تعطل العاملين في الإنشاءات..فاقم سوء أوضاعهم المعيشية

الرابط المختصر

 

رصد مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ظروف عاملي القطاع بين الثامن عشر من آذار والسادس من نيسان 2020، عن طريق مقابلات هاتفية، وتواصل عمال منه مع فريق "تمكين"، عبر مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالمركز "فيسبوك" و"واتس آب"، وأنجز هذا التقرير، الذي يصف ظروف العمل فيه.

 

وحدد مسار الرصد عملية قراءة ظروف عمال الإنشاءات ضمن مرحلتين؛ الأولى، تتحدث عن ظروف العمل على نحو عام قبل ظهور الفيروس في الأردن، والثانية بعد ظهوره، وما أثر على القطاع جراء التدابير الحكومية الوقائية، للحد من انتشار الفيروس.

ويعد هذا القطاع جاذبا للعمال من جنسيات متنوعة، وهو ما يظهر في تنوع جنسيات المشاركين الـ314 في رصد "تمكين" خلال الفترة التي يوثق لها التقرير، إذ أن  110 من الأردن، 170 من سوريا، 19 من فلسطين، 9 من مصر، و4 من العراق، و2 من اليمن.

الرصد:

اتخذت الحكومات في جميع أنحاء العالم إجراءات احترازية ووقائية لمحاصرة وباء فيروس كورونا المستجد، ولم تتخلف الأردن عن اتخاذ إجراءات وقائية احترازية من أهمها إعلان قانون الدفاع لسنة 1992 وتعديلاته، واتخاذ قرارات بموجبه أهمها إعلان حظر التجوال والتنقل في المملكة، وعلى إثر ذلك جرى تعليق دوام جميع المنشآت العامة والخاصة باستثناء القطاعات الحيوية، وقرار حظر التجوال مما أدى إلى تأثر المواطنين والمقيمين على الأراضي الأردنية، حيث لم تفرق هذه الظروف بين أردنيين وغير أردنيين.

ومن القطاعات المتضررة بشكل كبير الإنشاءات وهو من أبرز القطاعات الاقتصادية المهمة في الأردن، وهو بذلك، يعتبر من أكثر القطاعات حيوية، وفيه تنتظم نسبة كبيرة من العاملين، أكانوا بأجر يومي، أو منتظم، أو بالقطعة، ويعد مُحركا رئيسا للاقتصاد الوطني ومُشغلا لعجلة التنمية، ومُساهما كبيرا في الناتج المحلي الإجمالي، ومُوفرا لفرص العمل، ما يجعله أحد القطاعات الكبرى التي تسهم بخفض معدلات الفقر والبطالة كلما ازداد نشاطه.

لم تكن الجائحة؛ هي الأولى في الأزمة التي أصيب بها  القطاع، فقد سبق وأن واجه تحديات كبيرة، أهمها وقوع البلاد في حالة كساد وتراجع اقتصاديين كبيرين، جراء أحداث وأزمات تعيشها دول عربية، وبسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية في الأعوام الأخيرة ما حد من نشاطه.

مع بداية الجائحة وما تبعها من إجراءات حكومية، بلورتها أوامر الدفاع بوقف عمل المنشآت، ارتفعت حدة التحديات التي يتعرض لها القطاع، وتعطلت عجلته على نحو كامل، فتركت تداعياتها آثارا سلبية عليه، ما استدعى تحركا عاجلا لمواجهتها بالبحث عن حلول سريعة، تحد من تدهوره، وتُمكن من توفير فرص عمل جديدة فيهـ ليحافظ على استمراره.

 

تداعيات الإجراءات الوقائية على عمال الإنشاءات

توزعت شكاوى العمال الذين وقعت عليهم تأثيرات الجائحة وتبعاتها من الاجراءات الوقائية، على النحو التالي:

* %11؛ تتعلق بالأجور والإجازات، ومنها حجز أجور شهر آذار، وإجبار العمال على توقيع إجازات غير مدفوعة الأجر؛ أو احتساب أيام عطلة الحظر، إجازات سنوية.

* %77؛ توقفوا تماما عن العمل، جراء تعليقه في القطاع الخاص، وما لحقه من تبعات الحظر، ليتسبب بخسارتهم لدخولهم، بخاصة من يتقاضى أجره بنظام المياومة.

