حاصر حصارك 2026: فلسطين تحررنا جميعًا
اختُتمت فعاليات الدورة الثانية عشرة من "أسبوع حاصر حصارك"، التي أقيمت هذا العام تحت شعار "فلسطين تحررنا جميعًا"، بتنظيم من حركة "الأردن تقاطع" (Jordan BDS) وبالشراكة مع عدد من المؤسسات والجمعيات، وبمشاركة واسعة عكست تنوعًا لافتًا في الأطياف المجتمعية الأردنية وانخراطها في دعم القضية الفلسطينية.
يأتي هذا الأسبوع بوصفه النسخة الأردنية من "أسبوع مقاومة الاستعمار والفصل العنصري" العالمي، الذي يُنظم سنويًا في أكثر من 200 مدينة حول العالم، ضمن حراك دولي متصاعد لرفع الوعي بممارسات الاحتلال "الإسرائيلي"، وحشد الدعم الشعبي وتعزيز التضامن العابر للحدود مع الشعب الفلسطيني.
امتدت فعاليات الأسبوع خلال الفترة من 30 آذار/مارس وحتى 10 نيسان/أبريل 2026، متضمنة سلسلة من الأنشطة الثقافية والفنية والحوارية والتطوعية، التي سعت إلى تسليط الضوء على طبيعة المشروع الصهيوني وممارساته وآليات مواجهته، ورفع الوعي حول الانتهاكات وجرائم الإبادة التي يرتكبها العدو الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، وإبراز أدوات مقاومته وتعزيزها، بالإضافة إلى رفع الوعي حول أهمية سلاح المقاطعة وتوسيع دوائر الحشد لحملاته.
ثوب وحكاية: من الذاكرة الفلسطينية
افتُتحت فعاليات "أسبوع حاصر حصارك" في 30 آذار/مارس، بمعرض للتطريز الفلسطيني استضافه بيت شقير للثقافة والتراث، مقدمًا تجربة بصرية وثقافية غنية جمعت بين الإرث الشعبي وما يحمله الثوب الفلسطيني من حكايات إنسانية ومجتمعية حية، تظهر في تفاصيله وغُرَزه.
سلط المعرض الضوء على دور التطريز في حفظ الهوية والذاكرة، وأهمية إعادة قراءة حضور الثوب في تفاصيل الحياة اليومية، بوصفه إرث يعبر عن خصوصية كل منطقة وبصمتها الثقافية والفنية.
ضم المعرض مجموعة مختارة من الأثواب والأعمال التطريزية القادمة من مختلف مناطق فلسطين، تنوعت بين قطع تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين وأخرى حديثة.
وفي ثلاث جولات رئيسية، امتدت كل منها لساعة، تنقل خلالها الزوار ضمن مسار واحد تقوده أسيل الشعر وتسنيم الوعل، اللتين قدمتا شروحات حية عن كل ثوب، وخصوصيته وهوية المكان الذي ينتمي إليه من خلال النقوش والغُرَز والألوان وأنواع القماش، بالإضافة إلى القصص والحكايات المرتبطة به.
تشير أسيل الشعر، وهي باحثة ومدربة تطريز، إلى أنّ أهمية المعرض تنبع من كونه مساحة لاستحضار الذاكرة الفلسطينية بطريقة قريبة ومباشرة، من خلال التطريز والأثواب وما تحمله تاريخ وهوية. وتضيف: "مجيء المعرض ضمن أسبوع "حاصر حصارك 2026" يعطيه معنى أعمق لأنه ربط بين التراث والواقع، وذكرنا قدّيش مهم نحافظ على هويتنا وننقلها بشكل حي ومؤثر".
واستقطب المعرض جمهورًا متنوعًا، شمل زوارًا من فئات عمرية وخلفيات اجتماعية مختلفة، تقول أسيل: "أكثر شيء لفتني كان حضور فئة الشباب وتفاعلهم، وهذا كان مفاجئ بشكل إيجابي، لأنه بيبين إنه في اهتمام حقيقي من الجيل الجديد بالتراث الفلسطيني وقصصه" وقد تجلّى تفاعل الزوار في تنوع أشكاله، ما بين طرح الأسئلة، والتصوير، والدخول في نقاشات حول القصص والذكريات المرتبطة بكل قطعة.
