الإعتصامات حق مشروع بتأثير ضئيل

شهد العام الحالي 2008 في أشهره الماضية حراكا عمالياً ملحوظاً وبالرغم من تواضع نتائج هذا الحراك من اعتصامات واحتجاجات إلا أنها مستمرة نظراً للأهمية التي يراها القائمون عليها.    

اكبر هذه الإعتصامات كان لعمال شركتي "البوتاس" و"الاسمنت" و"مصفاة البترول"، وتمثلت مطالبهم جميعها برفع الحد الأدنى للأجور تمشيا مع الغلاء المعيشي الذي نهش جيوب الغالبية العظمى منهم والمنتمين للطبقة الفقيرة.

ولم تقتصر هذه الاعتصامات على العمال بل انتقلت إلى  الوسط الإعلامي، عندما اعتصم موظفو قناة الـ atv التي أوقفت عن البث قبل سنتين ووصل الحد بالقائمين على المحطة باتخاذ إجراءات تعسفية بحق الموظفين مما اضطرهم  إلى تنفيذ جملة من الاعتصامات للحد من تلك الإجراءات، أثناء ذلك، كان عمال المياومة مستمرين في تنفيذ سلسلة اعتصامات كان أشهرها نصبهم لخيمة احتجاجية وإضراب شامل عن الطعام استمر لمدة أسبوع فيما نفذوا ما يقارب 21 اعتصاما آخر ولكن دون جدوى! فمطلبهم بالتثبيت في الوزارات التي يعملون بها لم يتحقق بعد.
 
وتكرر اعتصامات عمال المناطق الصناعية المؤهلة المختلفة من كافة الجنسيات الأجنبية لأجل رفع أجورهم أو عدم اقتطاع جزء من أجورهم لأجل الطعام، لكنها سرعان ما تنتهي إما بتنفيذ جزئي من مطالبهم أو تجاهلها عبر تهديدات بفصلهم وتسفيرهم خارج البلاد، آخرها وهو الذي لم يحسم بعد الاعتصام الذي بدأه  أكثر من 1400 عامل بدً  31 الشهر الماضي احتجاجا على "انتهاك إدارة المصنع لحقوقهم"، في مصنع ميريديان للألبسة في مدينة الضليل الصناعية المؤهلة الذي يعمل لصالح شركات الألبسة الشهيرة "وال مارت" و"هانز"، وهو ما زال مستمراً حتى الآن .
 
مؤسسات المجتمع المدني، وأحزاب، ونقابات مهنية، وأهالي أسرى أردنيين، نفذوا اعتصامات كذلك ولكن لا جدوى منها كونها تمتد لساعتين على الأكثر، متضمنة خطابات وشعارات مكررة ، مقارنة مع اعتصامات نفذت في دول عالمية حركت الرأي العام حينها، وتحققت مطالبهم.   
 
يعتبر قانون العمل الاردني تنفيذ الإضرابات والاعتصامات حق لهم ، فالمادة 135 تنص انه لا يجوز للعامل ان يضرب دون اعطاء اشعار لصاحب العمل قبل مدة لا تقل عن اربعة عشر يوما من التاريخ المحدد للاضراب وتضاعف هذه المدة اذا كان العمل متعلقا باحدى خدمات المصالح العامة.
 
ولكن هذا الحق يعتريه العديد من القيود منصوص عليها في هذا القانون بالإضافة إلى قوانين وتعليمات في نصوص أخرى.
 
فالمادة  136 " إذا قام أي عامل بإضراب محظور بموجب هذا القانون، يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسين دينارا عن اليوم الاول وخمسة دنانير عن كل يوم يستمر فيه الاضراب بعد ذلك يحرم من اجرة عن الايام التي يضرب فيها.
 
فيما تنص المادة السابعة من قانون الاجتماعات العامة أن للحكام الإداري الأمر بفض الاجتماع او تفريق المسيرة اذا راى ان مجريات اي منهما قد تؤدي الى تعريض الارواح او الممتلكات العامة للخطر.
 
فقانون الاجتماعات العامة يحظر تنفيذ أي اعتصام إلا بموافقة محافظ العاصمة الذي بدوره يستطيع أن يرفض أي اعتصام دون إبداء الأسباب.
 