* %1؛ إنهاء أصحاب العمل خدمات عاملين تحت وطاة الجائحة.

*%1؛ إجبار عاملين على العمل، دون الحصول على تصاريح تنقل (يعملون مع مقاول في محافظة المفرق).

*%10؛ لم يتعرضوا لانتهاكات، لكن لم توفر لهم وسائل نقل عام، واعتمدوا على مركبات تعمل وفق نظام التطبيقات الذكية قبل إيقافها، للوصول لأعمالهم، ما حملهم أعباء مالية كبيرة، لتغطية أكلاف التنقل بهذه المركبات، مرتفعة الأجرة بالنسبة لدخولهم.

ظروف العمل قبل الجائحة 

يتسم واقع العاملين في القطاع، بأن نسبة كبيرة منهم، يقعون في نطاق العمل غير المنظم، استنادا على اتفاقيات عمل بينهم وبين الجهات المشغلة لهم، تغيب عنها ضمانات الحماية الاجتماعية والتعويضات العمالية، وهنا يوضح التقرير ظروف عملهم:

أولًا: طبيعة التعاقد

يعمل عمال الإنشاءات في سياقات وشروط عمل وتعاقد مختلفين، كأن يعمل العامل لحسابه الخاص في مشاريع متنوعة، ومع أصحاب عمل مختلفين في الوقت ذاته، وفي مثل هذا النوع من الأعمال، يتقاضون أجورهم على نحو يومي.

كما أن بعضهم يعملون في ورش، عن طريق المقاولين، وفيها يتقاضون أجورهم بعد انتهاء الورشة أو على نحو يومي.

وبعضهم يعمل في شركات إنشائية بعقود عمل شفوية أو مكتوبة مؤقتة لبضعة أشهر، وقد تمتد لتصبح عقودا سنوية. 

هنا تجدر الإشارة؛ إلى أن العمل في القطاع، يَنشط على نحو كبير في فصلي الصيف والربيع، ويضمحل في باقي فصول العام.

ثانيًا: ساعات العمل والأجور

لا توجد هنالك معالم ثابتة للعمل في الإنشاءات، من ناحية تحديد ساعات العمل، تبعا لطبيعة التعاقد: يومية، شهرية، أو وفق المشروع، وفي احتساب الأجور، تؤخذ بالاعتبار أعوام الخبرة.

ثالثًا: السلامة والصحة المهنية والضمان الاجتماعي وقوننة العمل

 

تتشابه الظروف المتعلقة بطبيعة المهام والمخاطر التي يتعرض لها العامل، من ناحية التعرض لأشعة الشمس والأغبرة، وخطر الوقوع عن الارتفاعات، والتعرض لأسلاك الكهرباء غير الآمنة؛ وما إلى ذلك من مخاطر، أما إجراءات السلامة والصحة المهنية، فغالباً يوفرها العامل بنفسه، بخاصة من يعملون لحسابهم الشخصي. 

تزداد الظروف سوءًا بالنظر لعدم إشراك العمال في الضمان الاجتماعي، ما يحرمهم من التأمينات خلال فترة نشاطهم الاقتصادي، كتأمينات: إصابة العمل والعجز والتعطل عن العمل، أو تلك التي تختص بحصول 

 

العامل على راتب تقاعد الشيخوخة، أو تأمين الوفاة للورثة في حال حدوثها (إذ كان للعامل 24 اشتراكًا في الضمان). 

غالبا لا يُشرَك عمال الإنشاءات في الضمان الاجتماعي ، للأسباب التالية: 

• المياومة: تنقل العمال- بغض النظر عن الجنسية- بين أصحاب عمل مختلفين، وعدم ديمومة عملهم لأكثر من 16 يومًا متتاليية، ما يحول دون إشراكهم في الضمان، بموجب القانون.

• قانونية العمل: يستصدر العمال غير الأردنيين، تصاريح عمل ليتمكنوا من العمل على نحو قانوني، لكن العديد من العمال المهاجرين واللاجئين السوريين، يعملون بشكل غير مقونن تبعًا لواحدة أو أكثر من الممارسات التالية: 

- إصدار تصريح مغاير للمهنة التي يعمل بها العامل، كأن يعمل في الإنشاءات ويصدر له تصريح زراعي.