وتضيف أسيل: "في لحظات كانت مؤثرة لمّا بعض الزوار وقفوا يحكوا عن ارتباطهم الشخصي أو العائلي بالتطريز أو بأماكن معينة، هاد النوع من التفاعل كان مهم لأنه حوّل المعرض من مجرد عرض، لشيء حي ومرتبط بالذاكرة الشخصية والجماعية بنفس الوقت".
وبالتوازي مع المعرض، أُقيمت ورشة تطريز امتدت لثلاث ساعات، أتاحت للزوار فرصة التعرف عن قرب على هذا الإرث الفني والثقافي، والانخراط في تجربته، والاستماع إلى الحكايات التي تنسجها كل غرزة، في تفاعل مباشر مع أحد ملامح الهوية الثقافية الفلسطينية.
"كلمات لا تقيد": جلسة قراءة ونقاش عن أدب الأسرى
في الثاني من نيسان/أبريل، تواصلت فعاليات الدورة الثانية عشرة من "أسبوع حاصر حصارك" من خلال فعالية أدبية بعنوان "كلمات لا تُقيَّد"، استضافتها جمعية الطليعة الثقافية، وفتحت مساحة للنقاش حول الأدب بوصفه فعلًا تحرريًا، ينكسر فيه القيد ولا تُقيَّد فيه الكلمة.
ناقشت الجلسة في جزئها الأول رواية "قناع بلون السماء"، الحائزة على "الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)" لعام 2024، للروائي باسم خندقجي، وهو أسير محرر مُبعد إلى مصر، الذي شارك في اللقاء عبر اتصال مباشر.
أدار الجلسة الروائي والإعلامي محمد جميل خضر، إذ استُهلت بنقاش مفتوح بين الحضور، تناول الرواية من زوايا متعددة، وتوسّع ليشمل أدب الأسرى بوصفه أحد أبرز تجليات الإنتاج الثقافي المقاوم.
وخلال النقاش، توقف الحضور عند خصوصية تجربة الكتابة داخل الأسر، ففيها يعيد الأسير تشكيل عالمه خارج الجدران، ويحفظ ذاكرته من التآكل ويرسل رسائله إلى الخارج، لتتحول النصوص إلى أصوات حية تحمل فكر الأسرى وشهاداتهم، وتواجه محاولات الاحتلال في عزلهم ومحاصرة حضورهم الثقافي، لتغدو الكتابة نفسها أداة نضال ومقاومة.
وفي استكمال للنقاش، انضم باسم خندقجي إلى الجلسة عبر اتصال مباشر، إذ تحاور مع الحضور حول روايته، وتجربته الأدبية، وأهمية أدب الأسرى في اللحظة الراهنة سواء على المستوى الثقافي أو الوطني.
وانتقلت الجلسة في جزئها الثاني إلى مناقشة أوضاع الأسرى في ظل التصعيد المتواصل، حيث انضمت الصحفية والمنسقة الإعلامية للحملة العالمية لإنقاذ الأسرى غفران الزامل، وركزت المداخلة على أحوال الأسرى وما تشهده السجون "الإسرائيلية" من سياسات قمعية متزايدة، في سياق هجمة تستهدف الحركة الأسيرة والشعب الفلسطيني عمومًا.
كما تناولت الزامل ما يمثله "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" من تحول جذري في سياسات الاحتلال، وما يحمله من تداعيات خطيرة على واقع الأسرى ومستقبلهم، وعلى مجمل الفعل المقاوم داخل الأراضي المحتلة، وفتح هذا الطرح نقاشًا موسعًا مع الحضور، انطلق من سؤال اللحظة "ماذا يمكن فعله في ظل هذه التهديدات المتصاعدة؟"، ودور الأفراد والمبادرات والمؤسسات، وممكنات الفعل داخل فلسطين وخارجها دعمًا للأسرى وحماية لهم.
"على ضفتي النهر": بطولات الأردنيين في فلسطين
في التاسع من نيسان/أبريل، أقيمت في سينما الرينبو ثالث فعاليات "أسبوع حاصر حصارك" بعنوان "على ضفتي النهر"، في أمسية ثقافية أعادت تسليط الضوء على بطولات الأردنيين في النضال من أجل فلسطين، واستحضرت قصصًا تعكس عمق العلاقة بين الشعبين على ضفتي النهر.
