تعيين البطريرك بيتسابالا: فرح كبير يتخلله القليل من الردود المحزنة

الأب فراس عبد ربه من كهنة البطريركية اللاتينية في القدس
الأب فراس عبد ربه من كهنة البطريركية اللاتينية في القدس
الرابط المختصر

 

منذ عدّة أشهر وأنا أتابع، ما يكتبه السيد داود كتاب، وغيره، بشيء من الاهتمام، وقد وصلت الى النتيجة بأن من المفيد تقديم تعليق بسيط مقتضب على ذلك كله. إلى جانب ما في كتاباته من "الإغواء العاطفي" للأذن العربية والوطنية، إلا أن هذا وحده لا يكفي لكي يجعل مما يقوله، ومع احترامي لشخصه، أمراً بالضرورة صوابيا. فالشعور ليس مؤشر الحقيقة، إنما العقل والحس السليم. ومجتمعنا العاطفي يعتبر حقيقةً ما يُسعده ويحرك مشاعره (بما في ذلك المشاعر الوطنية النبيلة).

لا أعلم من أي منطلق يتكلم ويعلق هذا الكاتب، السياسي بالدرجة الأولى، على أمور الكنيسة. أعتقد أن أول مبدأ تروج له المدرسة التي أفترض أن السيد كتاب المستنير ينتمي إليها، هو مبدأ الفصل بين الدين والدولة. والفصل بين الدين والدولة (وأنا أفضل كلمة التمييز بين الدين والدولة) يجب أن ينطبق على طرفي العلاقة لا على طرف واحد فقط، أي: فصل الدين عن الدولة وفي المقابل "فصل الدولة عن الدين". فما لقيصر هو لقيصر وما لله فهو لله، كما جاء في أهم تعاليم الرب يسوع المسيح عن العلاقة بين المسيحي والمستوى السياسي في مجتمعه.

لذلك، لا اعتقد من الملائم أن نطبق معايير الخيار السياسي على معايير الخيار الكنسي، وإلا خلقنا تشويشاً وخلطاً لا يفيد السياسيين ولا رجال الكنيسة (أو الدين بشكل عام). فالكنيسة تتعدى التقسيمات الجغرافية والإثنية والعرقية والثقافية. الكنيسة، منذ بداياتها، "جامعة" (وهذا معنى كلمة كاثوليكية باللغة اليونانية)، أي شاملة، وهي لذلك، بخلاف اليهودية على سبيل المثال، عابرة للقارات والثقافات واللغات والإثنيات، ومترفعة حتماً عن الايديولوجيات. وإن تجربة "الكنائس الوطنية" التي لطالما ضربت الكنيسة على مر العصور، وتحققت في الكنائس التي انشقت خلال الحركة البروتستانطية مع لوثر وكالفان، هي بالتأكيد ليست إرادة الرب يسوع الذي صلى في نهاية حياته قائلاً: "ليكونوا بأجمعهم واحداً"، وقد قال أيضاً: "من لا يجمع معي فهو يفرق". فالكنيسة لا يمكن أن تكون وطنية بالمعنى السياسي، وهو الأمر الذي يولد بالضرورة نزاعات وانشقاقات وتعصبات لا تخدم ملكوت الله السماوي. هذا لا يعني أن "الكنائس المحلية" هي ليست وطنية "بالمعنى الثقافي" طبعاً، ولكن مع ذلك، فمن جوهر طبيعتها أن تبقى الكنيسة المحلية "منفتحة على البعد الإرسالي الجامع"، منفتحة على كل الثقافات، وهكذا حال كل مسيحي. فالرسل كانوا كلهم من هذه الأرض، لكنهم انطلقوا إلى كل العالم وأسسوا وترأسوا كنائس في كل العالم وضمن كل الثقافات، ولم تكن هذه "النبرة الكسينوفوبيّة" (أي التي تقابل بالرفض كل من هم ليسوا من أبناء البلد) واردة اطلاقاً! فهي غريبة عن "النبرة المسيحية ونبرة الإنجيل".

إن معايير اختيار قادة الكنيسة، لا نجدها في فلسفة جان جاك روسّو ونظريته عن العقد الاجتماعي، ولا لدى هوبس أو لوك أو غيرهم من آباء الفكر السياسي الحديث، ولكن لدى القديس بولس الذي يجعل الصفات الشخصية (لا الوطنية) للشخص أهلا -أو لا- لتقلد منصب خدمي في هرمية الكهنوت المسيحي.