نقيب العاملين في المصارف، حيدر رشيد يرى ان نتائج الاعتصامات التي نفذت على مدار الاعوام كانت مجدية وحققت نتائجها المطلوبة من قبل النقابات العمالية في ضوء وصول المفاوضات بين النقابات وأصحاب العمل الى طريق مسدود، ولكنه استدرك قائلا:" لا يوجد نتائج ايجابية في اغلب الاحيان والسبب يعود الى تعنت الجهات المسؤولة عن تحقيق مطالب العمال، بالاضافة الى ان العمال يمارسون نفس الشكل من الاعتصامات الذي لا يترك أي أفق لتحقيق المطالب التي يريدونها".
 
ويعتبر رشيد ان الانظمة والتشريعات بشكل عام سواء كانت تشريعات مدنية تتعلق بقانون الاجتماعات العامة او في القوانين المتعلقة بالأحزاب او منظمات المجتمع المدني لم تصل الى مستوى التطور المطلوب، حيث اوضح ان "الأردن لم يوقع على أهم اتفاقية عالمية رقم 78 والتي تمنح الحق للعمال الانتساب الى النقابات وهذا يضعف الحركة النقابية ويقلص من قاعدتها ويجعل كافة التحركات في القطاع العمالي غير قانوني لعدم وجود حق لهم بتشكيل نقابات، بالاضافة الى مخالفتهم للقوانين الأخرى منها قانون الاجتماعات العامة والأمور المتعلقة بالتجمعات الإنسانية بعيدا عن وجود قانون ينظم هذا الأمر".
 
نقيب نقابة اصحاب الغزل والنسيج فتح الله العمراني، يعتبر ان الأساس في عدم نجاح اي اعتصام يعود الى اعتماد ثقافة العصا لا ثقافة الحوار، "القرار في النهاية يعود الى صاحب العمل فلا يوجد اي مؤسسة تعمل كمؤسسية وتبحث في احتياجات العمال وهذا ما يؤدي الى حصول احتقانات، بالاضافة الى القوانين التي تعاني من خلل إلى حد ما وهذا الاسباب لا تؤدي الى نجاعة الاعتصامات، ولكن يمكن بعد تكرار المحاولة ان يتم التوصل الى حل لمطالبهم".
 
ويبين العمراني ان المناطق الصناعية المؤهلة شهدت منذ بداية العام 32 إضرابا عن العمل نفذها 11 الف عاملا، موضحا ان على الحكومة ان تسعى جاهدة لحل مشاكل العمال في القطاعات المختلفة وان لا تتنظر دخل الملك عبد الله الثاني لحلها التي يلجا غالبية المعتصمين بمناشدته لحل قضاياهم.
 
فهمي الكتوت، كاتب اقتصادي ونقابي سابق، بين أن الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد يدفع العمال للمطالبة بحقوقهم المسلوبة ويدفعهم للبحث عن اي وسيلة للخروج من هذه الازمة الاقتصادية، معتبرا ان من حق اي عامل ان ينضي تحت النقابات العمالية للدفاع عن حقوقهم، "قوانين العمل الأردني ووضع الحركة النقابية الاردنية لا يسمحان بتحقيق مزايا عدة، لذلك يتم اللجوء للتوقف عن العمل والاعتصام، فهناك الكثير من العمال لا يخضعون للنقابة بحكم القانون مثل عمال المياومة وعمال الزراعة".
 
وينتقد الكتوت إدخال الأردن سياسة الاقتصاد الحر اي ما يسمى بحرية التجارة وراس المال، دون ان يرافقها اي تطور من حيث التشريع والتنظيم النقابي.
 
من جانبه، بين رئيس اتحاد نقابات العمال مازن المعايطة ان سياسية الحوار والعلاقات الودية ما بين اصحاب العمل والعمال تضمن تحقيق أي مطلب، معتبرا ان النتائج التي تتمخض عند الجلوس على طاولة المفاوضات انجع من الاعتصامات والاضرابات التي ينفذها العاملون على رغم من ان قانون العمل والعمال يؤكد شرعية تنفيذ الاضراب والاعتصامات.