية أكبر.

ويعزو الهروط عدم تفعيل الرعاية اللاحقة إلى عدم وجود أرضية ملائمة لتطبيقه على الصعيد الجمعي، فغالبية الأحداث المكررين ينحدرون من أسر مفككة ذات استجابة ضعيفة للإصلاح، على حدّ قوله، موضحاً أن تنفيذ الرعاية اللاحقة يتطلب تفعيل دَور جهات أخرى مساندة كالقضاء الشرعي لمتابعة المُكلّف برعاية الحدث المكرر خاصة.

ماذا يحتاج الحدث الجانح؟

يعزو محادين ارتفاع نسبة تكرار الجريمة بين الأحداث إلى عدم تطبيق برامج تأهيلية تستند إلى معايير علمية داخل دور الأحداث، معتبراً أن تلك البرامج المطبقة ليست برامج تأهيلية موجهة لأحداث جانحين، ولم تثبت فاعليتها لغياب الأبعاد التي تغطي النواحي التنموية والنفسية للحدث، مؤكداً على ضرورة أن يتدخل علم الجريمة في وضع برنامج تأهيلي يقوم على مراعاة الفروق الفردية من أجل التعديل السلوكي، ولا بد أن يقوم المختصون بدراسة أنماط التنشئة في محيط الحدث عندما يقع في سلوك مخالف، فهؤلاء بحاجة إلى مساندة ليتم إطفاء السلوك الخاطئ لديهم.

ولا يجدي الاكتفاء بحبس الأحداث داخل مهاجع مختلطة، إذ يكسبهم الرفاق الجدد داخل دور التربية والتأهيل أنماطاً سلوكية جديدة ليست قويمة فتأتي المخرجات سلبية على عكس ما هو مأمول، لتقع جريمة العَوْد، لذلك لا بدّ من تصنيف الأحداث بعد دراسة الحالة الشخصية والنفسية والاجتماعية لكل منهم، وتحديد آلية تأهيل كل فرد وفق احتياجاته، يوضح محادين.

ورغم أن قانون الأحداث ينص على الفصل بينهم، كما جاء في الفقرة (ب) من المادة الخامسة بأن "تتخذ الإجراءات اللازمة لفصل الأحداث وفقا لتصنيف قضاياهم أو درجة الخطورة"، لكن لا فصل فعلياً بين الأحداث، إذ يختلط جميع الموقوفين في دور التربية ببعضهم في جميع المرافق، وكذلك الحال بالنسبة للمحكومين في دور التأهيل، كما وثقت معدّة التقرير عبر الحالات التي التقت بها، ووفقاً لتأكيدات المعايطة والهروط، فإن النسبة الأكبر من الجرائم التي يرتكبها الأحداث تتعلق بالمخدرات، وهؤلاء، كما يرى المعايطة في ضوء وظيفته، يجب فصلهم لأن اختلاطهم بالآخرين يحيل دور الأحداث إلى بيئة خصبة لتبادل الخبرات الجرمية.

__________________________________________________________

* أسماء مستعارة للأحداث حرصًا على حمايتهم وحفاظًا على خصوصيتهم.

** تمّ إعداد هذا التقرير بدعمٍ من منظمة "صحافيون من أجل حقوق الإنسان" (JHR).

أضف تعليقك