لذلك، أن يعيّن الكرسي الرسولي رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا بطريركا على كنيسة خدمها بكل أمانة وإخلاص وتفانٍ، مدّة تزيد على 35 عاماً، لا يناقض "مبادئ الكنيسة وتقليدها الإنجيلي العريق" في اختيار أساقفتها أو قادتها. ولا يجب أن نستغرب إذا ناقضت "مبادئ العالم" المدعو بالديموقراطي.

إن هذا الخطاب "الكسينوفوبي"، الذي يلجأ دائماً إلى تبرير نفسه بالشعارات الوطنية الرنانة، واطلاق كلمات لا أعلم إن كان من يرددها أو من يسمعها يدرك معناها، أو يدرك أنها لم تعد اليوم تعني ما كانت تعنيه قبل خمسين عاماً (فالاستعمار اليوم لا يحتاج، يا صديقي، إلى التنقل جغرافياً: انتَ مستَعمَر في عقر بيتك وقلبك وذهنك من خلال موبايلك والانترنت والأفكار الفلسفية القادمة من الغرب... الذي تدعوه بالمُستَعمِر!).

إن الربط بين حركات التطبيع التي بدأتها دول عربية جديدة (سبقتها مصر والأردن قبل سنوات طويلة)، وتعيين البطريرك بيتسابالا ليس سوى ربط مصطنع وغير موفّق، يهدف في رأيي إلى ادراج عنصر "الدراما" للمقال. فموقف الفاتيكان السياسي من القضية الفلسطينية لم يتغير، وهذا ما قاله البطريرك الجديد قبل يومين فقط من اعلان تعيينه، خلال مقابلته مع فرسان القبر المقدس، المتاحة على موقع البطريركية اللاتينية.

أمّا موضوع "الكونسولتا" (أي الاستشارة "السرية" التي يلجأ إليها الكرسي الرسولي للتحري عن المرشحين لرتبة الأسقفية) فهي لم تحدث عندما عين البطريرك السابق، فلماذا أصبحت مشكلة الآن على افتراض انها لم تحدث؟ علماً بأنها ليست الزامية وتبقى السلطة العليا في هذه الشؤون لقداسة البابا وحده، الذي يفعل ما يراه الأنسب وفقاً لما لديه من نظرة شاملة لا ضيقة كما لدى بعض من يفكرون من داخل الصندوق، بل وأحياناً انطلاقا من مصالح شخصية أو مصالح لمجموعة معينة.

للكنيسة الكاثوليكية استقلال قانوني ولا تخضع في تعيينها للأساقفة لأحد. وهذا لأنها لا تخضع، في أمورها الداخلية الروحية، لأي سلطة زمانية. ولا يحتاج الكرسي الرسولي إلى تبرير قراراته أو خياراته لأحد، وإن فعل فإن ذلك من باب اللطف والذوق وأحياناً الواجب الأخلاقي في حالات معينة فقط. أما باقي التحليلات والربط ومحاولة تطبيق "نظرية المؤامرة" (التي يحبها الصحفيون لأنها تضيف على مقالاتهم نوعاً من الحماس والبعد الدراماتيكي، وإن كانت غالباً على حساب الحقيقة والإثبات العلمي المنطقي)، فإنها تبقى مجرد نظريات وتنظير (وفلسفة بالمعنى الشعبي للكلمة) حتى يتم اثباتها.

في البطريركية أفراد مؤهلون؟ نعم، ولكن هذا لا يكفي. فإلى جانب أهلية الشخص، كفرد بحد ذاته، توجد ظروف محيطة تحدد متى ومن وكيف يتم الاختيار. فالكفاءة هي صفة من بين عدّة صفات مطلوبة

يجب أن تجتمع لدى الشخص المرشح. وهذه الشروط هي في الشخص ومن حول الشخص... وهذا التمييز يعود إلى حكمة الكنيسة وقادتها، لا لأناس لا يمتون للكنيسة بصفة في حياتها وتحدياتها اليومية.

أعتقد ان مسألة الديون وكيف تم تسديد جزء كبير منها، بفضل أمانة وشفافية المدبر الرسولي حينها والبطريرك اليوم، هي مسألة تناقش على حدا لتشعبها. المهم في المسألة ما يلي: هذا الإنسان قام بحل مشكلة لم يتسبب بها ولمؤسسة لم يكن ينتمي إليها أصلا. هذا الإنسان لم يلجأ إلى البيع إلا بعد أن أُغلقت سائر الأبواب الأخرى في وجهه (ومن الأفضل عدم التطرق إلى الأسباب لأنها لن تحمل أبناء شعبنا وكنيستنا على الافتخار بقادتهم). من المعروف جيداً عن هذا الإنسان أنه ممن يشترون لا ممن يبيعون. وهذا ما كان عليه طوال مدة مهمته كرئيس لحراسة الأراضي المقدسة ("الإيطالية الاستعمارية" كما قد يسميها البعض، رغم أنها تقوم بما تعجز عن القيام به كثير من المؤسسات والجهات "الوطنية"). هذا الإنسان، لم يدخل إلى جيبه فلسا واحدا، وكل من يعرفه عن كثب، يعلم أنه يعيش بتجرد كبير، وفقاً لنذوره الرهبانية الفرنسيسكانية، ولا يوجد عليه غبار من هذه الناحية.

