الأردن من بين 4 دول تستخدم "الصوت الواحد"

الرابط المختصر

بحسب تقديرات دليل المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات فان عدد سكان الدول التي تستخدم الانظمة الانتخابية المعتمدة على نظام الكتلة والكتلة الحزبية ونظام الصوت البديل ونظام الجولتين يبلغ مجموعهم ( 2.65 مليار انسان) وبنسبة مئوية تبلغ 54 % من مجموع سكان الدول البالغ عددها 199 دولة التي تجرى فيها انتخابات برلمانية.
وبحسب الاحصائيات نفسها والتي تعود معظمها الى سنة 2004 فان عدد سكان الدول التي تعتمد نظام التمثيل النسبي في انتخاباتها البرلمانية يصل الى ما مجموعه (1.19 مليار انسان), بينما يبلغ عدد سكان الدول التي تعتمد النظم الانتخابية المختلطة ما مجموعه (1.07 مليار انسان).
ويصل عدد سكان الدول التي تعتمد النظم الانتخابية الاخرى غير المصنفة كنظم انتخابية 34 مليون انسان فقط, يشكلون سكان الدول الاربع التي تعتمد نظام الصوت الواحد وفي مقدمتها الاردن والى جانبها افغانستان, وجزيرة بيتكيرن, وجزيرة فانواتو.
وبحسب الاحصاءات نفسها فان 91 دولة في العالم من اصل 199 دولة اي ما نسبته 46% تستخدم نظم التعددية او الاغلبية في انتخاباتها, وتستخدم 72 بلدا وبنسبة 36% نظام التمثيل النسبي, وتستخدم 30 بلدا وبنسبة 15% النظم الانتخابية المختلطة.
هذه المعلومات تكشف بوضوح عن حجم تاثيرات الانظمة الانتخابية في مخرجات انتخابات دول العالم, وحجم انتشارها في الدول الديمقراطية بغض النظر عن عراقتها في الديمقراطية.
وبالنظر الى مجمل الانظمة الانتخابية وتفريعاتها المنبثقة عنها فان بعض الانظمة تلجأ الى النص في دساتيرها على اعتماد النظام الانتخابي , بينما في دول اخرى عديدة فانها تترك مساحة واسعة امام الدولة لاختيار النظام الانتخابي دون النص عليه صراحة في دساتيرها وهو ما يتوفر تماما في حالة الاردن التي لم ينص الدستور فيها على شكل ومضمون النظام الانتخابي المعتمد في اجراء انتخابات السلطة التشريعية مما يعطي حرية اوسع وربما غير محدودة في اختيار النظام الانتخابي, وهو ما جرى في اكثر من مناسبة سواء في انتخابات 1989 او في الانتخابات التي تلتها في 1993 و 1997 و 2003 و 2007 مما لا يستدعي العمل على تعديل الدستور, ويكفي فقط توفر الارادة السياسية لتحقيق اصلاح النظام الانتخابي.
وان اي نظام انتخابي تعتمده اية دولة من شأنه اما ان يؤجج الصراعات الداخلية وينعكس سلبا على السياسات الديمقراطية الداخلية لتلك الدولة, او ان يساعد على ازالة تلك الاحتكاكات والتخفيف منها, ويصبح بذلك عاملا مهما في تطبيق سياسة الوئام المدني العام.
ولعل تطبيقات نظام الصوت الواحد او الصوت الواحد غير المتحول على 15 سنة في الاردن" انتخابات ,1993 ,1997 ,2003 2007 " توضح تلك الصورة, حيث عمل نظام الصوت الواحد على الحفر في لب الاساس الاجتماعي والسياسي للدولة ومكوناتها, وبدلا من ان يكون هذا النظام الانتخابي عاملا مساعدا في تعزيز الديمقراطية الاردنية وتعزيز العمل الحزبي اصبح عامل تثبيط, وعامل توهين, الى جانب كونه عزز في نفوس قطاعات شعبية واسعة النطاق شعورها بعدم العدالة في حقوقها التصويتية وحتى في حقوقها بمقاعد في البرلمان من خلال اختفاء مبدأ العدالة من نظام الصوت الواحد الذي اعطى دوائر انتخابية قليلة السكان والناخبين مقاعد اكثر بكثير من المقاعد التي تم تخصيصها لمناطق جغرافية تضم عددا اكثر من مضاعف من الناخبين الموجودين في المناطق المحظوظة.
