المطبخ والأفراح جسور تقارب، كيف اندمجت الثقافة الباكستانية في المجتمع الأردني

“نسيج” يسلّط الضوء على الوجوه الباكستانية في الأردن، حكايات اندماج وهوية تشكّلت بين سحاب والغور
الرابط المختصر

في حلقة جديدة من برنامج “نسيج” الذي يُبث عبر أثير راديو البلد 92.5 إف إم، فُتحت نافذة واسعة على واحدة من قصص الاندماج الإنساني والاجتماعي في الأردن، من خلال تسليط الضوء على الوجوه الباكستانية التي أصبحت جزءاً أصيلاً من المشهد الأردني، في رحلة امتدت لعقود بين العمل والاستقرار وبناء العائلة.

البرنامج، يواصل تقديم حكايات من “النسيج الأردني” المتنوع، حيث تختلط الثقافات وتتقاطع الخلفيات لتشكّل لوحة اجتماعية متماسكة. وفي الحلقة العاشرة، استضافت مقدمة البرنامج عائلة من أصول باكستانية، أبو عمران وزوجته أم عمران، اللذين وُلدا ونشآ في الأردن، وتحديداً في مدينة سحاب.

من سحاب بدأت الحكاية

أبو عمران، من مواليد عام 1972، استعاد ذكرياته الأولى في سحاب، المدينة التي وصفها بأنها “مهجة القلب”، حيث فتح عينيه وترعرع بين أصدقاء أردنيين، ودرس في مدارسها، قبل أن يكتشف في سن المراهقة أن هويته الرسمية مختلفة عن إحساسه الداخلي بالانتماء.

وقال إن المجتمع المحلي احتضنه منذ الطفولة، ولم يشعر يوماً بأنه غريب، مؤكداً أن أهل سحاب وقفوا إلى جانب عائلته، ومنحوهم الدعم والقبول، حتى بات يعتبر نفسه “ابن سحاب” قبل أي توصيف آخر.

أم عمران، وهي أيضاً من مواليد سحاب عام 1972، تحدثت عن مسيرتها التعليمية، إذ درست في مدارس المدينة، وقدّمت الثانوية العامة، ثم حصلت على دبلوم تربية طفل، لكنها تفرغت لاحقاً لعائلتها بعد الزواج، لتبدأ رحلة مختلفة في بناء أسرة وتعليم أبنائها.

و عبّر أبو عمران عن اعتزازه بالعلاقة التي تجمع الجالية الباكستناية بالعائلة الهاشمية، مشيراً إلى وجود صلة نسب تربطهم بالأمير الحسن بن طلال. 

مؤكداً أن هذه العلاقة تمثل لهم مصدر فخر واعتزاز كبيرين. كما وجّه تحية تقدير واحترام إلى سمو الأمير راشد بن الحسن، داعياً الله أن يحفظ الأسرة الهاشمية ويديمها سنداً للأردن وشعبه. 

 

وأضاف أن شعورهم بالانتماء لا ينفصل عن تقديرهم لقيادة البلاد، مؤكدين أنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً أصيلاً من المجتمع الأردني، يرتبطون به تاريخاً ومصاهرة وهوية مشتركة.

 

من تجارة الألبسة إلى بصمة في قطاع الإنشاءات

بعد إنهاء الثانوية العامة عام 1990، اتجه أبو عمران إلى سوق العمل، فبدأ في مجال تجارة الألبسة لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يغيّر مساره المهني نحو قطاع الإنشاءات، بدافع حبه للرياضيات والهندسة.

وعلى مدار نحو 25 عاماً، عمل في قطاع الأبنية، متنقلاً بين محافظات المملكة من الشمال إلى الجنوب، ومتخصصاً في بناء الفلل السكنية. وأكد أن الخبرة العملية وحب المهنة كانا أساس تميزه، رغم أنه لم يحمل شهادة هندسية، مشيراً إلى أن له بصمات واضحة في مشاريع داخل سحاب وخارجها.

واستذكر موقفاً طريفاً خلال عمله في أحد المعسكرات، حين فوجئ القائمون هناك بإتقانه اللهجة الأردنية، بعد أن كانوا يتهيأون لاستقبال عامل أجنبي يحتاج إلى مترجم، ليكتشفوا أنه باكستاني الأصل، أردني النشأة واللسان.