أما مسألة "وضع تشريعات ملزمة تفرض أن يكون البطريرك من المنطقة ومن الرعية وعلى أقل تقدير يتحدث اللغة العربية"، فهي تخالف ما قلته أعلاه: الكنيسة مستقلة وهي لا تخضع لتشريعات وطنية فيما يخص نظامها الداخلي وهذا هو معنى الفصل بين الدين والدولة، والدولة والدين. فهل نريد دولة شمولية ودكتاتورية؟ هذه الدولة موجودة، وما على من يرغب بها سوى الهجرة إلى الصين...

أخيراً أود بعد هذه الشحنات السلبية التي يولدها عادة النقاش أن أشارككم في إيجابية الفرح الحقيقي الذي شعر به الشعب المسيحي اللاتيني اليوم بتعيين البطريرك بيتسابالا: يكفي تصفح الفيسبوك لكي ندرك بأن أصوات المتشائمين كانت أضعف بكثير من أصوات مَن رأوا في هذا التعيين بشارة جديدة في زمن تملأه الكوارث. فكم من الرسائل الالكترونية والرسائل الصوتية والمكالمات الهاتفية قد وصلتنا اليوم يصعب احصائها؟ من البلاد وأيضاً من خارج البلاد. عبرت في غالبيتها العظمى عن فرح الشعب المسيحي الصادق باستقبال راعيه الصالح الذي أرادته في هذا الوقت العناية الربانية، ليحمي القطيع الصغير من الذئاب الخاطفة أو الذئاب التي تأتي متنكرة بلباس الحملان، كما نبهنا الرب نفسه.

فأهلا وسهلا سيدنا، لمجد الله الأعظم ولخلاص النفوس... أما القافلة فستسير!

 

ردود عبر شبكات التواصل الاجتماعي

المحرر: فيما يلي تعليقات نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي حول نفس المقال ننشرها بدون أي تعليق

Fuad Saba فؤاد سابا

 يا اللعيب

Nahed Awwad

صحيح . واليونان لسا على اسوء.

Ibrahim Deabis ابراهيم دعيبس

كلام غير دقيق .البابا هو رئيس الكنيسة ومن حقه اتخاذ القرار والقضية ليست بجنسية البطريرك ولكن بأعماله ولا حاجة للدخول بالتفاصيل السابقة المعروفة .

 Josef Nasser جوزيف نصار

هذا المنتقد ينتمي لطائفة اخرى ومن أهدافه النيل من الكنيسة الكاثوليكية والرهبنة المكلفة بحراسة الاماكن المقدسة، وهو على علم لكن يريد "الصيد بالماء العكر"

 Mona Henning

بالطبع يجب ان يكون عربي! اللغة هي تواصل لخلق التفاهم!

Irene Kaileh ايرين كيله

I agree ✔اوافق

 Mohammad Zahaikah

داود كتاب اكثر قومية من أخي ابراهيم

Anwar Qumsyeh انور قمصية

هذا سلب لحقوق الوطنيين انه الاستعمار

Adnan AlMasri عدنان المصري

لقد بدأ الاستعمار بالعودة إلى الوطن العربي منذ احتلال العراق والأيام القادمة صعبه والتقسيم قادم لا محالة تحياتي استاذ

 Samuel H Goldsmith صموئيل جولدسميث

يبدو بأننا بدأنا نكيل اللوم على رئيس الهرم الروحي ان صح التعبير ولا نسأل عن الأسباب التي أدت إلى مثل هذا الاختيار الغير مرضي لبعض ال...............أرى بأننا على مفترق طرق صعب و معقد للغاية وهذا المفترق سببه نحن، او بعض من نحن، من لم يحمل رسالة المسيح 

 Abo Sami ابو سامي

لا أعرف ما هي علاقة الأردن والفاتيكان بتعيين بطاركه للمقدسات المسيحيه في فلسطين، هي شأن فلسطيني، ومن حق مسيحية فلسطين في فلسطين اختيارهم لا الأردن ولا الفاتيكان.

