حادثة اعتداء على طفلة تعيد ملف الرقابة ومعايير السلامة في قطاع النقل المدرسي إلى الواجهة
أعادت حادثة الاعتداء والتي ظهرت مؤخرا في مقطع فيديو متداول لسائق حافلة نقل طلبة على طفلة في طريقها إلى المدرسة تسليط الضوء على ملف سلامة الأطفال خلال رحلتهم اليومية.
ورغم أن التحقيقات كشفت أن الطفلة هي ابنة السائق نفسه، وأن القضية تتابع حاليا لدى إدارة حماية الأسرة، إلا أن الحادثة أثارت جدلا واسعا حول واقع نقل الطلبة ومدى توفر معايير السلامة والرقابة على الحافلات الخاصة، في وقت تفتقر المملكة إلى شبكة نقل عام فعالة، يجد الأهالي أنفسهم أمام خيارات محدودة، غالبا ما تحكمها الكلفة قبل السلامة.
رغم الجهود التنظيمية خلال السنوات الماضية، لا يزال قطاع النقل المدرسي يعكس فجوة واضحة بين الواقع والتشريعات، حيث تشير بيانات هيئة تنظيم قطاع النقل البري إلى وجود نحو 2,211 حافلة مدرسية مرخصة فقط في مختلف المحافظات، تتركز غالبيتها في العاصمة عمان.
وقبل تنظيم القطاع، كان عدد الباصات غير القانونية يقارب 30 ألف باص غير مرخص يسير في الشوارع دون دون أي معايير للسلامة أو رقابة.
آلاف الحافلات تعمل خارج الإطار القانوني، في ظل تطبيق نظام ترخيص خدمات نقل الطلبة ورياض الأطفال لعام 2018، الذي يحدد القواعد الأساسية لترخيص المركبات والشركات العاملة، ويمنع التشغيل بدون ترخيص رسمي.
يقول رئيس لجنة الباصات الحكومية هشام ناجي، في حديثه لـ "عمان نت" إن حادثة الاعتداء ليست الأولى، مشيرا إلى تكرار بعض الحوادث الفردية السابقة، واصفا الفعل بأنه غير مقبول ولا يعكس سلوكا واعيا.
ويكشف أن نطاق عمل اللجنة يقتصر على مناطق محددة، بينما تبقى الحافلات غير المرخصة خارج أي رقابة فعلية، مما يترك جزءا كبيرا من القطاع في منطقة رمادية، رغم انخفاض عدد الباصات المخالفة بعد جائحة كورونا إلى ما بين 6 و8 آلاف، إلا أن هذا الرقم لا يزال يعكس حجم التحدي.
ويضيف أن هناك عدة مقترحات لتقنين عمل السائقين ضمن الاستثمار الرسمي، بما يسهم في تعزيز خزينة الدولة وخلق فرص عمل، وضمان نقل آمن للطلاب، مشددا على صعوبة متابعة السلوك النفسي أو العصبي للسائقين بشكل دوري.
من جهتها، تؤكد هيئة تنظيم قطاع النقل البري في تصريحات سابقة، أن سلامة الطلبة أولوية قصوى، وأن أي مركبة أو سائق يعمل دون ترخيص رسمي يمثل مخالفة جسيمة.
وتقول إن الهيئة تعمل على تصويب أوضاع السائقين والباصات غير المنظمة، وفرض الرقابة على جميع وسائل النقل المدرسي، بما في ذلك الباصات الحكومية والخاصة المرخصة، لضمان التزامها بمعايير السلامة، مشددة على اتخاذ إجراءات ضد المخالفين، ومنع تشغيل الباصات التي تنقل أعدادا تفوق السعة المسموح بها، وأن أي سلوك غير مقبول من قبل السائقين سيواجه مساءلة قانونية.
كما توضح الهيئة أنها تعمل مع وزارة التربية والتعليم وإدارة السير على تطوير آليات رقابية ورفع كفاءة السائقين من خلال دورات تدريبية إلزامية تشمل إدارة السلوك والطوارئ والسلامة العامة.