وعزز نظام الصوت الواحد من تخوفات الناخبين ومن عدم توفر العدالة التصويتية والتمثيلية, لتصل تلك التخوفات الى المساس بشعبية المجالس التشريعية المنتخبة وصولا الى عدم الثقة بمخرجات النظام الانتخابي, مما دفع بالناخبين الى الزهد في المشاركة, والاستنكاف عن النشاط الحزبي والنشاط الانتخابي, وبقيت السلطة التشريعية في واد بعيد تماما عما يرغب المواطنون به, وهو ما تأكد عمليا في نتائج انتخابات 2007 التي انتجت نتائجه ردات فعل سلبية تجاهه حتى قبل ان يعقد اولى جلساته.
لعل بعض الدول المصنفة في اطار دول التحول الديقراطي تملك مبرراتها في اعتماد انظمة انتخابية لا تسمح وبدوافع الخوف من سيطرة المعارضة او سيطرة الحزب الكبير الواحد على المقاعد التمثيلية في البرلمان لاعتماد انظمة انتخابية من نوع نظام الصوت الواحد بهدف تقليل الفرص امام المعارضة او الحزب الكبير للوصول الى البرلمان, الا ان هذه المبررات لن تكون كافية لاقناع الناخبين بصوابيتها وواقعيتها, اذ تصل فوبيا الخوف من المعارضة او من الحزب الكبير التي تفرض نفسها على الحكومات الى منتهاها لدى الناخبين الذين سيصلون الى قناعات بان الحكومات تمنعها من حقها في الاختيار والانتخاب, وتصادر حقها بالعدالة في توزيع الاصوات والمقاعد التمثيلية, وقد تصل المخاطر الى ما هو اكبر من ذلك عندما تصل قناعات الناخبين الى ان الحكومات نفسها اضعف من ان تحتمل تحقيق العدالة الانتخابية والتمثيلية لجميع المواطنين لوقوعها تحت ضغوطات الجغرافيا والديمغرافيا, وفوبيا الاقليات والطوائف والمعارضة.
ان المبدأ الاساسي الذي تعتمده جميع النظم الانتخابية في العالم هو ترجمة اصوات الناخبين الى مقاعد في السلطة التشريعية, وفقا لاسس صارمة من اهمها تطبيق مبدأ العدالة التصويتية والتمثيلية, ومن هنا فانه اذا لم يوضع قانون انتخابات يتضمن تعزيز روح ومضمون وشكل العدالة الانتخابية الحغرافية والديمغرافية بين جميع الاردنيين فان الانتخابات النيابية المقبلة"المجلس السادس عشر" ستشهد ارتكاسة حقيقية خطيرة, ولن يستطيع الناخب الاردني بعدها الثقة بالحكومات او بالمجالس التشريعية التي ستنبثق عن مثل ذلك القانون, وفي النهاية ستعزز الازمات الداخلية وتكبر مثل كرة الثلج وعندها ستحتاج فقط الى نيران لاذابتها.
ولا بد من التأشير ان اي نظام انتخابي في اي دولة يعطي مؤشرا على حجم قوة تلك الدولة واستقرارها , وعلى طبيعة نهجها السياسي ان كان ديمقراطيا ام لا, كما انه يعطي مؤشرا جيدا على مدى المشكلات التي ستواجه تلك الدولة مستقبلا.
ومن هذه القاعدة فانه يمكن النظر باطمئنان الى ان قرار جلالة الملك بحل مجلس النواب الخامس عشر, وتوجيهاته السامية للحكومة الجديدة فيما يتعلق بالنظام الانتخابي وقانونه, واجراء انتخابات نيابية على اسس واضحة وصارمة من الشفافية والعدالة والمساواة, وما سيتلو ذلك من اجرءات, وتأشيره الواضح الى التوجه نحو الاصلاح الشامل , انما يحمل في مضمونه النبيل تحقيق المصالحة المدنية الاجتماعية والسياسية في الداخل الاردني, وبث روح الثقة في جمهور الناخبين الاردنيين الذين لم يستطيعوا التخلص من قناعاتهم بان ذلك المجلس لم يمثل ارادتهم الحقيقية, وهو ما ادى بالنتيجة وبشكل سريع الى فقدان شعبيته فور اعلان نتائجه, وادى خلال السنتين التاليتين الى اضعاف رغبة الناخبين والمواطنين بتعزيز احترامهم للدولة, وهذا ما عبر عنه الاردنيون سريعا وبشكل عفوي عندما صدرت الارادة الملكية بحل المجلس.
لقد وصف الاردنيون هذا القرار بانه ازال الاحتقان الداخلي الشعبي, وأراح الناس والشعب وعمل على اعادة الاطمئنان اليهم..ألخ, مما يعني ان الانطمة الانتخابية المعمول بها في كل بلد ودولة قد تكون عامل توتير وخلق ازمات فيه, وقد تكون ايضا عامل استقرار وتفاهم ورضا, وهو ما يامله الاردنيون في القانون الجديد للانتخابات.