Khalil Osta خليل قسطة

الا تذكر استاذ داوود ان دولهم التي حافظت لنا على تلك الأماكن. حراسة الأراضي المقدسة وروسيا. لمن لا يعلمون هذا ليس استعمار. بدونهم لكانت غالبية المسيحيين إلى دين اخر. ارجو من الاخوة التمهل قبل الرد 

Yusuf Salah Alashqer يوسف صلاح الاشقر

لليش طيب ما بدهم واحد يحكي عربي

 Osama Twal

عزيزي داود ، شو هالكلام !؟ استعمار ايش يا زلمة ..بكون استعمار لما بشتغل لغير البلاد ... وهذا ما لا يمكن ... ليبارك اللي خطواته وعمله لخير اوطاننا و الكنيسة جمعاء . جواب السؤال لابونا جمال واضح ولطيف .... الاخ داوود معلوماته متكاملة حسب ما أرى بدون مرجعية كافية .

Terry Morris تيري موريس

Totally agree with you! I just wrote my protest on their page.

 اوافقك وقد كتبت رسالة احتجاج على صفحتهم

Francis Dubois فرانسيس دبوا

I agree miyeh fil miyeh... أفقك 100%

Anwar Qumsyeh انور قمصية

علينا أن نرتقي بافكارنا إلى مستوى اعلى...نتهم الاستعمار ونحن الملامون؟؟؟ لو كان من اؤتمن على البيت امينا لما وصل الحال إلى هذا الحال...

Khalil Osta خليل قسطة

ليس استعمار ديني بل لتأكيد دور الكاثوليكية والارثوذوكسية لدورهم التاريخي.

Johnny Mansour جوني منصور

استعمار ديني واستخفاف واستهتار باصحاب البلاد الذين يعيشون حياة قاسية ومؤلمة في ظل الاحتلال وقمعه وبطشه... البطريرك المعين من قبل دولة الفاتيكان غير مستحق بالمرة لانه متورط عالمكشوف بقضية تصفية اراضي وقفية الكنيسة في الناصرة وغيرها ايضا. وطالبت في حينها ولا زلت بإقالته ومحاسبته... وجاءت هدية الفاتيكان تأييدا ودعما له لابقائه في منصبه وترقيته... بئس هكذا قرار.. واطالب مجددا بوقف التعيين.. حالا وسريعا... انا اطالب بتقديمه الى العدالة ومحاسبته ومن وقف معه من السماسرة والافاعي

قرار تعيينه معيب زغير اخلاقي بالمرة... اطالب بوقف التعيين وتقديمه الى المحاكمة والمحاسبة فهو غير مستحق.. وعلينا منع ذلك حالا... اي قرارات مستهترة بالناس وواقعهم في هذه الارض.. استفيقوا ايها الناس فالخطوة القادمة ستكون بيع كنائس...

 Nasri J Rabadi نصري الربضي

اخطاء السابقين في بطريركية اللاتين بررت خطأً للفاتيكان تجاوز العرب في هذا التعيين

Awny Hayek عوني الحايك

غير مستحق لهذا المنصب

Ekhlas Shamshoum Khell اخلاص شمشوم خل

أي استعمار؟ البطريرك الاردني العربي فشل. الفاتيكان يتحمل ويحل المشكلة والمازق يللي موجود. في ديننا مش مهم الإثنية المهم اختيار الشخص المناسب في المنصب المناسب.

Anwar Qumsyeh انور قمصية

 قرار تعينه بطريرك للكنيسه الكاثولكيه في القدس

قرار خاطىء 

قرار استعماري 

قرار اغتصاب

قرار يخدم الصهيونيه

قرار سلب لحقوق الرعيه العربيه

قرار سلب لحقوق الفلسطينين 

قرار يتحمل مسؤوليته الاولى والاخيره البابا

قرار لا بد من الوقوف ضده ورفضه

قرار لابد من مواجهة البابا لسلبه حقوقنا

قرار استفزازي من قبل البابا

قرار سياسي وليس ديني

و.....و.....و......

خليل قسطة Khalil Ousta

كل الاحترام لردك ذات الصبغة الغاضبة، هدانا الرب للتمهل قليلا قبل اتهام أي جهة كانت من تكون. بكلمات مختصرة أقول: "لو أكلتني غيرتي على بيتي لقمت بحمايته..." وللقصة بقية مؤلمة وقد تكون أنت على علم يتفاصيلها أكثر مني. مع الإحترام

-----

للتنوية المقال يأتي ردا على مقال للكاتب داود كتاب نشر في موقع عمان نت تحت عنوان ( تعيين بطريرك اجنبي يعيدنا للاستعمار الديني) للاطلاع على المقال اضغط هنا

 

أضف تعليقك