- العمل بموجب تصريح عمل مع صاحب عمل، بينما يعمل لدى صاحب عمل مغاير سوى من أصدر تصريح عمل له تحت منشأته.

- العمل بموجب تصريح عمل منتهي المدة.

- عدم رغبة أصحاب العمل أو العمال أنفسهم، بإصدار تصاريح عمل أساسا.

يستدعي العمل غير المقونن، عدم مقدرة العامل على تجديد التصريح؛ بالإضافة إلى عدم المقدرة على الاشتراك في الضمان، يُضاف إلى ذلك تصاريح العمل المرنة للعمال من اللاجئين السوريين، أو المتعارف عليها بالـ"التصاريح الحرة"، والتي تستبدل الضمان، ببوالص تأمين تغطي تكاليف إصابة العمل إن وقع أي منها للعامل أثناء العمل، عدا عن تعويض أهل العامل بنفقات الجنازة في حال توفي خلال العمل، وهي لا تشتمل على باقي التأمينات التي حددت في نظام الضمان الاجتماعي. 

رابعًا: إجازات سنوية ومرضية وغيرها من العطل الأسبوعية والدينية والرسمية.

غالبًا ما يفضل العمال بشكل حر (لحسابهم الشخصي)؛ إتمام أعمالهم في أقصر مدة ممكنة، لينتقلوا إلى مشاريع أخرى، وفق طبيعة العمل، لذا فهم يعمدون للعمل طيلة أيام الأسبوع حين يستدعي الأمر. 

أما العمال الذين يعملون ضمن مشاريع مع مقاولين، فيحتسب أجرهم؛ إما بناءً على أيام العمل أو على إتمام المهمة، تبعًا للاتفاق المبرم بين الطرفين، وفي أكثر الاتفاقات تكون الإجازات السنوية غير مدفوعة الأجر، ويقاس عليها أي نوع من أنواع الإجازات الأخرى، أو العطل الأسبوعية والرسمية. 

 

العمل في الإنشاءات في ظل الجائحة 

مع بدء انتشار الفيروس في الأردن، وبعد انتهاء فصل الشتاء واستعداد عمال الإنشاءات لاستقبال موسم العمل المنتظر، تراوحت توقعات العمال بين استكمال أعمالهم، أو السماح لهم بالعمل الجزئي، نظرًا لابتعاد طبيعة عملهم عن تهديد السلامة العامة، أو اعتبار هذه المهنة من المهن التي تنقل عدوى الفيروس، كالمطاعم وصالونات الحلاقة.

لكن هذه التوقعات، لم تتبلور بما يصب في مصلحة العامل، وبدأ التوقف التام للأنشطة في قطاع الإنشاءات بعد تفعيل العمل بقانون الدفاع، بذلك تعزز القرار الصادر عن وزارة الصناعة والتجارة والتموين رقم (39) لسنة 2020، بعدم شمول القطاع ضمن المهن الحيوية والتزامه بالحظر. 

أدى الحظر لإلقاء أعباء إضافية على العمال من مختلف الجنسيات، أثقلت كاهلهم وأفقدتهم القدرة على تلبية احتياجاتهم الأساسية، ما تسبب بتراكم الديون عليهم.

أما عمال التشييد من الجنسيتين المصرية والسورية؛ فيتشاطرون واقعًا مليئا بالقسوة، جرّاء انعدام دخولهم، وعدم حصولهم على أية تعويضات حماية اجتماعية، لكن التعطل عن العمل كان وقعه أكبر على العمال السوريين من العمال المصريين، ويعزى ذلك لإقامة  عمال سوريين مع أسرهم في الأردن كونهم لاجئون، على خلاف المصريين، الذين تعيش غالبية أسرهم في بلدهم مصر.

في الثامن عشر من نيسان 2020، صدر أمر دفاع رقم (9)، ينص على دفع بدل تعطل مؤقت عن العمل ضمن برنامج تضامن (2)، مستهدفا العمال من الجنسيتين الأردنية والفلسطينية، وأبناء الأردنيات العاملين في منشآت القطاع الخاص ولم تسجل في الضمان، ولم تشمل عمالها بأحكام القانون، لكن هذا الأمر لم يشمل عمال الإنشاءات من الجنسيات الأخرى، وحرمهم من أي حماية اجتماعية، أو توفير دخل أساسي لهم.