عائلة متعلمة وجيل جديد

الحياة الأسرية شكلت محوراً أساسياً في الحلقة. أم عمران تحدثت عن أبنائها الثلاث بنات وابن، مشيرة إلى أن الابنة الكبرى تعمل معلمة رياض أطفال، بينما يواصل الأبناء الآخرون دراستهم الجامعية، في صورة تعكس اهتمام العائلة بالتعليم والاستقرار.

أبو عمران وصف أبناءه بأنهم “قطعة من القلب”، مؤكداً اعتزازه بطموحهم العلمي والتزامهم الديني، معتبراً أن الحب الذي قام عليه زواجه من قريبته أم عمران كان الأساس في بناء عائلة متماسكة.

“أنا أردني”... هوية تتجاوز الأوراق

وعند سؤاله عن هويته، أجاب أبو عمران بوضوح، “أنا أردني، دمي أردني وطباعي أردنية، أحمل الجنسية الباكستانية، لكنني نشأت وتربيت هنا”.

وأكد أن الأردن وفّر له سبل التعليم والعمل والأمان، داعياً الشباب، وخصوصاً من أصول غير أردنية، إلى التحلي بالطموح والإرادة، وترسيخ حب الوطن، معتبراً أن “حب الأوطان من الإيمان”.

كما أشار إلى أنه يتولى حالياً مسؤولية التنسيق مع الجالية الباكستانية في الأردن، ويحافظ على تواصل مستمر مع السفارة الباكستانية، في إطار متابعة شؤون أبناء الجالية وتعزيز العلاقات بينهم وبين المجتمع المحلي.

من الهجرة البرية إلى الاستقرار

وفي الجزء الثاني من الحلقة، الذي أعدّته الزميلة منيرة الشطي، عادت الحكاية إلى البدايات الأولى لوصول الباكستانيين إلى الأردن أواخر ستينيات القرن الماضي. رحلة طويلة انطلقت براً عبر أفغانستان وإيران والعراق، قبل الوصول إلى الأردن عام 1969 تقريباً.

في تلك المرحلة، كانت الأرض أول محطة للاستقرار، إذ عمل الوافدون الأوائل في الزراعة، خاصة في مناطق الغور وكفرين والشونة الجنوبية، قبل أن يتوسع حضورهم إلى قطاعات أخرى مثل صناعة الأكياس الورقية والكسارات وأعمال مختلفة في المحافظات.

ومع مرور الوقت، لم تعد العلاقة تقتصر على العمل، بل تطورت إلى علاقات اجتماعية وعائلية، حيث بدأت المصاهرة بين الأردنيين والباكستانيين منذ تسعينيات القرن الماضي، وازدادت وتيرتها بعد عام 2000، ما عزز الشعور بالاستقرار والانتماء المشترك.

المطبخ والأفراح… جسور تقارب

الحلقة توقفت أيضاً عند حضور المطبخ الباكستاني في المناسبات الأردنية، حيث أصبح الأرز الباكستاني والأطباق التقليدية جزءاً من موائد الأفراح، إلى جانب المنسف، في مشهد يعكس تبادلاً ثقافياً حياً.

كما استعرضت العادات المرتبطة بالأعراس، حيث تمتد الاحتفالات لثلاثة أيام تتخللها أغانٍ ورقصات وأزياء باكستانية، قبل أن تتكامل مع الدبكات والأغاني الأردنية، في احتفال يجمع بين الثقافتين دون تناقض.

نسيج واحد

تقوم  رسالة “نسيج”، على إبراز القصص الإنسانية لمكوّنات المجتمع الأردني، من شركس وشيشان ودروز وبدو ولاجئين ومهاجرين، باعتبارهم خيوطاً متداخلة شكّلت نسيجاً اجتماعياً متماسكاً.

حلقة “وجوه باكستانية في الأردن” لم تكن مجرد سرد لحكاية عائلة، بل شهادة على رحلة اندماج طويلة، بدأت من الأرض والعمل، وامتدت إلى المدرسة والجامعة والمصاهرة، وصولاً إلى هوية مشتركة تتجاوز الأصل والجنسية، وتستقر في معنى واحد، أن الوطن يُبنى بالعيش فيه، والمشاركة في تفاصيله اليومية.