تحديد العلاقة بين الإعلام والحكومة
ليس بمقدور أي فرد أن ينفي صفة الرقابة عن الإعلام، فالإعلام الحر يمتلك القدرة على نقد وتحليل المجتمع بالإضافة إلى دوره الأساسي في الرقابة على المؤسسات الخاصة والحكومات.
ولكن لكي يقوم بهذا الدور لا بد له من حرية يستطيع من خلالها التحرك لتحقيق الدور المطلوب منه،خصوصا إذا ما شهدت المؤسسات الرقابية التي تعنى بالرقابة على الحكومات والمؤسسات تراجعا في دورها، وغيابا كاملا مثل ما يحدث الآن من غياب للسلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب.
في هذا السياق يمكن فهم الدور الرقابي للإعلام، ولكنّ بعض وسائل الإعلام بالإضافة إلى بعض الصحافيين هم أنفسهم يستخدمون الإعلام كإحدى الوسائل لتحقيق مآرب شخصية ما يضعف المصداقية أمام الرأي العام، ويضع مجمل الحرية الإعلامية في باب المساومة مع الجهات التي يفترض أن يكون الإعلام رقيبا عليها، بل إن الأمور تصل إلى حد تحقيق أحلام بعض الطامحين في استخدام كل الوسائل غير المشروعة لركوب مطية الإعلام لتحقيق مكاسب مادية، وعلى المدى البعيد سياسية شخصية للوصول إلى المناصب العامة. وهذا فصل من فصول الانتفاع والتكسب يؤدي إلى استشراء الفساد في المجتمعات ويؤدي إلى ولادة "المتكسبين" ممن يرون في الإعلام المجال الحيوي لتحقيق مصالحهم الذاتية على حساب المصلحة العامة.
فللخروج من هذا المأزق الخطير الذي وصل إليه حال بعض الإعلام والإعلاميين لا بد من العمل على كشف مثل هذه الظواهر، وتطهيرها مما علق بها من شوائب أدت إلى فقدان الرأي العام لمصداقية بعض الإعلاميين.
وحسناً فعل الدكتور نبيل الشريف وزير الإعلام عندما أشار في لقائه الأخير في نقابة الصحافيين إلى أن الحكومة ملتزمة بتنفيذ ما جاء في كتاب التكليف السامي من اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان حرية التعبير وفتح المجال أمام الإعلام المهني الحر المستقل لممارسة دوره من دون أي قيود باعتباره ركيزة أساسية في مسيرة التنمية الوطنية، وأن هناك توجها حكوميا لتعزيز التواصل مع المؤسسات الإعلامية واتخاذ كل ما يلزم لدعم حرية الصحافة وحقها في الوصول إلى المعلومة.
ولكن يبقى حيز الاستفهام كبيرا حول المنطلقات النظرية لهذا الحديث من قبل وزير الإعلام مع الواقع؛ فهل ستقوم الحكومة بتحديد شكل تلك العلاقة، أم أن الإعلام هو الذي يفترض به أن يبادر لتحديد تلك العلاقة؟
فليس من المقبول في أعراف التقاليد الصحافية العريقة أن ترسم الحكومات السياسات الواجب اتباعها لتحديد العلاقة بين الإعلام والحكومة، فمن واجبات الإعلام وحده القيام برسم تلك الحدود ووضع حد للتجاوزات التي أخلت بطرفي المعادلة بين الإعلام والحكومة، فليس سرا أن هنالك ميثاقا للشرف الصحافي موجودا في أروقة نقابة الصحفيين ولكن هذا الميثاق بحاجة للتفعيل لضبط شكل العلاقة بين الجميع، ولكن ثمة مشكلة لا تتعلق بتفعيل هذا الميثاق فقط ، بل تتجاوزها لتحديد من هم الأشخاص الذين يمتلك الميثاق سلطة محاسبتهم ؟ فليس جميع من يعمل في قطاع الإعلام يستطيع هذا الميثاق محاسبتهم فهو مقتصر على أعضاء نقابة الصحفيين، وإن جمهورا واسعا ممن يعملون في وسائل الإعلام المختلفة ليسوا ممن تنطبق عليهم شروط المحاسبة بحسب بنود ميثاق الشرف الصحافي!
كما أن بعض الجهات الحكومية والخاصة هي ذاتها من تشجع على رسم علاقة غير صحية وسليمة مع الإعلام، عندما تسمح للبعض من الإعلاميين بالتكسب والانتفاع من خلال سياسة السكوت عن بعض التجاوزات للأفراد والمؤسسات، أو التمجيد لبعض السياسات والأشخاص، ما يعطل الدور الحقيقي للإعلام في الرقابة.











































