الأكلات التراثية الفلسطينية حافظت على هويتها رغم "التهويد"

الرابط المختصر

على الرغم من انتشار الوجبات السريعة والجاهزة والأطعمة المصنعة في كل أنحاء العالم، وعلى الرغم من محاولة الاحتلال سرقة أهم الأكلات التراثية الفلسطينية ونسبها إليه، إلا أن هذه الأكلات بقيت صامدة وبقوة وتكافح كل هذه العوامل والتحديات وتطهى في كل بيت فلسطيني معززة بذلك الهوية الفلسطينية ومتمسكة بذلك التراث الممتد منذ آلاف السنين.

وقد توارث الفلسطينيون هذه الأكلات التراثية التي تميزوا بها أبا عن جد وهي غنية بالعناصر الغذائية المفيدة والتي تجعلهم يتحملون شظف العيش ومكابدة الحياة.

يقول الكاتب والباحث الفلسطيني ناهض زقوت: "إن فلسطين تتميز بتراثها الغني من المأكولات الشعبية التي تتوارثها عبر الأجيال، وإن كل مدينة وقرية فلسطينية تشتهر بنوع معين من الأكلات، البعض منها انتشر في جميع المدن الفلسطينية والبعض الآخر بقي في نفس المنطقة دون وصوله إلى مناطق أخرى".

واستعرض زقوت في حديث لـ "عربي21" أهم الأكلات التراثية التي تتفق عليها معظم مدن وقرى فلسطين وهي: المفتول، المنسف، المسخن بالطابون، الزرب (الذبيحة المشوية على النار)، المقلوبة، والصيادية، وغيرها الكثير من الأكلات ومنها كذلك الحلويات مثل البسيس والحلبة وغيرها من الأصناف.

وقال زقوت: "ما زالت الأجيال القديمة من الجدات والأمهات محافظات على هذا التراث، ويقدم دائماً على الموائد الفلسطينية خاصة في المناسبات والعزائم، ولكن بدأنا نلاحظ في الفترة الأخيرة أن بعض الأجيال الجديدة لم تعد تهتم بهذه الأكلات التراثية، بل تسعى نحو الوجبات السريعة، والمأكولات التي لا تمت للتراث الفلسطيني بصلة، إنما هي أكلات حديثة يعتمد إنتاجها على المطابخ المنتشرة في وسائل الإعلام".

وأضاف: "يمثل التراث بكل جوانبه سلاحاً من أسلحة حرب الصراع الوجودي بالنسبة للفلسطيني، أمام المحاولات التي يقوم بها العدو الصهيوني من سرقة هذا التراث والادعاء أنه تراث يهودي، فبعد أن سرقوا الأرض وعملوا على تهويد الأمكنة، انتقلوا لسرقة التراث من الثوب الفلسطيني إلى الأكلات الشعبية، لأنهم يحاولون أن يثبتوا أمام العالم أن لهم تراث بهذه الأرض".

وتابع: "تسعى إسرائيل إلى إلغاء الهوية الحضارية والتراثية للشعب الفلسطيني، إلا أن هذه الممارسات تدفعنا بكل قوة إلى التصدي للادعاءات الإسرائيلية الكاذبة للحفاظ على هذا التراث وترويجه بشتى السبل من خلال وسائل الإعلام".

ودعا زقوت إلى ضرورة إعداد التقارير الإعلامية والصحفية، وإلى إعداد كتب ودراسات حول الأكلات الشعبية والتراثية، وأن يكون هذا التراث جزءاً من مسار التعليم في المدارس الثانوية والجامعية لكي نعزز لدى طالباتنا وطلابنا هذا التراث، والعمل على تسجيل هذا التراث في المنصات العالمية كمنظمة اليونسكو على أنه تراث فلسطيني، بالإضافة إلى اقامة المهرجانات الشعبية التي يكون هدفها إبراز تراثنا بكل جوانبه، وإعداد المؤتمرات العلمية حول التراث الشعبي.

وأوضح أن وزارة الثقافة الفلسطينية أصدرت في السنوات الأخيرة قائمة بالتراث الفلسطيني الملموس وغير الملموس ـ المأكولات التراثية من ضمنها ـ لتوثيقه والحفاظ عليه، حتى يكون رداً على الادعاءات الإسرائيلية الكاذبة والمفضوحة. 