شروط تحقيق البيئة الانتخابية العادلة
يعتقد معظم المهتمين بدراسة الانظمة الانتخابية ضرورة توفر العديد من الشروط المهمة لتحقيق بيئة انتخابية تكفل تحقيق العدالة والمساواة امام جميع الناخبين وضمن معايير واضحة تؤدي بالنتيجة الى فرز مجلس نيابي يتمتع بخاصية التمثيل الكلي لمكونات المجتمع من موالاة ومعارضة واحزاب ومستقلين وطوائف واعراق واغلبية واقلية ونساء.
ومن اهم ما ينادي به المهتمون والباحثون لتحقيق هذه البيئة هو:
1 - يجب ان يراعى في النظام الانتخابي المعتمد الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة بحيث لا يتحول النظام الانتخابي الى عامل توتير داخلي قد يؤدي في النهاية الى نتائج سلبية.
2 - يجب تحقيق مبدأ العدالة الانتخابية وعلى مبدا المواطنة, وان لا يتم تسمين فئة اجتماعية او جغرافية على حساب فئة اخرى.
3 - منح جميع الناخبين فرصة واحدة متساوية في اختيار من يمثلهم في السلطة التشريعية سواء لجهة الاحزاب او لجهة المستقلين, او لجهة الحزب الحاكم او الموالي او لجهة احزاب المعارضة.
4 - يجب توفير البيئة الكافية للعملية الانتخابية في جوانبها الاجرائية والفنية سواء من خلال الكشوفات الانتخابية او من خلال اجرءات الاقتراع والفرز بحيث لا تترك الدولة لاي ناخب او مراقب فرصة التشكيك في تلك المجريات او النتائج التي ستترتب على العملية الانتخابية بكاملها.
5 - يجب منح الناخبين الشعور بقيمة اصواتهم في العملية الانتخابية وتجنيبهم الشعور بان اصواتهم مجرد ارقام ضائعة غير مؤثرة.
6 - يجب توفير بيئة مقنعة للناخبين تجاه النظام الانتخابي المعتمد في قانون الانتخاب"توفر العدالة وعدم التمييز" لان توفير قناعة بعدالة النظام الانتخابي سيوفر حوافز كبيرة للناخبين للمشاركة في العملية الانتخابية, وسيوفر ايضا قناعة شعبية واسعة النطاق يمصداقية النتائج التي ترتبت على العملية الانتخابية, مما سيمنح السلطة التشريعية المنتخبة شعبية واسعة النطاق سيفيد حتما في التفاف الشارع الانتخابي حولها, وسيثير لدى الناخبين اهتماما متزايدا ودعما اضافيا للسلطة التشريعية, وهو الدعم الذي سيؤدي بالنتيجة الى تعزيز الثقة بالسطلة التنفيذية وبمؤسسات الدولة نفسها, خاصة اذا ما تعزز الجانب الرقابي البرلماني على اعمال السلطة التنفيذية" لاحظ ما اشار اليه جلالة الملك في كتاب التكليف السامي لحكومة سمير الرفاعي في هذا الجانب"..
7 -توفير بيئة عمل وتشريعات تدفع بالعمل الحزبي الى الامام, من خلال توفير الفرص امام الاحزاب السياسية للانخراط في الحياة العامة السياسية والاجتماعية, وصولا الى توفير بيئة تشريعية في النظام الانتخابي او قانون الانتخاب تساعد الاحزاب للمشاركة في العملية الانتخابية على اساس حزبي.
8 توفير بيئة المحاسبة والمراقبة من قبل الناخبين على اعمال من يمثلونهم في البرلمان وخاصة نواب الاحزاب الذين تم انتخابهم على اساس حزبي.
9- يجب توفير كافة الظروف المساندة تشريعيا لوصول المعارضة لمقاعد السلطة التشريعية, لان وجود المعارضة في البرلمان سيعطي دفعة قوية لعمل السلطة التشريعية, وسيعطي في الوقت نفسه للناخبين المزيد من القناعات بحقيقة التمثيل القائم في السلطة التشريعية.
10- يجب توفير مبدأ عدم الاقصاء لاي مرشح" سواء كان حزبا ام مرشحا مستقلا, مواليا ام معارضا".
11 - يجب التأكيد مبكرا على ان من سيشرف على اجراء الانتخابات ومرحلة الاعداد لها لجانا مستقلة معروفة بالنزاهة كالقضاء مثلا, حيث تبقى السلطة التنفيذية بعيدة عن مجريات العملية الانتخابية مكتفية بتقديم اي دعم لوجستي تحتاجه اللجنة المشرفة على الانتخابات فقط .