توزعت الفعالية بين الصورة والذاكرة وبين الوثيقة والحكاية، إذ عُرض فيلم "مفقود 48" للمخرج عبد الفتاح الداوود، الذي يوثق رحلة الباحث طارق البكري في تتبع تداعيات حرب عام 1948 على الدول العربية وعلى عائلات الجنود الذين قاتلوا دفاعًا عن فلسطين، ولم تُعرف مصائرهم، ويتتبع الفيلم قصة الجندي الأردني حنا نصراوين الذي شارك في الحرب، وسُجّل في عداد المفقودين لتبقى قصته مفتوحة على الذاكرة والأسئلة.
وبالتوازي مع عرض الفيلم، ضمّت الفعالية معرضًا وثائقيًا استعرض دور الأردنيين في الدفاع عن فلسطين عبر محطات تاريخية مختلفة، من خلال صور ومعلومات تناولت معارك خاضها الأردنيون، وشخصيات كان لها حضورها في ميادين القتال، وبين هذه الصور تولى متطوعون مرافقة الزوار ليجيبوا عن أسئلتهم ويرووا تفاصيل الأحداث.
واختُتمت الفعالية بحوار مفتوح بين الجمهور والصحفية رانيا الشلبي، التي تناولت جذور الحركة الصهيونية وأطماعها التوسعية في الوطن العربي، واستعادت محطات من البطولات الأردنية. ثم انتقل النقاش حول مسارات العمل وفرص التحرك على مستوى الأفراد والمجتمع.
وجاءت هذه الفعالية في سياق لحظة سياسية وإنسانية متصاعدة في فلسطين، فسعت إلى إبراز عمق العلاقة التاريخية والوجدانية بين الأردن وفلسطين، بوصفهما امتدادًا واحدًا في الهوية والقضية، إلى جانب توثيق بطولات الأردنيين الذين شاركوا في الدفاع عن فلسطين، وتسليط الضوء على تضحياتهم عبر مختلف المحطات التاريخية. كما سعت إلى إعادة إحياء الذاكرة الجمعية وفي هذا السياق برزت الكلمة والفن بوصفهما وسيلتين للمقاومة وحفظ الرواية من النسيان، وإبقائها حاضرة في الوعي العام.
ازرع كرامة، ازرع صمودك
اختُتمت فعاليات "أسبوع حاصر حصارك"، يوم الجمعة 10 نيسان/أبريل، بنشاط زراعي نظمته العربية لحماية الطبيعة في غور الصافي، بمشاركة نحو 50 متطوعًا ومتطوعة، زرعوا 500 شجرة ليمون في أراضٍ لمديرية الزراعة ولمزارعين في المنطقة، في مبادرة جمعت بين العمل التطوعي والفعل الوطني تحت عنوان "ازرع كرامة، ازرع صمودك".
ركزت الفعالية على تعريف المتطوعين المشاركين على مفهوم السيادة على الغذاء، وأهمية الاكتفاء الذاتي، وحماية الأرض في ظل التحديات الراهنة بما فيها الأطماع التوسعية للاحتلال "الإسرائيلي" التي تهدد الأرض والموارد.
كما سعت إلى إعادة وصل علاقة المتطوعين مع الأرض بوصفها امتدادًا للهوية، من خلال مشاركتهم في تجربة الزراعة نفسها.
وجاء اختيار أشجار الليمون لكونها موردًا اقتصاديًا قادرًا على توفير مصدر دخل مستدام للمزارعين في المنطقة، بما يعزز استقرارهم الاقتصادي ويدعم استمرارية عملهم في أراضيهم.
وشهد النشاط تفاعلًا لافتًا من المشاركين، خاصة من الأطفال الذين خاض كثير منهم تجربة الزراعة للمرة الأولى، ضمن مساحة تعليمية ربطت بين المعرفة والممارسة، إذ تضمّن النشاط جانبًا تعريفيًا وتدريبيًا عرّف المشاركين على أساليب الزراعة المحلية، وطبيعة المحاصيل واختلافها بين المناطق والمواسم.
اختُتم "أسبوع حاصر حصارك" بعد سلسلة من الفعاليات التي تنوعت بين الثقافة والفن والعمل الميداني، مقدمًا مساحة جامعة لتكامل الجهود وفرصة لتوحيد أشكال النضال من أجل الحقوق الفلسطينية كافة. وشكّل الأسبوع منصة وفضاء ثقافي يتبنى الفن الملتزم بقضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ويبقيها حاضرة في الوعي الجمعي.





















