وقال الكاتب والباحث الفلسطيني: "بعد غياب الأرض وتشتت الشعب الفلسطيني لم يتبق لنا إلا الأدوات التي ذكرنا للعمل على المحافظة على تراثنا وتعزيزه لدى الأجيال الجديدة، رغم أن الأمور صعبة بعض الشيء أمام عصر السرعة الذي نحيا في ظله، ودخول العديد من المتغيرات على حياتنا، ومنها الوجبات السريعة التي لا نستطيع إلغاءها لصالح الأكلات التراثية لانتشارها بشكل كبير في المجتمع، ولكن نعمل على التقليل من شأنها وخطورتها على صحة الإنسان، فالكثير من هذه الوجبات تسبب الأمراض الخطيرة".

ومن جانبها أكدت الحاجة "أم محمد" أبو النور أنه وبالرغم من التطور الحاصل في مجال الطعام واستحداث العديد من الأكلات والتي يعبر عنها "بالوجبات السريعة" إلا أن الأكلات التراثية الشعبية ما تزال حاضرة في البيوت وخاصة التي يوجد بها نساء من الجيل القديم.

 

وقالت الحاجة "أم محمد" في حديثها لـ"عربي21": "إن وجود هذه الأكلات يشكل قسما رئيسيا من المائدة الغزية باختلاف الفصول والمناسبات بغض النظر عن أن لكل اكلة موسم خاص بها يتطلب وجودها به".

وأضافت: "من الأكلات الشعبية التي ما تزال حاضرة في المناسبات العامة والتي لها مواسم محددة السماقية والمفتول والمسخن والخبيزة والحمصيص والمقلوبة والمجدرة".

وأوضحت أن السماقية تعد من أهم الأكلات في الأفراح فلا يكاد يخلو" حفل العريس" من هذه الأكلة التي يصطف الجميع وينتظرون بشغف انتهاء المدح والزغاريد لتناولها حتى بعد ساعات متأخرة من الليل. 

وبينت "أم محمد" أن عدد من هذه الأطعمة تطبخ بعدة طرق على اختلاف ثقافة وتقاليد العائلة التي تعدها إلا أنه وبالرغم من ذلك فإن المكونات لها لا تختلف مهما اختلفت طريقة الإعداد. 

وأشارت إلى أن فصل الشتاء لا يكاد يخلو يوم من أيامه من وجود أكلة من هذه الأكلات والتي يفضلها الجميع الصغير قبل الكبير مستغلين هذا الموسم وفترة وجودها لإشباع رغبتهم بشكل كافٍ منها والاستمتاع بلذة طعمها والاحتفاظ بكم هائل من العناصر الغذائية التي لن يتكرر وجودها على الصفرة الغزية إلا في الشتاء القادم. 

وشددت "أم محمد" على أن وجود الأكلات الشعبية على المائدة الغزية دليل على التمسك بالهوية والاصالة والعراقة الفلسطينية والتي تعد جزءا من تاريخ الشعب الفلسطيني الذي هجر من أرضه عام 1948.

وأردفت: "لا نغفل عند الحديث عن الأكلات التراثية ارتباطها بحكايات جداتنا وكيف كانت تسرد علينا قصة أصل كل أكلة ومن الذي علمها صنعها وكيف كان مذاقها أول مرة صنعتها وكيف أصبح عندما تمرست في صنعها".
 
وأوضحت أنه مهما بلغ التطور مبلغه وأدخلت عديد الوجبات السريعة لن تحظى بالطعم والمتعة التي تجدها في هذه الأكلات والتي لعل أبرزها التفاف الجميع حول سفرت الطعام وعدم تناولها بشكل منفرد.

ونظرا لأهمية الاكلات التراثية في تاريخ الشعب الفلسطيني يسعى عدد من النسوة في مدينة غزة لتأسيس فريق يهتم بهذه الاكلات أطلقوا عليه اسم: "جونيور شيفس".

وقالت الشيف سماح نسمان إحدى مؤسسات الفريق: "إن المطبخ الفلسطيني يعج بالعديد من الأكلات التراثية الشعبية الغنية بتاريخ فلسطين بكل مدنها وقرها من شرقها إلى غربها".

 

                                الشيف سماح نسمان

وأضافت نسمان لـ "عربي21": لذلك كان لزاما علينا حفظ هذه الأكلات من الإندثار لحفظ هوية الشعب الفلسطيني وتقديمه بشكل أنيق في ظل دخول ثقافات غريبة على شعبنا".

