من يدفع ثمن الوصول إلى سوق العمل؟

أنس ضمرة

إذا كنا جادين في تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، فعلينا أن نتحدث عن كلفة أن يكون مكان العمل نفسه قابلًا للوصول. فقد تكون الشركة مستعدة لتوظيف شخص ذي إعاقة، وقد يكون لديها شاغر مناسب، وقد يمتلك المرشح المؤهلات المطلوبة، لكن المبنى الذي تعمل فيه قد لا يكون مستعدًا لاستقباله. مدخل فيه درجات، أو مصعد غير مناسب، أو دورة مياه غير مهيأة، أو فروق مناسيب داخل المكتب، أو مسارات غير آمنة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

هذا المقال يأتي استكمالًا للنقاش الذي بدأته في مقال سابق بعنوان "الأشخاص ذوو الإعاقة في الأردن.. من يهيئ الطريق إلى سوق العمل؟"، والذي انطلق من إعلان وزير العمل تشديد الرقابة على تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، وطرح سؤالًا أوسع حول مسؤولية الحكومة في تهيئة الطريق إلى سوق العمل، وليس فقط مسؤولية الشركات في التوظيف. وإذا كان الوزير قد أعلن أن الوزارة ستبدأ بتوعية أصحاب العمل ثم الانتقال إلى تكثيف التفتيش واتخاذ الإجراءات بحق المنشآت غير الملتزمة، فإن السؤال التالي الذي علينا أن نطرحه هو: ماذا يحدث عندما يكون صاحب العمل مستعدًا للتوظيف، لكن مكان العمل نفسه غير مهيأ؟ ومن يتحمل كلفة تصحيح ذلك؟

سأبدأ بالسيناريو الأكثر انتشارًا وتكرارًا: شركة تستأجر مكتبًا في مبنى قائم، وتحتاج إلى تعديلات إنشائية كبيرة حتى يتمكن موظف يستخدم كرسيًا متحركًا من الوصول إلى مكان عمله. من الصعب اختزال المسألة بالقول إن الشركة مسؤولة عن كل شيء ، الشركة مسؤولة عن عدم التمييز وعن توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة، لكن بعض تكاليف تصحيح البيئة المادية قد تكون نتيجة تراكمات عمرانية و تنظيمية ورقابية أقدم من الشركة والموظف معًا.

لذلك، فإن غياب الرقابة على ترخيص المباني وعدم تطبيق المادة 33 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة جعل عملية التوظيف أصعب وأكثر كلفة. فالمادة تنص على عدم جواز مصادقة أو إجازة المخططات والتصاميم أو منح الترخيص وإذن الإشغال للمباني العامة أو الخاصة ودور العبادة والمواقع السياحية وغيرها من المنشآت والمرافق التي تقدم خدمات للجمهور، ما لم تكن مطابقة لإمكانية الوصول. كما ألزم القانون وزارة الأشغال العامة والإسكان وأمانة عمان الكبرى والبلديات ومن في حكمها ومجلس البناء الوطني الأردني والجهات ذات العلاقة بإلزام الجهات التي تقدم خدمات للجمهور بتصويب أوضاع منشآتها ومرافقها وفق إمكانية الوصول، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق الجهات غير الملتزمة، بما في ذلك الإغلاق المؤقت أو الدائم.

وبالتالي، لا بد من تفكيك هذه التكاليف ضمن استراتيجية شاملة للتعامل مع المعيقات التي تحد من وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى أماكن العمل. والبداية يجب أن تكون من التكاليف التي تضخمت نتيجة سنوات من التأخر في تصويب أوضاع المباني القائمة، خصوصًا أن بعض أعمال التهيئة تصبح أكثر كلفة وتعقيدًا كلما تأخر تنفيذها.

صاحب الشركة الذي استأجر مكان العمل في مبنى لم يتم التحقق من إمكانية الوصول إليه عند تصميمه وترخيصه، لا يمكن تحميله وحده كامل تكلفة استحداث دورات مياه مهيأة، أو منحدرات، أو معالجة الفروق في المناسيب داخل المكتب، أو إعادة تأهيل مصعد المبنى. هذا لا يعني إعفاء صاحب العمل من مسؤوليته، لكنه يعني أن علينا التفكير بكيفية توزيع الحمل. 

هذه ليست مشكلة أردنية فقط. منظمة العمل الدولية تميز بين إمكانية الوصول التي تزيل الحواجز أمام الجميع، والترتيبات التيسيرية المعقولة التي تستجيب لاحتياجات شخص محدد، وتشير إلى أن حجم المؤسسة، وكلفة الترتيب، وتوفر التمويل العام أو أشكال الدعم المالي الأخرى، يمكن أن تكون عوامل تؤخذ في الاعتبار عند تقييم العبء الواقع على صاحب العمل.