منظور حماية الطفل
تكمن المشكلة في التفاصيل اليومية التي لا توثق، داخل بعض الحافلات، يجلس أطفال بعدد يفوق السعة المسموح بها بثلاثة أو أربعة أضعاف، في مركبات غير مهيأة، يقودها أحيانا أشخاص دون تدريب كاف أو تأهيل نفسي للتعامل مع الأطفال.
ويؤكد الخبير في حماية الأطفال والأسرة، الدكتور سيد عادل الرطروط، أن المشهد الذي تم تداوله يكشف عن سلوك غير مقبول تجاه الأطفال، وأن تفاعل المجتمع ورفضه لهذه السلوكيات مؤشر إيجابي على وعي مجتمعي بحماية الأطفال.
وبخصوص ملف النقل المدرسي من منظور حماية الطفل وحقه في الأمان، يوضح الرطروط أن حق الطفل في التعليم والسلامة من الحقوق الأساسية والراسخة، مؤكدا أن التعليم إلزامي حتى عمر 16 سنة، ما لم تقتض ظروف أخرى خلاف ذلك، مضيفا من حق كل طفل أن يذهب إلى مدرسته بأمان وسلامة، وهذه المسؤولية تقع أولا على الأهل والأسرة فيما يتعلق بتأمين ذهاب وإياب الأطفال إلى المدارس في جميع مراحلهم التعليمية.
ويشير إلى وجود ضعف في وعي بعض الأهالي عند اختيار وسيلة نقل آمنة لأطفالهم، موضحا أن الكثير يبحث عن أي وسيلة لتأمين وصول أبنائهم، لكنهم لا يدققون في معايير الأمان والسلامة، مثل كفاءة الشخص المسؤول عن النقل، مستوى خبراته، نضجه، قدرته على التحكم بانفعالاته، وخصائصه الفردية.
ويبين أن حافلة صغيرة استوعبت ما بين 20إلى 25 طفلا، بينما سعتها الأصلية 5 إلى7 طلاب، مما يهدد معايير السلامة الأساسية ويعرض الأطفال لمخاطر صحية وجسدية، مؤكدا ضرورة وضع معايير دقيقة ومراقبة صارمة على النقل المدرسي.
حلول لتوفير نقل آمن
ويؤكد أن الحل المثالي يكون من خلال تبني هيئة النقل العام، بالتعاون مع إدارة السير ووزارة التربية والتعليم، مشروعًا يضمن تخصيص مركبات آمنة للنقل المدرسي.
أما من الناحية النظرية، يطالب الرطروط بتوفير كافة وسائل النقل السليمة للأطفال، لكن التغطية المالية غير متاحة بشكل كامل، مما يضع الأسر تحت ضغط مستمر لإيجاد وسيلة نقل آمنة قد لا تكون كذلك، مشيرا إلى ضرورة وضع كل وسائل النقل المدرسي ضمن إطار مراقبة دقيق، بما يشمل ربط المركبات بنظام GPS ومتابعتها عبر إدارة الأمن العام، لضمان متابعة البيئة التي يتواجد فيها الأطفال داخل المركبات.
ويشدد بأنه من المهم عقد طاولة حوار مستديرة تشمل المدارس، المعلمين، الأهالي، هيئة النقل العام، إدارة السير ووزارة التربية والتعليم، لتحديد كل الضمانات التي تحمي سلامة الأطفال.
هذا وينص قانون حقوق الطفل رقم 17 لسنة 2022 على أن للطفل الحق في التمتع بجميع حقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في التعليم ضمن بيئة آمنة وصحية.
كما تنص المادة 15 على إلزامية التعليم الأساسي مجانا، بينما تؤكد المادة 19 على مسؤولية الجهات المختصة في خلق بيئة مرورية آمنة لضمان سلامة الأطفال على الطرق وفي المركبات.












