كذلك؛ فإن عمال المياومة، ممن يعملون لحسابهم الخاص من الجنسيات المشمولة بالبرنامج، لم يستفيدوا من تضامن (2)، لعدم وجود صاحب عمل يعملون لديه.

ومع بدء السيطرة على الفيروس في الأردن، وارتفاع حالات الشفاء خلال الأسبوع الثالث من نيسان، أقرت الحكومة إصدار تصاريح تنقل مؤقتة، مرتبطةٍ بأصحاب العمل، وتقتضي بإشراك العمال في الضمان ضمن تضامن (2)، لكن ذلك أربك العمال بشأن قدرتهم على استئناف العمل في مشاريع، كانوا يعملون بها، أو حتى البدء بأعمال جديدة، خصوصًا حملة التصاريح المرنة؛ غير المرتبطة بأصحاب عمل، ومن لم يتمكنوا حتى تاريخه، من مباشرة عملهم خوفًا من الملاحقة الأمنية في مثل هذه الظروف.

 

يشار إلى أن وزارة الأشغال العامة، وضعت خطة لاستئناف العمل في قطاع الإنشاءات، وبُدِئ العمل بها، بالسماح للعمل في خمسة مشاريع استراتيجية، هي: مبنى طوارئ مستشفى البشير، الطريق الصحراوي، الباص سريع التردد عمّان- الزرقاء، جسور البحر الميت، وطريق الحدلات، مع الالتزام التام بتعليمات الصحة العامة، ومتطلبات وزارتي الصحة والعمل، أما باقي المشاريع في القطاعين العام والخاص، فيجري العمل حتى تاريخه، على استقبال ودراسة طلبات استئنافها للعمل.

وتصب هذه الخطة التي أعلن عنها وزير الأشغال العامة والإسكان فلاح العموش، في إيجاز صحفي يوم العشرين من نيسان، في الجهود الهادفة لدعم القطاع وإدامته وتحفيزه، بعد الخروج من الأزمة الحالية، بالإضافة لتنشيط الاقتصاد وتشغيل عمال المياومة.

نقيب المقاولين أحمد اليعقوب، قال إن القطاع مُشغل لجميع القطاعات في المملكة، وتعطله تعطل للجميع، وقد تأثر على نحو مباشر وغير مباشر بالفترة الماضية، لافتا إلى أن التأثر المباشر جاء بعد ترك المقاولين لمشاريعهم، نتيجة تفشي الفيروس، وأن هذه المشاريع لها برامج تنفيذ وتسليم وبرنامج مالي، فالجائحة أثرت بشكل كبير على القطاع من ناحية التنفيذ الزمني والتدفق المالي للمشاريع، بسبب وقف العمل بشكل مفاجئ.

وشدد على أن عاملي القطاع، تأثروا بنتائج سلبية عديدة الفترة الماضية، وتقطعت بهم سبل الحياة اليومية، بخاصة وأن هناك نسبة كبيرة منهم من العمالة اليومية، معتبرا بأن أكثر من 30 % من الأردنيين، يعملون في الإنشاءات والمهن المساندة لها، مضيفا أن صناعة الإنشاءات كبيرة في الأردن والعالم، وأن الدول استثمرت وضخت أموالا لتشغيلها، لأنها تعلم أهميتها  في اقتصادياتها.

وحول العودة التدريجية لعمل الموظفين في المراكز والمحافظات وتصديق العقود من الساعة العاشرة صباحا ولغاية الثالثة عصرا، 

بقرار من رئاسة الوزراء، أكد أن القطاع، لن يعود إلا بشكل كامل وليس تدريجيا، داعيا لفتحه كما في السابق وعودة القطاعات للعمل.

 

التوصيات:

1. إنجاز دراسة حول التداعيات الاقتصادية بشأن أثر الفيروس على قطاع الإنشاءات، وإيجاد حلول قابلة للتنفيذ لحماية عامليه.

2. الالتزام بمعايير السلامة العامة في أماكن العمل، وزيادة حملات التفتيش.

3. تزويد العمال بأدوات السلامة العامة، بخاصة الوقائية منها، لتجنب انتقال العدوى وانتشارها. 

4. تنفيذ فحوصات طبية دورية للعمال، بما يضمن استمرارهم بالعمل في ظل ما يتعرضون له من مخاطر.

5. تزويد العمال بالمعقمات باستمرار.

 

أضف تعليقك