ولهذا، فإن تقاسم التكلفة ليس فكرة استثنائية؛ ففي المملكة المتحدة، تقدم الدولة من خلال برنامج "Access to Work" دعمًا لتكاليف مرتبطة بالعمل، مثل المعدات المساعدة ودعم التواصل وبعض التكاليف التي تساعد الشخص ذي الإعاقة على أداء عمله. وفي كندا، ذهبت السياسة إلى مستوى آخر، من خلال "صندوق تمكين إمكانية الوصول" الذي يمول مشاريع البناء والتجديد وإعادة التأهيل لإزالة الحواجز المادية والتكنولوجية في أماكن العمل، بما في ذلك المنحدرات والأبواب ودورات المياه والمصاعد ومواقف السيارات.

هذه التجارب لا تعني أن الحكومة يجب أن تدفع بدلًا عن القطاع الخاص. بل تقدم فكرة أكثر توازنًا أن تتوزع المسؤولية المالية بحسب طبيعة التهيئة ومصدر الكلفة.

فالشركة التي تبني مقرًا جديدًا يجب أن تتحمل تكلفة الالتزام بمعايير إمكانية الوصول منذ البداية - وبهذه الحالة تكون الكلف بسيطة ومعقولة اساسا - والشركة التي لديها موظف ذو إعاقة يجب أن تتحمل مسؤوليتها في توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة. لكن عندما نصل إلى مبنى قائم يحتاج إلى استثمار كبير لتصحيح حواجز مادية، يصبح تدخل الدولة لتخفيف جزء من الكلفة جزءا من مسؤوليتها، خصوصًا مع وجود قانون لم يتم تطبيقه على مدار نحو ١٠ سنوات مضت. 

أردنيًا، نعلم أن الحكومة لن تكون متحمسة لإنشاء صندوق وطني لتمويل هذه التعديلات في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. وهنا يبرز خيار مختلف قد يكون أكثر ملاءمة للسياق الأردني، وهو بأن يقوم القطاع الخاص بتمويل أعمال التهيئة، بالتنسيق مع الحكومة، على أن يتم احتساب هذه التكاليف ضمن الضريبية المستحقة على الشركة، وفق شروط ومعايير واضحة، مع ضمان أن الشركة التي تقوم بالتهيئة وفقا لهذه الآلية توظف أشخاصا ذوي إعاقة. 

هذا النموذج يمكن أن يخفف العبء عن الخزينة، وفي الوقت نفسه يمنح الشركات حافزًا اقتصاديًا للاستثمار في إمكانية الوصول بدل اعتبارها تكلفة إضافية. لكنه يحتاج إلى ضوابط واضحة حتى لا يتحول إلى إعفاء ضريبي مفتوح. يجب أن تحدد جهة فنية مختصة نوع التهيئة المطلوبة وتكلفتها المقبولة وفقا لكل حالة، وأن يرتبط أي خصم ضريبي بتنفيذ فعلي يمكن التحقق منه، وتوظيف فعلي، مع إعطاء الأولوية للتعديلات التي تجعل المبنى متاحًا لعدد أكبر من المستخدمين.

المطلوب إذن ليس إعفاء القطاع الخاص من مسؤوليته، ولا تحميله وحده ثمن سنوات من التأخر في بناء بيئات قابلة للوصول وغياب الرقابة عليها.

المطلوب أن ننتقل إلى نموذج يضمن توزيع المسؤولية والكلفة بطريقة تجعل سوق العمل قابلًا للوصول فعلًا فالقطاع الخاص لديه مسؤولية واضحة في إزالة الحواجز داخل بيئة العمل وتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة، والحكومة لديها مسؤولية في إنفاذ القانون وضبط البناء والترخيص وتصويب التراكمات القديمة، وفي الوقت نفسه يمكنها استخدام أدواتها المالية لتشجيع الاستثمار في إمكانية الوصول لضمان زيادة المشاركة الاقتصادية للأشخاص ذوي الإعاقة.

إذا كانت الحكومة جادة في رفع مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل كما اعلن وزير العمل الأسبوع الماضي، فعلينا ألا نجعل التهيئة اختبارًا صعبا أمام أصحاب العمل.

نحن لا نحتاج إلى أن تدفع الحكومة بدلًا عن القطاع الخاص، ولا إلى أن يتحمل القطاع الخاص وحده فاتورة تأخر لم يصنعه وحده. نحتاج إلى سياسة واضحة تجعل كلفة الوصول مسؤولية مشتركة، وتضمن في الوقت نفسه أن تتحول الأموال والحوافز إلى بيئات عمل قابلة للوصول فعلًا.

 

أنس ضمرة: متخصص في الإعلام والتأثير والبحث في قضايا الإعاقة