وتابعت: "رغم الامتزاج الكبير في ثقافات العالم إلا أن الاهتمام بالأكلات التراثية الفلسطينية لا يزال مغروسا في ذاكرتنا حيث نتلقى يوميا الكثير من الأسئلة التي تخص مكونات بعض تلك الأكلات من أصدقاء خارج فلسطين أو مغتربين يتابعون اعمالنا وكلهم شغف بما نعمل ويسالوا عن تلك التفاصيل الصغيرة التي نعد بها اطباق الأجداد كي يصنعوا كما كان اجدادهم يصنعونها".

واستعرضت نسمان والمختصة في عمل الحلويات قائمة الحلويات التراثية الفلسطينية مثل: الحلبة (المكركمة)، والمنسوس الفلسطيني، البسيس، مشيرة إلى أن هذه الأنواع وغيرها العديد من الأصناف سواء من التراث الفلسطيني أو المستنبطة من الوطن العربي باتت تعمل بشكل يومي.

وقالت: "إن من الأطعمة الفلسطينية القديمة (حلوى البسيس) التي اختصت بها منطقة الجليل في شمال فلسطين وحملها سكان الجليل إلى مخيمات لبنان، والتي تعتبر من الحلويات البيتيّة التي كان يقوم بإعدادها الفلاحون منذ قرون عدّة، وهي مرتبطة بزيت الزيتون المتوفر بشكل كبير في هذه المنطقة".

وأضافت: "لقد اخترع الفلسطينيون البسيس من خيرات أرضهم من مكونات موجودة بالطبيعة وخيرات أرضهم".

وأوضحت أن مكوناتها هي: الطحين، السميذ، الحليب المجفف، رشة ملح، سيرج، ماء، وقطر خفيف (ماء مغلي بالسكر).

وأشارت إلى أن هذه المقادير تعجن جميعها وتترك لترتاح ربع ساعة ثم تقطع على شكل كرة صغيرة وتنقع بزيت السمسم وبعدها ترق متل رغيف الخبز وتدهن سمن بلدي وتقطع بطريقة معينة، وبعدها تلف وتشكل متل العجل وبضغط باليد حتى تصبح متل رغيف الخبز صغير الحجم، وبعدها تخبز بالفرن حتى يحمر وبعدها توضع بالقطر ويتم تزينها بالمكسرات.

وقالت: "ما زالت البسيسة كما غيرها من الأطعمة التراثيّة الفلسطينية تُقدّم في البيوت، كنوع من الغذاء التراثي وهو ما يسعى الفلسطينيون للحفاظ عليه، حتى أنها تُباع في بعض المحال التجارية، جاهزة ومغلّفة بالنايلون والكرتون، رغم أن الكثير من أبناء الجيل الجديد لا يعرفها، ولا يعرف تصنيعها إلا النساء المتقدمات في العمر".

ومن جهتها اعتبرت الشيف آية نسمان والفائزة في المركز الأول في مسابقة الأنترنشونال كأس مصر للطهاة المطبخ الغزي واحدا من أهم هذه المطابخ، حيث اعتاد الغزيون على طبخ السماقية، والكشك في كل المناسبات بالإضافة إلى المفتول والقدرة الفلسطينية، ولا ننسى المسخن الفلسطيني الذي وصلت شهرته كل الوطن العربي.

 

                            الشيف آية نسمان

وقالت آية نسمان لـ "عربي21": "إن اصنافنا التراثية غنية بأهم العناصر التي تمد الجسم بالصحة والقوامة والقدرة على إنجاز الأعمال البدائية كالحراثة والفلاحة".

وأضافت: "إن أغلب الأكلات التراثية الفلسطينية يدخل فيها: السماق، الحليب، البصل السبانخ"، مشيرا إلى أن أقراص القمح المعجونة مع الحليب هي أهم شيء لتقوية عظام جسم الإنسان".

وتابعت: "رغم محاولات الاحتلال الإسرائيلي سرقة المأكولات الفلسطينية التراثيّة ونسبها إليه، إلا أن بعض الأطباق القديمة، تبقى جزءا من التراث الفلسطيني الذي يقاوم هو الآخر ليبقى شامخاً ويُورّث من جيل إلى جيل".

أضف تعليقك